v     إلى كل من آمن بالحق و ناضل من اجله.

v     كل من قاوم ادلجة الدين باعتبارها منكرا.

v     كل من صمد على موقفه من اجل أن يصير الإنسان إنسانا و لا شيء آخر.

محمد الحنفي

ادلجة المعروف و المنكر و الغاية منها :

و نظرا لارتباط مفهومي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بالمنظومة الدينية في البلاد العربية الإسلامية، فإن الادلجة التي تستهدف المنظومة الدينية ككل تستهدف أيضا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و المراد بالادلجة هنا هو جعل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مجرد أفكار أيديولوجية معبرة عن مصالح طبقية معينة للذين ينصبون أنفسهم متكلمين باسم الدين، أو ينصبهم الحكام لتوظيف خدمة مصالحهم الطبقية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى تتأبد سيطرتهم على المجتمع، أو يلجأون إلى ادلجة الدين لصالح تيار سياسي معين يوظف الدين لصالح السياسة في أفق إقامة الدولة الإسلامية التي تحمي و تساعد على تنمية مصالح مؤدلجي الدين لصالح السياسة.

و بناء على ما ذكرنا فإن ادلجة الدين بصفة عامة و ادلجة الدين الإسلامي بصفة خاصة تتخذ لها مجموعة من المستويات :

المستوى الأول : و يتمثل في تقمص التكلم باسم الدين كنتيجة للمعرفة بمضامين النصوص الدينية الكتاب و السنة، و عمل أهل المدينة ( يثرب) في عهد الرسول و ما اقره الرسول من أقوال أو أفعال، و ما قاله و مارسه الصحابة من منطلق أن أقوال الصحابة و أفعالهم تعتبر من السنة كما يشهد بذلك الحديث الذي يقول فيه الرسول : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" دون غاية يقصدها الذي يتقمص الكلام باسم الدين، فلا يلجأ إلى التأويلات الأيديولوجية المغرضة إلا ما ورد عرضا مما يهدف إلى تحقيق المصالح الآنية والمستقبلية المادية و المعنوية للمتقمصين للكلام باسم الدين، و هو ما يعتبر البدايات الأولى للتوظيف الديني لتحقيق المصالح الفردية، ثم لتحقيق المصالح الطبقية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و العمل على الاستمرار في ذلك التوظيف لتأبيد تحقيق المصالح.

و المستوى الثاني : و يتمثل في تحول المتكلمين باسم الدين إلى منتجين للأيديولوجية القائمة على تأويل النص الديني كنتيجة لتحول هؤلاء إلى مجرد موظفين لدى الطبقة الحاكمة، ليتمثل دورهم في إعطاء الشرعية الدينية لمختلف الممارسات التي تصدر عن الطبقة الحاكمة التي تكون عاجزة عن التأويل الأيديولوجي للنص الديني أو لحرصها على أن يكون ذلك من خارجها. و لذلك نجد أن هؤلاء المتكلمين باسم الدين يتحولون إلى حاملين لهاجس تبرير جميع الممارسات التي تقوم بها الطبقة الحاكمة و التكلف في التعامل مع النص الديني إلى درجة اختلاق أقوال تنسب إلى الرسول و إلى الصحابة لاعطاء الشرعية لممارسات تتناقض مع ما جاء في الكتاب و السنة و مع كرامة الإنسان كما أشار القرءان إليها و كما قررهما الله تعالى في سورة الإسراء " و لقد كرمنا بني آدم" لأن الطبقة الحاكمة قد لا تكون مؤدلجة للدين الإسلامي و لكنها في حاجة إلى الشرعية الدينية لممارستها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، أو أنها قادرة على ممارسة الادلجة. و لكنها تريدها من خارجها، فتدفع المدعين الكلام باسم الدين إلى القيام بذلك مقابل العطاءات التي لا حدود لها، و الامتيازات التي لا تنحصر.

و الطبقة الحاكمة قد تكون إقطاعية أو بورجوازية تابعة، أو بورجوازية، أو بورجوازية صغرى، و جميع هذه الطبقات لا تستغني في حكمها عن الشرعية الدينية، نظرا لشيوع التدين في المجتمع من جهة، و لحاجة الطبقة الحاكمة إلى تضليل الجماهير بالشرعية الدينية، و لكون الجماهير المتدينة مستهدفة من قبل مؤدلجي الدين الإسلامي.

