خلال مؤتمر جامعي دولي عن المفكّر والناقد الألماني والتر بنيامين (1892 ـ 1940)، كاد أحد المشاركين أن يلصق بي تهمة العداء للسامية حين اعترضت علي الإفراط في صَهْيَنة بنيامين وتشويه أفكاره (الواضحة تماماً، في الواقع) عن الفارق بين صهيونية قوموية متعصبة واستيطانية رفضها (دون أن يرفض فكرة توطين الراغبين من اليهود)؛ وأخري ثقافية رأي أنها يجب أن تنبثق من القِيَم اليهودية الكونية، وأن لا تقتصر تالياً علي اليهود وحدهم. ذلك المشارك، الأمريكي، أنعم عليّ ببعض التسامح مع ذلك: لولا أنّ ورقتي لا تدلّ علي كره مسبق ليهودية بنيامين كما قال، فإنّ التهمة الرهيبة كانت ستنطبق عليّ دون إبطاء أو عناء!
والحال أنني، بعد مداخلته الإعتراضية المطوّلة، وجدت نفسي أكثر حماساً لاستفزازه علي نحو يدفع الفكرة إلي أقصي مدي إشكالي ممكن، إذْ لعلّ السجال يتكشّف أكثر عن محتواه الأعمق الخافي والخبيث، أي إسكات كلّ نقد للركائز الإستيطانية والعنصرية التي تنهض عليها دولة إسرائيل، عن طريق ترهيب البشر بهذه التهمة/ السيف المسلط علي الرؤوس. لا تُصَهْينوه أكثر ممّا تَصَهْيَن فعلياً في سلوكه وفي نصوصه، خاطبت صاحبنا الأمريكي، إذْ لعلّ من صالح التراث الفلسفي اليهودي الحديث أن يظلّ بنيامين (وأمثال غيرشوم شوليم، تيودور أدورنو، جاك دريدا...) ملكاً للإنسانية جمعاء، بدل حشرهم في ركاب الصهيونية أو سجنهم في الدائرة اليهودية الضيقة.
وبالطبع، كان المثال الثاني الذي يقفز تلقائياً إلي سدّة النقاش هو الروائي الإرلندي الكبير جيمس جويس والمحتوي الفعلي لأفكاره عن الصهيونية خصوصاً، وعلاقة التماثل بين اليهودي والإرلندي بصفة عامة. ففي روايته الشهيرة عوليس Ulyes، التي ظهرت عام 1922 وتظل الأرفع علي امتداد القرن العشرين بأسره، يشير جويس مراراً إلي فلسطين والمشروع الصهيوني والإستيطان المبكّر، وإلي المسألة اليهودية بصفة أعمّ. ومن الثابت الآن أنّ جويس تعاطف مع اليهود كشعب مضطَهد وجوّاب آفاق، وكان مهتماً بصفتين جوهريتين في الشخصية اليهودية: العزلة بالاختيار المحض، والروابط العائلية الوثيقة. كذلك ارتبط بعلاقات صداقة مع شخصيات يهودية بارزة، وذيوع حقيقة رفعه اليهودي إلي مصافّ بطل ملحمي مثل عوليس أسهم في ترسيخ سوء الفهم حول طبيعة علاقته باليهود: في سنة 1940 أحجمت السلطات السويسرية عن منحه تأشيرة دخول علي أساس أنه يهودي، كما تجاسر صحافي صهيوني علي تلفيق حكاية عن زيارة قام بها جويس إلي فلسطين عام 1920.
ما هو أكثر أهمية في الأمر أنّ جويس اقتنع، في طور محدد من حياته المتقلبة، بتشابه المصائر بين اليهود والإرلنديين، فاستهوته حياة اليهود العائلية، وشغفهم بالمعرفة (تحدّث بحماس عن هذه التسمية الجذابة: أهل الكتاب )، وتعرّضهم للإضطهاد والخروج والتيه. ولكنه، في الرواية مثلما في آرائه الخاصة، أبقي اليهودي علي حافّة الترحال فقط، واعتبر أنه لن يبلغ أرض الميعاد، تماماً مثل موسي في سفر التثنية. ليوبولد بلوم، بطل الرواية يبدو يهودياً، ودارسو جويس لا يجمعون حتي الآن علي أنه يهودي بالتأكيد القاطع، خصوصاً وأنّ الروائي الكبير المولع بالإلتباس وفّر الكثير من المعطيات المتناقضة التي تجعل الأمر مُلتبساً تماماً. الثابت، مع ذلك، أنّ بلوم كان معارضاً للحركة الصهيونية المبكّرة، ولأفكار موشي مونتيفيوري بالذات. وفي أحد مشاهد الرواية يذهب لشراء كِلية خنزير من أجل إفطاره، فيلفّها له اللحّام (الصهيوني) بورقة هي في الأصل منشور صهيوني يحضّ علي الإستيطان في فلسطين، وإقامة مزرعة قرب بحيرة طبريا.
ولقد نشب نقاش ساخن حول شخصية بلوم، وبدا وكأنّ تحديد هويته الدينية إنما يحسم معضلة كبيرة بين العلمانيين و غير العلمانيين داخل الحركة الصهيونية! دافيد بن غوريون أعلن بفخار: حسناً، قد لا يقول الحاخامات بأنّ بلوم يهودي. أنا من جهتي لا أتردد في اعتباره يهودياً . مناحيم بيغين ردّ، ساخراً: هل يحتاج الأمر إلي حاخام لندرك أنّ آكل لحم الخنزير ليس يهودياً ؟ وفي سجال شهدته مستوطنة نيتيفوت، بمناسبة الذكري الخمسين لولادة الدولة العبرية وانعقاد مؤتمر حزب العمل، شنّ حاخام (يمني الأصل!) هجوماً مقذعاً علي الذين يروّجون لأدب جويس الداعر، وأرغي وأزبد هاتفاً: هذا الزاني، المتهتك، آكل لحم الخنزير، كاره طبريا !
وكما صدرت وتصدر عشرات الدراسات التي تُعني بتضخيم أفكار جويس حول الصهيونية لعلّ أبرزها كتاب مارلين رايزنبوم .آخَر جيمس جويس اليهودي ، وفيه تذهب إلي درجة الحديث عن شعريات يهودية عند جويس!؛ كذلك صدرت وتصدر عشرات الدراسات التي لا تكتفي بصهينة أعمال بنيامين عن طريق القسر أو الاختزال أو التضخيم، بل يتجاوز بعضها الحدّ الأدني المقبول من اللياقة العلمية المحضة وهذا، بالطبع، لا يعني غياب أعمال أخري تنصف يهودية بنيامين، مثل كتاب آدم شاتز أنبياء منبوذون: قرن من الكتابة اليهودية الإنشقاقية حول الصهيونية وإسرائيل ، عن دويتشر وتروتسكي وفرويد وأينشتاين وأرندت وشومسكي وآخرين).
وهكذا، لا يستغربنّ أحد أن يطلع علينا باحث صهيوني بكتاب ضخم يلصق تهمة العداء للسامية بأيّ من هؤلاء الكبار، ثمّ ـ في تناغم معكوس وكتاب ليس أقلّ ضخامة ـ يبرهن باحث صهيوني آخر أنهم كانوا أكثر صهينة من... تيودور هرتزل