تكاد آراء الكتابيين العرب تجمع على أن بوش مشغول الآن بوضع نهاية محترمة لرئاسته من خلال تحقيق سلام من نوع ما على مسار الصراع الفلسطيني اليهودي، كما يجب تسميته منذ اليوم، على ضوء تصريحات القادة اليهود في إسرائيل مؤخرا. ولا أعتقد أن بوش بوضعه الذهني النادر، كما أثبتت سلوكياته، يشعر بالحاجة إلى نهاية باردة كهذه يختتم بها تاريخه الملتهب. فهو يعلم أن إسرائيل ترى في السلام التوافقي مع الفلسطينيين مجازفة استراتيجية لا يمكن أن تقدم عليها. وهو يشاركها الرأي في أن السلام الوحيد الممكن لإسرائيل هو في استمرار تفوقها الإستراتيجي في المنطقة إلى ما لا نهاية. والمشكلة الآن هو أن هذا النوع من السلام الذي استمر ستين عاما، قد اهتز في المعركة مع المقاومة اللبنانية، متزامنا مع اهتزاز قبضة الهيمنة الأمريكية بعد تجربة العراق، والجموح النهضوي المعادي لأيران. لم يعد كل شيء مضمونا كما كان، كما أن الضمانات الأمريكية لأمن إسرائيل لم تعد تعني من الحسم والفعالية ما كانت تعنيه سابقا. وما يقلق بوش والإدارة الأمريكية فعلا، هو انكماش أمريكي في المنطقة يترك إسرائيل أقل أمنا وقدرة على التحكم بالتطورات والمخاطر المحيقة بها. ولعل بوش يرى أيضا أن استغلال ورقة أمن إسرائيل أمريكيا، يوفر له رصيدا من التعاطف الجماهيري والرسمي على ساحة الإجماع القومي الأمريكي بهذا الشأن، وربما يتيح له تمرير مغامرات جديدة.
لقد تجاوز بوش العقل التقليدي للكتابيين العرب بمسافة تمثل الفرق بين الشذوذ من ناحية وبين العقل القاصر من ناحية أخرى. فبعد إيغاله الجنوني في محرقة العراق الرهيبة، أصبح يعلم أنه يعيش في قبضة مصير شخصي لا مفر منه. لقد تم ترسيمه تاريخيا كاهنا في هيكل الجريمة إلى جانب هولاكو وهتلر بشكل لا يقبل النقض أو التغيير. وإذا كان سيذكر في التاريخ حتما على هذا الغرار، فإن جنون العظمة لديه لم يعد يخرج من دائرة الوصمة التي وصم بها. وهو على استعداد نفسي لأن يكون أعظم مجرم في التاريخ ما دام هذا هو مجال العظمة الوحيد المتاح له.
كانت الرسالة التي اختطها المحافظون الجدد، أي العقل الصهيوني وأتباعه، رسالة فتوحات إمبراطورية مزودة بحوافز مستحضرة من الدين والتاريخ والفلسفة التوراتية. لقد دفعهم ترف القوة والتفوق الأمريكي واستسهال المهمة بعد سقوط الديانة الماركسية، إلى نوع من أحلام اليقظة حول كونهم ليس مجرد قراصنة، وإنما نخبة رسولية للخلاص الرأسمالى للعالم. تحت هذا الضغط الوجداني الناجم عن الشعور المفرط بالتميز، استدخلت ثقافة النهب والقرصنة الخالصة للمشروع الإستحواذي الصهيوني الأمريكي، كل الرموز الأدبية والروحية القديمة لكهنوت الهيمنة واللصوصية، لتحول مشروعها الإمبراطوري إلى ملحمة لخلاص العالم. وأصبح المشروع برمجة بنيوية متكاملة تستغل كل قابليات التأثير على الوعي البشري في مستوياته المختلفة. وأصبح بوش الذي تخرج من دورات إعداد الكوادر البشرية للمشروع، يرى نفسه بطل الملحمة الرأسمالية الحديثة التي ستجدد ليس فقط وعي البشر الإجتماعي وتوظفه في الإلتحاق الأيديولوجي