أما المستوى الثالث : فيتجسد في تحويل النص الديني إلى مصدر للإيديولوجية المعبرة عن توجه سياسي معين، و هذا التوجه يتوجه مباشرة إلى النص الديني و يؤوله حسب ما يراه على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، فيصير حسب هؤلاء المؤدلجين للدين الإسلامي كل شيء إسلاميا أو غير إسلامي. فهنا اللحية الإسلامية، و غير الإسلامية، و الاقتصاد الإسلامي و غير الإسلامي، و الدولة الإسلامية و غير الإسلامية و هكذا. و تأويلهم المعتمد على النص الديني يعتبر إسلاميا، و حزبهم المؤدلج للدين الإسلامي، يصير إسلاميا وهكذا. و حزب أو توجه من هذا النوع يعتبر التربة المناسبة لاستنبات التطرف الديني الذي لا يتوقف عند حدود ادلجة الدين الإسلامي، بل تتعداه إلى نقل الإيديولوجية الدينية إلى مستوى الممارسة.

و المستوى الرابع يتمثل في اعتبار النص الديني هو عينه الأيديولوجية، و هو البرنامج السياسي الذي يكون قابلا للتطبيق على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و هو إلى جانب ذلك يقبل بالتحول إلى منظمة "جهادية" لارغام المسلمين على تطبيق الشريعة الإسلامية، و كل من رفض يقام عليه "الحد الإسلامي" حتى و إن  تمثل في القتل و التصفية الجسدية. و هذه الممارسة هي التي يمكن تصنيفها في خانة الإرهاب.

و هذه المستويات الأربع لا تتناقض فيما بينها بقدر ما يكمل بعضها بعضا لاتفاقها في شيئين اثنين :

الأول     : هو المرجعية النصية الدينية التي تعمل على إمكانية إكساب كل من ينطلق منها صفة "الإسلامي".

و الثاني : هو الهدف المتمثل في ادلجة الدين الإسلامي، و توظيف الدين و النص الديني لتحقيق أهداف سياسية تختلف اعتدالا و تطرفا من مستوى إلى آخر.

و لذلك نرى أن ادلجة الدين الإسلامي هي بداية هذه الكوارث التي أصابت العالم منذ شرع المسلمون في توظيف الدين و النص الديني لتحقيق أهداف سياسية محددة .

أما الغاية من ادلجة الدين الإسلامي فتتجسد في :

1) حماية المصالح الطبقية لمؤدلجي الدين الإسلامي سواء تعلق الأمر بمؤدلجي المصلحة الفردية، أو مؤدلجي الطبقة الحاكمة، أو مؤدلجي توجه سياسي معين أو العاملين على تحويل النص الديني إلى برنامج جهادي.

2) تضليل الجماهير الشعبية الكادحة عن طريق إيهامهم بأن ما يقوم به هؤلاء ليس إلا ترويجا للدين، و سعيا إلى نشره و حمايته حتى يستمر "قويا" و قادرا على حشد الناس حول المتكلمين باسم الدين، أو حول الطبقة الحاكمة التي تكتسب بتلك الادلجة الشرعية الدينية أو حول مؤدلجي توجه سياسي معين حتى يكون ذلك الحشد قوة له يعتمدها للوصول إلى مراكز القرار السياسي من اجل استغلالها لتكريس ادلجة الدين الإسلامي من مواقع معينة، و لزيادة عدد الاتباع الذين قد يعتمدون في أمور أخرى لها علاقة بالسيطرة على أجهزة الدولة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و استغلال تلك الأجهزة لفرض جعل المجتمع بكل طبقاته الاجتماعية لخدمة المصالح الطبقية للمنتمين لذلك التوجه السياسي أو حول الذين يحولون النص الديني إلى برنامج جهادي تحت شعار الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و انطلاقا من الحديث الذي يقول "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه و ذلك اضعف الإيمان" و هذا التغيير الذي دعا إليه الحديث هو الذي يعتمده هؤلاء ممارسة يومية "جهادية" قد تقود إلى التصفية الجسدية كما حصل مع العديد من القادة و المفكرين من أمثال الشهيد عمر بنجلون، و الشهيد فرج فودة، و الشهيد مهدي عامل، و الشهيد حسين مروة، و الشهيد سهيل طويلة و غيرهم ممن يتم تداول استشهادهم على يد هؤلاء "الجهاديين" في كل البلاد الإسلامية و حتى في أوربا و أمريكا، لأن هؤلاء يتكاثرون كالفطر، و لا ندر من يمدهم بالمال و السلاح، و المتفجرات، و لا من يدربهم على ذلك من اجل الوصول إلى الاستبداد بالمجتمعات ثم بالدول لتحقيق شعاراتهم التي تجعل الجميع ينخرط في خدمتهم، و تنفيذ شعارات "إقامة الدولة الإسلامية" من منطلق أن الإسلام دين و دولة و "تطبيق الشريعة الإسلامية" و الانصياع "لأولي الأمر" و بالقوة، و تحت تهديد السلاح المستمر لإقامة مجتمع المرهوبين الذين لا حول لهم و لا قوة سمتهم الخضوع المطلق، و دينهم الحياة اليومية و أداء الطقوس الدينية، و الانشغال باليوم الآخر، و نسيان ما يجري على ارض الواقع، لأنه قد يجر إلى إقامة الحدود المختلفة.

