يقع
العالم العربي في طليعة المستهلكين لمنتجات الحداثة
التي باتت تغطي كل وجوه الحياة الاقتصادية والاجتماعية
والانسانية العربية، من الإبرة والدبوس والزر الى
الطائرة والغواصة والصاروخ، ومن حبة الدواء الى أرقى
الآلات الطبية وأكثرها تطورا، ومن الورقة والقلم الى
أحدث أجهزة الاتصال المرئي والمسموع.
لكن الحداثة الابستمولوجية العربية لا تزال مع ذلك
قاصرة ومتخلفة واقعيا، ليس عن معاصرة فكر سارتر وفوكو
وراسل ودريدا وهابرماس، بل حتى عن معاصرة أسلاف أسلاف
هؤلاء الذين ماتوا منذ مئتين او ثلاثمئة سنة، مثل
ديكارت وسبينوزا وفولتير وغيرهم.
ثمة انسداد تاريخي إذاً يقبع وراء هذا التخلف
الابستمولوجي، أين يكمن هذا الاشكال؟ ما هي تجلياته؟
كيف يمكن الخلاص من ربقته والاتجاه الى تأسيس حداثة
ابستمولوجية معاصرة لحداثة الغرب تدرجنا في صميم
الحركة الحداثية العالمية الراهنة؟
هذا الانسداد، في رأي هاشم صالح في «الانسداد
التاريخي، لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟»
(دار الساقي، 2007)، يمنع العرب وكل الشعوب الاسلامية
من الانطلاق الآن، وهو ناتج عن هيمنة مجموعة من
اليقينيات المطلقة التي تتخذ صفة الحقيقة الالهية
المقدسة، وعن التناقض المطلق بين النص والواقع، أي بين
النص وكل التطورات العلمية والسياسية والفلسفية التي
جاءت بها الأزمنة الحديثة. والحل لن يكون الا بالتأويل
المجازي للنص والاعتراف بمشروطيته التاريخية كما فعل
المسيحيون في أوروبا بعد التنوير وتشكيل اللاهوت
الليبرالي في القرن التاسع عشر. لكن الاعتراف بتاريخية
النص لا يعني انكار تعاليه او استلهامه الرباني من حيث
القيم الروحية والأخلاقية والميتافيزيقية، وإنما يعني
التفريق بين ما هو عرضي فيه وما هو دائم، بين التاريخي
فيه وما فوق التاريخي، والأحكام والحدود هي تاريخية
مرتبطة بعصرها من دون أدنى شك ومن ثم فهي غير ملزمة
لنا. ها هنا تكمن، في رأي المؤلف، المواجهة الفعلية مع
الخطاب الاسلامي الذي لم يجرؤ أحد حتى الآن على
مواجهته على أرضيته الخاصة بالذات، أي أرضية الفكر
الاسلامي نفسها، من أجل تأويل آخر للاسلام، تأويل
تاريخي نقدي مستنير يواجه التأويل التقليدي الذي يحتل
الساحة الآن.
بهذه المواجهة وحدها يمكن تحرير الروح الاسلامية من
أصفادها وحل عقدة العقد الموجعة. وبهذا المعنى فإن
تحرير الروح الداخلي سوف يسبق التحرير الخارجي، وسوف
يكون الشرط الأول والمسبق لكل تحرير، إذ ان كل أنواع
التحرير الأخرى، الاجتماعية او الاقتصادية او
السياسية، مرتبطة بالتحرير الروحي للروح العربية
الاسلامية، لأنه من دون هذا التحرير تصبح الأمة عاجزة
عن الانتصار في أي معركة من معاركها: معركة التنمية او
معركة السياسة او حتى المعركة العسكرية، الا ان معركة
تحرير الروح الاسلامية ليست سهلة، وقد تكلف مئات
الآلاف وربما ملايين الضحايا، لكن مرحلة الاستحقاقات
الكبرى قد أزفت ولا تستطيع اليقينيات الاسلامية
العتيقة ان تبقى خارج مساءلة العقل والمنطق الى أبد
الآبدين.