بالرأسمالية الجديدة، وإنما ستجدد أيضا عهد الرب وتوراتية الثقافة الكونية لتأكيد رومانسية ومسيحية الوعي كبديل عن وعي الأيديولوجيا الإجتماعية. لقد عادت أورشليم، عاصمة التحالف الأمريكي الصهيوني السياسية، لتصبح أيضا العاصمة الأبدية لمشروع الخلاص الروحي للفقراء. هذا هو بوش. ممثل لعبقرية الرأسمال والقوة والإنزياح الوجداني والسيكيولوجي مثل كل عظماء الجريمة في التاريخ. عليه أن يقيم النظام العالمي الجديد بفتوحات المارينز ونخبوية العقل الأمريكي الصهيوني، ولكنه في نفس الوقت يؤمن بتداخل المصلحة الرأسمالية للمشروع مع الروحية الأورشليمية للمحافظين الجدد. وبغض النظر عن نوايا العقل العملي التي استوجبت هذا التلبس الدينوي، وهذا المكياج الوجداني فإنه قد أصبح جزءا من الإلتزام الإجرائي لمهووسي العولمة. لقد تورط المشروع الرأسمالي وأصحابه في التبريرات التي ساقوها لارتكاب جريمة الإستبدال التاريخي في فلسطين. وتحولت إسرائيل من قاعدة عسكرية استيطانية للمشروع المشترك إلى قيمة في الوجدان الأمريكي والمسيحي الشعبي والنخبوي يمكن لبوش الآن استعمالها في تبرير محرقته العالمية. وقد يحتمل هذا المختل أية تهمة يوجهها له التاريخ سوى اتهامه بأنه تسبب في زعزعة الأمن الإسرائيلي أو تخلى عنه. لذلك على الكتابيين العرب أن يدركوا أن بوش ليس مجرد رئيس أمريكي فاشل يفتش عن نهاية سعيدة لتاريخه الرئاسي، فهذا النوع من التفكير دليل على سوية عقلية غير متوفرة في حالة هذا الرجل المختل. وفشله كمختل يشكل في التجربة دافعا إلى انغماس أكبر في الإختلال. إن هاجسه الأكبر هو كيف ينهي فترة رئاسته الحالية دون أن يترك وراءه شيئا من الأخطار التي تهدد أمن إسرائيل. لقد دخل حرب العراق بعقل صهيوني يمزج بين الواقعي والإستلهام التوراتي، ودخلتها إسرائيل معه بدوافع المصلحة الخاصة وبتداعيات ثأرية من الوجدان التاريخي. والعقل العادي يمكن أن يدرك في غرابة مشهد الجريمة وعنفه إن عبثا بنيويا متعمدا بالكيان العراقي يخالط أهداف الحرب، لا يمكن إلا أن يكون للثأرية دخل به. قد يبدو هذا للبعض نوعا من هلوسات المنطق المتخيل، ولكن قضية الوجدان الإنتقامي تلعب دورا أساسيا في السلوك الصهيوني. واسألوا الفلسطينيين واللبنانيين. فالصهيونية هي حركة ذات عقل خاص ومرجعيات حقوقية مستمدة من وثائق الأسطورة القومية والدينية. وإذا كان العقل الصهيوني هو الذي يوجه بوش والمحافظين الجدد فما الغرابة أن ينعكس العداء التاريخي لشعوب المنطقة، التي تشكل نقيض حلم الإقتحام التوراتي، على عقله المريض؟
لقد اعتمد المشروع الإمبريالي منذ البداية على العمالات النظامية العربية في تمرير إقامة إسرائيل والمحافظة على أمنها. ثم اعتمد على التفوق العسكري الإسرائيلي إلى جانب تلك العمالات. لقد كانت معادلة شديدة التماسك استفاد منها الأمن الإسرائيلي وأمن العملاء الخليجيين معا. فقد قدم كل منهما للآخر ما يحتاجه في هذا المجال. ولكن المعادلة بدأت بالتفكك على ضوء سقوط الردع الإسرائيلي أمام المقاومة في لبنان. فالمقاومة