و في نظرنا فإن ادلجة الدين هي ممارسة أصولية انتهازية توظف الدين لحماية المصالح الطبقية، و تسعى إلى تأويل النص الديني بما يتلاءم مع تلك المصلحة لتضليل الكادحين، و قطع الطريق أمام إمكانية امتلاكهم للوعي الطبقي الحقيقي الذي يقود إلى الكشف عن طبيعة ادلجة الدين الإسلامي و عن الغاية من تلك الادلجة، و النضال ضد مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يسعون إلى تضليل المجتمع ككل و تغييبه عن واقعه و تحويل الدين الإسلامي المستنير، عن طريق ادلجته إلى أفيون الشعوب العربية و الإسلامية تماما كما فعلت الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى. لأن تحويل الدين الإسلامي المستنير و المحرض على استعمال العقل، و الحاث على احترام كرامة الإنسان "و لقد كرمنا بني آدم" كما جاء في سورة الإسراء، إلى أفيون الشعوب العربية و الإسلامية حتى يسهل الانقضاض عليها هو الغاية التي يسعى إليها مؤدلجو الدين الإسلامي.

 

معيار المعروف و المنكر، و معيار الادلجة :

فما هي المعايير التي يمكن اعتمادها للتمييز بين المعروف و المنكر من جهة ؟ و بينهما و بين ادلجتهما من جهة أخرى ؟

إننا بدون الوقوف على المعايير لا نستطيع الوقوف على حقيقة المعروف، و لا على حقيقة المنكر، و لا على حقيقة الادلجة، و الوقوف على المعايير صار ضرورة ملحة لانزال مفهوم المعروف و مفهوم المنكر من السماء إلى الأرض و للكشف عن خلفيات ادلجة المعروف و ادلجة المنكر.

و نحن عندما وقفنا على مفهوم المعروف و قاربنا حقيقته و وضحنا نسبيته تعرضنا بطريقة غير مباشرة إلى معايير المعروف التي يمكن تصنيفها في :

1) المعيار اللغوي/النحوي/الصرفي الذي يحدد لنا دلالة و مفهوم المعروف فهو اسم مفعول من عرف يعرف معرفة فهو عارف، و معروف، بمعنى علم به، و اطلع عليه، و تعرف على خصائصه . فصار بذلك من المعارف التي يتداولها الناس فيما بينهم بتلك الخصائص التي تميزه عن سائر المعارف الأخرى.

و عرف يمكن أن يصير تعرف بزيادة التاء في بداية الفعل فيكون على وزن تفعل الذي يجعل المعروف معروضا بين الناس يرونه فيعملون على التعرف على خصائصه دون بذل أي مجهود للبحث و التنقيب، و دون حاجة إلى امتلاك أدوات المعرفة التي تساهم في إكساب الإنسان القدرة على المعرفة فيصير معروفا.

و المعروف اسم المفعول الذي يفيد معنى كل ما وقع عليه فعل الفاعل، سواء كان مقصودا أو غير مقصود، و نرجح هنا أن المعروف يقع عليه فعل الفاعل بدون قصد يذكر.

و المعروف يكون أيضا بمعنى المتداول، و المتواتر بين الناس، و الذي لا نبذل أي جهد في البحث عنه حتى نقف على حقيقته.

و المعروف كمفهوم لغوي، معجمي قائم في اللغة منذ وجدت اللغة العربية، و اللغة في حد ذاتها هي كل ما اصطلح الناس على استعماله للتواصل فيما بينهم، مما يجعلها حاضرة في البعد الاجتماعي منذ وجدت اللغة و إلى الآن، و لكونها كذلك تتحول إلى لغة للمعرفة و البحث و العلم و أشياء أخرى.

و المعروف يصير هدفا و وسيلة في نفس الوقت، و هو هدف لأن الناس جميعا يسعون إليه فيستفيدون منه في حياتهم العامة و الخاصة، الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و هو وسيلة لأنه يتم الارتكاز عليه في بناء المعارف المختلفة التي لها علاقة بالمجتمع.

و حسب هذا التحليل الذي نراه علميا، فإن المعروف يكتسب دلالة اجتماعية، فلا شيء اسمه المعروف بدون وجود المجتمع، و هو وحده الذي يعرف، و ما دام معروفا فهو اجتماعي بالضرورة لأن كل أفراد المجتمع يعرفونه.