لهذا يبدو المؤلف واثقا من امكانية المصالحة التاريخية
بين الاسلام والحداثة، بين الايمان والعقل، بين الفكر
العلمي والفكر الديني، بين اللاهوت والفلسفة، وبالتالي
من وجود خيار آخر غير صدام الحضارات، لكن هذا لن ينجح،
الا اذا كان نتيجة اشتغال الذات على ذاتها. هذا ما
تفيده التجربة الأوروبية، فلماذا لا يحصل الشيء نفسه
في العالم العربي او الاسلامي؟ فالغرب كان قبل قرنين
او ثلاثة متعصبا أصوليا متخلفا، لكنه حسم المعركة في
النهاية لصالح الفهم المتسامح والروحاني للدين وتغلب
على الفهم الظلامي الذي كان سائدا طوال قرون وقرون،
وطبق منهجية النقد التاريخي على الكتب المقدسة،
فانتصرت الرؤية الليبرالية العقلانية التنويرية
للتاريخ على الرؤية الأصولية. الا ان هذا الانتصار لم
يحصل بعد في أرض الاسلام. لكن الحداثة العالمية
تحاصرنا أكثر فأكثر، وهناك شيء ما يختلج في أعماقنا،
وهذان العاملان سيقودان الى الاصلاح الديني، فالتنوير.
والشيء الوحيد الذي نستطيع ان نفعله في الطريق الى هذا
الاصلاح هو ان نبلور فكرا آخر عن الاسلام غير الفكر
السائد اليوم. فبهذا يسهم المثقفون العرب في معركة
الاصلاح المنشود، لأن المسألة فكرية قبل ان تكون
سياسية، واذا لم تحسم فكريا فلن تحسم سياسيا. ولذا نحن
بحاجة الى «كاميكاز» فكري من طراز فولتير كي نستطيع
مواجهة كاميكازات شيوخ الظلام من طراز بن لادن
والظواهري والزرقاوي وأشباههم، لان التقدم مستحيل دون
دفع الثمن دما ودموعا. والعراق نموذج لذلك، اذ ان ما
يجري على أرضه مؤشر لبداية التاريخ والوصول الى شاطئ
الأمان، حيث الصراع على التاريخ بين قوى القديم وقوى
الجديد، وحيث «أم المعارك» التي حرمنا منها عقودا
وعقودا تفرض نفسها علينا بحكم قوة الأشياء ومنطق
التاريخ.
في هذا السياق يعرض صالح للتنوير كما نشأ وتطور في
الغرب على أيدي روســو وفولتـير وديدرو وكانط وهيغل،
فيذهب الى ان التنوير ينطوي على حركتين: تدميرية تطرح
كل اليقينيات السائدة، وتعميرية تنشئ محلها يقينيات
جديدة قائمة على العقل تنزع القدسية عن الأشياء كي
تبدو على حقيقتها الطبيعية. لكن مشروع التنوير فشل في
العالم العربي الاسلامي لأن سياسة التحديث عملت على
نقل التكنولوجيا دون الفلسفة التي ترفدها وتقف خلفها،
ولأن المسلمين المحافظين يرفضون كل المناهج الحديثة في
البحث وبخاصة المنهج التاريخي، مع أنه لا ينفي البعد
المتعالي للقرآن. وفي تجربة الفيلسوف الفرنسي الراحل
بول ريكور الذي واءم بين الفلسفة والايمان بصورة عميقة
وفذة، خير مثال على امكانية تصالح الدين مع قيم
التنــوير. وهــذا يمـثل حاجة ماسة للعالــم
الاســلامي الذي ينبغي ان يخوض معركة التــنوير التي
قد تسـتغرق السنيــن الثلاثيــن او الأربعــين
المقبلــة. الا ان القيم التنــويرية يجــب ألا تؤخــذ
مجتزأة ومجردة من خلفيتــها الليبرالية، كما يمكن ان
يحصل في حالة الديموقراطيــة التــي قد تفـضي الى
الطائفية والتعصب والاستبداد اذا أفرغت من مضمونها
الليبرالي. لكن ذلك قد لا يكون ممكنا بالنسبة
لجماهيرنا الجاهلة وشبه الجائعة التي تخشى تسليط أنوار
العلم التاريخي على الأصول الاسلامية المقدسة، الا ان
هذا سيحصل عاجلا أم آجلا، وكل التراث الاسلامي سوف
يغربل ويمحص تمحيصا صارما، كي نتخلص من الايمان
الأصولي الانغلاقي ونتوصل الى الايمان الحر العقلاني.
