الاهتمام بحقوق الانسان وحرياته الأساسية لم يكن ليصل الى هذه المكانة في عصرنا الحالي لولا الانتهاكات الخطيرة التي تعرضت لها تلك الحقوق خاصة خلال أوقات الحروب والنزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعصف في أكثر من مكان من العالم بحيث أضحت مادة للتحليل والتجارب المؤلمة والتي تعكس الصورة المظلمة لوجه حضارة الانسان في ظل نظام العولمة الذي يجتاح العالم بأسره تاركا بصماته وتأثيراته على نهج وأسلوب حياتنا في موازاة الثورة التقنية الحديثة والتي ساهمت هي الأخرى في العمل على إصدار الحقوق الانسانية بصورة مباشرة او غير مباشرة، فهل تمكن المجتمع الدولي وما يملكه من امكانيات مادية وغير مادية من حماية تلك الحقوق ومنع التعرض لها، أم أن الاجراءات التي اعتمدها لم تكن ناجحة في معالجة هذه المسألة، وفي تحقيق حلم الانسان في تطبيق سليم وفعال للاعلان العالمي لحقوقه التي أقرها المجتمع الدولي في العاشر من كانون الأول سنة ,1948 الى جانب مواثيق لاحقة صدرت مكملة لأحكامه.
الاجابة تبدو سهلة اذا ما ألقينا نظرة سريعة وشاملة على واقع العالم اليوم بشكل عام، وعلى واقع منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص لرأينا ان الحروب المتنقلة والأزمات المتلاحقة لم تجد حلولا لها حتى الآن، ومثل هذه الأحداث العاصفة أتاحت الفرص لانتهاكات خطيرة لحقوق الانسان رغم كثرة النصوص المتعلقة بها والتي عجزت عن توفير الحماية المطلوبة في حدها الأدنى، وبرأينا فإن الخلل يمكن ارجاعه الى سببين أساسيين:
السبب الأول: يعود الى عدم اعتماد آلية او إجراءات من شأنها ان تجعل التطبيق السليم للنصوص متاحاً، وبالتالي عدم اتخاذ تدابير رادعة بحق المخالفين، مما أدى الى ارتكاب جرائم ضد الانسانية في أبشع صورها، ولعل الوضع في العراق وفي فلسطين وفي لبنان خير شاهد على تلك المجازر التي ترتكبها اسرائيل بدعم أميركي واضح.
السبب الثاني: يكمن في عدم النظرة الى جذور المشكلة، والعمل لايجاد حل عادل بشأنها، وبذلك طغى عليها الطابع السياسي في الأساس، وبالتالي حكم عدم العدالة من الناحية الواقعية فالنظرة الموضوعية والمجردة حول هذه المسألة تساعد وتساهم الى حد بعيد في إيجاد الحلول الملائمة لحكمها، لأن انتهاكات حقوق الانسان تكاد تقتصر على من لديهم القوة والسيطرة والنفوذ السياسي والاقتصادي، بحيث تخولهم هذه الصفات ارتكاب جرائمهم باسم الشرعية الدولية وبحجة فرض النظام العام وعدم الإخلال بالسلم والأمن الدوليين، ومكافحة الارهاب تحت رعاية مباشرة من الأمم المتحدة وصمت يثير أكثر من علامة استفهام حول دورها في خرق تلك المبادئ وارتكاب أفعال مخالفة للقانون الدولي الانساني في أكثر من مكان في هذا العالم.
ولم يكن العالم العربي في يوم ما بمنأى عن هذه المشكلة التي عرفت حداً لا يطاق من خرق لحقوق الانسان وكرامته، ومن تعد تجاوز حقوقه وحرمة حياته الخاصة بشكل سافر، وهذا ما يشير اليه الواقع من خلال سجناء الرأي السياسي في العالم العربي، وسوء المعاملة التي يتلقاها الموقوفون في السجون، ومن المنطلق ذاته فقد صدر الميثاق العربي لحقوق الإنسان سنة ,1994 ولم يكن ليعالج الخلل الكامن في النفوس، بل أدى إلى تحقق بعض السلبيات حيال هذه الظاهرة والتي ازدادت عنفاً وشراسة، ولم تتمكن القوى الخيرة من دفعها في الاتجاه السليم من أجل صالح الإنسان وفلسفة وجوده في الحياة.
ولا بد من التنويه بأحكام الشريعة الاسلامية التي جاءت بصورة شاملة بأحكام مراعية في ذلك حق الفرد وحق الجماعة وحق الأسرة، ومثل هذه الحقوق الانسانية ملزمة بحكم مصدرها الإلهي، ولقد وردت ضمن سياسة فقهية واجتهادية مهمة من أجل تحقيق غايات اجتماعية سامية ومتميزة عن غيرها من الشرائع وبدرجة عالية من توفير تلك الحماية وتعزيزها وجعلها ترقى إلى أعلى الدرجات في سلم الأولويات بالنسبة للإنسان ورسالته في الحياة.
المشكلة لا تكمن فقط في المنهج السياسي السائد إنما تكمن أيضاً في التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في الدول الحديثة، كما أن ظاهرة عالمية حقوق الإنسان تعني كل البشر في كل زمان ومكان، وبالتالي لا يمكن إنكارها باعتبارها حقاً مكتسباً لا يجوز المساس به، بل اعتبارها من أهم الانجازات الحضارية التي تستحق التضحية وبذل الجهود حتى تتحول النصوص النظرية إلى ممارسة فعلية، وبذلك تردم الهوة بينهما وتلغى المعايير المزدوجة والانتقائية على المستويات كافة على أساس ان الحقوق الانسانية وحدة متكاملة تعبر عن حضارة الانسان ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وتكرس رسالته ونمط حياته في العمران البشري وتدفعه بالاتجاه العادل الذي يحقق له القوة والاحترام والاستمرار في أداء دوره الرائد ضمن سياسة ترسم على هدي قول الخليفة عمر بن الخطاب «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً».
([) أستاذ جامعي