الشعبية أصبحت نهجا محتملا في أي صدام مع إسرائيل في أي بلد عربي كما أن العمالات الخليجية مقتنعة الآن أن الحماية الإسرائيلية لم تعد مضمونة كما كانت، مع ظهور المقاومة والجيب الأيراني النهضوي. هذه هي المعضلة الكبرى التي تواجه بوش الآن، معضلة ضمان أمن إسرائيل. ويعتقد بوش، وهو محق، أنه في العالم العربي يمكن دائما إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فالفراغ يوفر الإمكان لكل أشكال الحركة. فإما أن يقيم تحالفا استراتيجيا علنيا بين الخليجيين وعرب الإعتدال والإسرائيليين، يكونون فيه إلى جانب أمريكا لتصفية الجيب الإيراني، وإما أن يفعل العكس، وهو الأفضل إسرائيليا، بأن ينجح في إقامة تحالف إسرائيلي إيراني يبدو أنه متعثر حتى الآن. لذلك عقد مؤتمر أنابوليس الذي أفشلته إسرائيل، وفضلت مواصلة الضغط على إيران تحت ستار الملف النووي لعلها ترضخ أخيرا لإقامة تحالف معها. ومهما كانت الصعوبات فإن بوش يراهن على نجاح أحدى الإمكانيتيتن مستعملا طرحهما في التخويف المتبادل بين العرب وإيران.
إذا نجح دور أبي مازن وعاهراته في تسهيل تبني المعتدلين العرب لأنابوليس، كما يريد بوش، على أساس التستر بتأييد قرار الإخوة الفلسطينيين – أصحاب القضية - وتجاهل بنوده النكبوية، فإن تصفية الجيب إلإيراني تصبح أمرا مؤكدا. أما إذا تحقق الأمر الآخر فإن استبدال موظفي النظام العربي تصبح هي الأمر المؤكد. لذلك فإن العقل الشعبي العربي يجب أن يقف إلى جانب إيران بكل ما أوتي من قوة لأن البديل هو أمريكا وإسرائيل، صاحبتا محرقة العرب الجماعية، واستمرار تحكم البذاءات السياسية النادرة.
لو كان هناك بديل ثالث محتمل لكان التردد في الإختيار ممكنا. ولكن أمريكا توشك الآن أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء في العراق ولبنان كما فعلت في فلسطين. وحتى لو حدث التحالف الإيراني الإسرائيلي فإن منطق المصلحة الشعبي العربي هو في تفضيله على التحالف الأخر. فوجود الدعم العربي الشعبي لأيران داخل أي تحالف يقوي موقفها ويعطيها أولوية في المعادلة. ومن المؤكد أن إيران لن تدخل تحالفا مع إسرائيل لتكون تابعا لها. ولن تقيم علاقة كلبية مع أمريكا كما هي الحال مع السلوقيين العرب. كما أن إيران ليس لها شأن في إلغاء حضارة هي جزء منها قديما وحديثا. أي أن الوضع الأمني والإنساني سيكون أفضل بالنسبة للإنسان الشرق أوسطي مع وجود إيران في واجهة السيادة المنطقية. وهي لن تكون كذلك إلا بالتفاف شعوب المنطقة حولها في جميع الحالات. ألمهم أنه على الجماهير العربية التي تعيش حالة الفراغ السيادي أن تختار أهون الشرين إذا كان لا بد من أحدهما، والأهون هو شر تحالفي تكون فيه إيران شريكا سياديا قويا، وليس تحالفا يهيء لمحارق عربية ثأرية جديدة. فإذا حصل فإن محرقة آرام وفينيقيا قادمة كما حصل في بابل. وصدقوني أن إيران لن توافق على حرق العرب لأي سبب من الأسباب كما تفعل مصر والسعودية. ويبدو أن علينا أن نختار بين دبابة أمريكية يسوقها إيراني ودبابة أمريكية يسوقها صهيوني. فماذا نختار؟