في نظرة اجمالية يمكن القول ان الكتاب يعتبر اسهاما
جديا في معركة التنوير التي فتحت في الفكر العربي، وان
بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة، منذ أواسط القرن التاسع
عشــر، وصولا الى التجارب النقدية المتقدمة لمحمد
أركون ومحمد عابد الجابري وناصيف نصار وهشام جعيط
وهشــام شرابي وأدونــيس، بــعد النصف الثاني من القرن
العشرين. فقد سلط المؤلف أنوار العقل النقدي على
يقينيات القرون الوسطى التي لا تزال تهيمن على الفكر
العربي السائد، من أجل نزع مشروعيتها التاريخية،
بقراءة تراثنا الديني والفقهي قراءة عقلانية تاريخية
تؤطره في زمان ومكان نشأته، وتشرطه بالظرف التاريخي
الذي ولده وتفاعل معه. لكننا نأخذ على المؤلف:
أ ـ يشكو كتابه من خلل ظاهر في المنهج الذي افتقد
الترابط المحكم بين المقدمات والنتائج، وارباك وضعف في
تحرير النص، ما أوقع المؤلف في ورطة التكرار
والاستعادة وفوضى الموضوعات، الأمر الذي جعل الكتاب
أشبه ما يكون بشتات أفكار وآراء تتردد من فصل لآخر من
دون سياق يحكمها ويبررها.
ب ـ اعتبر ان ما يجري في العراق «أم المعارك» من أجل
التنوير، وأنه أشبه ما يكون بمعركة الحداثة في أوروبا
«بكل نزعتها الانسانية وعقليتها العلمية والفلسفية»،
وفي هذا قلب مفجع للواقع وتزوير للأحداث، اذ ان ما جرى
ويجري في العراق ليس سوى غزو وحشي أعاده أجيالا الى
الوراء، فقض على نهضته العلمية، ونهب موارده وآثاره،
وبعث انتماءاته العصبوية ما قبل الوطنية وما قبل
القومية، ورده من جديد في اتجاه القرون الوسطى.
ج ـ رأى ان المسلمين يرفضون «البرنامج الذي يقترحه
الغرب الآن على الناس في العالم الاسلامي كي يخرجهم من
عقلية بن لادن والزرقاوي» مستغربا كيف لا يتظاهر
مســلم واحــد ضد خطف الصحافيين والصحافيات وذبحهم في
العراق، وهو هنا لا يعير بالا لـ «مآثر» الأميركيين
غير المحمودة، وممارساتهم الاجرامية بحق العراقيين في
سجن أبو غريب والفلوجة وغيرهما، كأنه يتجاهل ان ما
يقترحه «العقل الأوروبي التنويري» علينا هو غير الذي
اقترحه «الغرب» من استعمار ونهب منظم واحتلالات تمثل
وجهها الأفظع في اغتصاب فلسطين، وان هذا الغرب مسؤول
بشكل وبآخر عن ظاهرة الأصولية ورموزها المقيتة ـ بن
لادن والظواهري والزرقاوي ـ في العالم الاسلامي.
د ـ رأى ان «انحسار العصر الايديولوجي العربي سوف
يساعد على تسريع الحل». والواقع ان الحقبة الراهنة في
رأي أكثر الباحثين تشكل تراجعا عن الخطوات التنويرية
التي رفع رايتها ذلك العصر، على رغم كل نقائضه، من
أفكار القومية والمواطنة والوحدة العربية الى دعوات
العدل الاجتماعي والاستقلال الوطني والاشتراكية
والمساواة وحقوق المرأة.
هاشم صالح ـ «الانسداد التاريخي: لماذا فشل مشروع
التنوير في العالم العربي؟» «دار الساقي» ـ 2007
([) كاتب لبناني


