بقليل من الانفعال وكثير من الهدوء، أطلقت المخرجة الفلسطينية بثينة خوري في سماء مسرح رام الله زفيرها، وهي تروي لجمهور فيلمها "مغارة ماريا" حجم المعاناة التي تكبدتها طوال سنتين من العمل والتصوير، لانتاج شرائط ممغنطة لا يتجاوز زمن عرضها ساعة كاملة:"أعترف أن الفيلم يتناول حكايات قتل النساء، وهو دون شك موضوع خطر يصعب تناوله بوضوح في مجتمع عربي يتكتم على المحظور. واجهتُ ضغوطاً كثيرة لوقف الانتاج وتعرضت الكاميرا لتحطيم مقصود أثناء جولة تصوير..لكني تابعتُ مشروعي بقناعة يكفلها حقي في التعبير".

          يفتتح فيلم "مغارة ماريا" مشهده الأول على أجراس كنائس بلدة شرق

رام الله، ثم يطلق العنان لشاهدة عيان عجوز تروي الحكاية التي وقعت عام 1936:" ماريا بنت جميلة جداً، باتت عرضة لشك الأهل في سلوكها، لجأوا لمجموعة مسلحة ورجوّها قتل البنت!! تبيّن بعد مقتلها أن البنت بريئة"..هل يُعقل أن تدفع بريئة حياتها ثمن الشك؟!

          يدور الفيلم ثلاثاً وخمسين دقيقة يحتجز فيها قصصاً حقيقية، وثّقتها المخرجة باسلوب ابداعي ينزف حزناً: مقتل فتاة حامل ودفنها والادعاء بأنها ماتت بنوبة قلبية، لكن التشريح الطبي يكشف الحقيقة بعد استخراج جثتها ويعلن دون تردد وفاتها بالسم. وتروي ضحية أخرى بوجه غائب عن عدسة الكاميرا، نجاتها بأعجوبة من الموت بعد سبع طعنات مريعة زرعها شقيقها بأنحاء مختلفة من جسدها تحت ذريعة الشك أيضاً. وتقدم شاهدة عيان في قصة ثالثة الاعتذار للمغدورة لأنها لم تتمكن من مساعدتها حين سقطت قتيلة مضرجة بدمها في شارع عام.

          تزامن عرض "مغارة ماريا" في رام الله مع معرض فني مبتكر أطلقته منظمة "كفى" النسوية اللبنانية في بيروت، وحمل المعرض إسم "نشر الغسيل" وجاءت انطلاقته عشية اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء. يتضمن المعرض مجموعة من حبال الغسيل، تساقطت من فوقها قطع الملابس البيضاء المثبتة بملاقط تمتلئ حبراً مندداً بقتل النساء، وأيضاً رسومات كاريكاتورية بسيطة تعبر عن رفضها لفكرة ممارسة العنف بحقهن تحت ذرائع مختلفة.

          حملة مناهضة العنف ضد المرأة انطلقت في الخامس والعشرين من الشهر الماضي وتختتم في العاشر من ديسمبر الجاري، اليوم العالمي لحقوق الانسان، الذي تكرس دولياً بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة باعلانه وثيقة دولية في العاشر من ديسمبر عام 1948.

يتضمن الاعلان العالمي لحقوق الانسان ثلاثين مادة، تنص على احترام رزمة حقوق أساسية للانسان أبرزها: حقه في الحياة، التمتع بالحرية والكرامة دون تمييز، حق التنقل وحظر الرق والتعذيب والاعتقال والنفي القسري والابعاد، والتمتع بحرية الرأي والتعبير، والحق في العمل والراحة والتعليم، والحفاظ على الممتلكات الخاصة، وحق المحاكمة العادلة وضمان براءة الشخص حتى تثبت ادانته، والكثير من الحقوق التي تضمنتها أيضا ديباجة وثيقة الاعلان العالمي.. لكن السؤال: هل نحتاج للتدقيق جيداً بالقصص المريعة التي عرضها الفيلم الوثائقي "مغارة ماريا" لاكتشاف مدى غياب حق الحياة الذي خطف المادة الثالثة في رأس الاعلان العالمي؟ هل نحتاج للتدقيق بعيون ثاقبة في معرض "نشر الغسيل" لنكتشف واقع العنف الذي يعصف بالمرأة اللبنانية والعربية؟ مع أن حظر التعذيب والقهر احتل المادة الخامسة..لكن المفارقة القاتلة للشعب الفلسطيني، نساء ورجال، أن الأمم المتحدة أطلقت وثيقتها بعد سبعة أشهر بالتمام، على النكبة الكبرى وتهجير غالبية شعب للمنفى وهدم بيوته وسلب أملاكه، بل انتهاك كل الحقوق التي تضمنتها الوثيقة الدولية..في سنويتها الستين تطفئ الوثيقة الدولية شمعتها احتفالا بميلادها، بينما تشعل النكبة في سنويتها الستين أيضاً ألف جمرة وجمرة اصراراً على حق العودة وتعويض اللاجئين.  

Bfeature2000@yahoo.com