2) و المعيار الثاني هو المعيار الاجتماعي لأنه هو المعني به، و هو المستهدف بالمعروف و بنتائجه، و اجتماعية المعروف هي التي تجعل دلالته تختلف من مرحلة تاريخية معينة إلى مرحلة أخرى. فالمعروف في المجتمع المشاعي ليس هو المعروف في المجتمع العبودي، و ليس كما هو في المجتمع الإقطاعي، أو في المجتمع الرأسمالي، أو في المجتمع الاشتراكي، و هكذا. و هذه الاجتماعية هي نفسها التي تجعل دلالته تختلف من طبقة إلى أخرى. لأن المعروف عند الأسياد ليس كما هو عند العبيد و المعروف عند الإقطاعيين ليس كما هو عند الاقنان، و المعروف عند البورجوازية التابعة يختلف عنه عند البورجوازية الوطنية كما يختلف عنه عند البورجوازية الصغرى. و المعروف عند الطبقة العاملة  يختلف عنه عند الفلاحين كما يختلف عنه عند الحرفيين و عند التجار الصغار، و عند العاطلين. و العلاقات الاجتماعية التي تعتبر امتدادا لعلاقات الإنتاج السائدة في مجتمع معين هي التي تعطي لدلالة المعروف ذلك الاختلاف المتنوع من تشكيلة إلى تشكيلة أخرى … وهكذا.

3) المعيار الديني/العقائدي الذي يتحدد بواسطته مفهوم المعروف المختلف من ديانة إلى أخرى، و من مذهب إلى آخر داخل الديانة الواحدة. و هو ما يقتضي إعطاء المعروف دلالة معينة في الديانة اليهودية، و دلالة أخرى في الديانة المسيحية، و دلالة ثالثة في الديانة الإسلامية، و هكذا. و داخل كل ديانة نجد مذاهب مختلفة، و لكل مذهب مفهومه للمعروف، و على سبيل المثال فالمعروف عند المالكية، ليس كما هو عند الحنفية، و ليس كما هو عند الشافعية، و ليس كما هو عند الحنابلة. و بالنسبة للمذاهب السياسية التي انبثقت عن الدين بسبب ادلجته، نجد أن المعروف عند الشيعة يختلف عن شيعة بني أمية، كما يختلف عنه عند السنيين، و عند الخوارج… و هكذا. و المعروف عند الاشاعرة ليس كما هو عند المعتزلة … و هكذا في كل ديانة. لأن علاقة الدين بالمجتمع أو اجتماعية الدين هي التي فرضت ذلك. و ما قلناه عن الديانات الكبرى ينطبق على المعتقدات الخرافية التي تتعايش مع الأديان في المجتمعات البشرية. كما ينطبق على الديانات الوثنية التي لازالت تتواجد في العديد من المجتمعات البشرية المعاصرة.

4) المعيار الثقافي الذي يقتضي اختلاف الثقافات و المكونات الثقافية من مجتمع إلى آخر، و هو ما يجعل مفهوم المعروف يختلف من ثقافة إلى أخرى، ومن مكون ثقافي إلى آخر .

فمفهوم الثقافة للمعروف في التشكيلة العبودية يختلف عن مفهومها له في التشكيلة الإقطاعية. و قد لعبت الثقافة دورا كبيرا في تشكيل مفهوم المعروف في التشكيلة الرأسمالية الذي يختلف عن مفهوم كل طبقة اجتماعية للمعروف، بحيث نجد أن ثقافة الأسياد تشكل مفهومهم الخاص للمعروف، و ثقافة العبيد تشكل مفهوما مخالفا عندهم. و كذلك الأمر بالنسبة لطبقة الإقطاع، و طبقة الاقنان في التشكيلة الإقطاعية، و طبقة البورجوازية و الطبقة العاملة في التشكيلة الرأسمالية، و بقايا كل طبقة في التشكيلة الاشتراكية.

و دور الثقافة في تشكيل مفهوم الأحزاب للمعروف يبقى حاضرا لذلك نجد أن ثقافة الحزب الإقطاعي تنتج مفهوما خاصا للمعروف، و ثقافة الحزب البورجوازي تنتج مفهوما مختلفا للمعروف. و كذلك حزب البورجوازية الصغرى، و حزب الطبقة العاملة الذي يستميت من اجل نشر ثقافته الخاصة في المجتمع، و هي تلعب دورا كبيرا في المفهوم الأكثر تقدما للمعروف. و كذلك الأمر بالنسبة للحزب اليميني المتطرف، و الحزب اليساري المتطرف و هكذا.

و اختلاف طبيعة الثقافة من فرد إلى فرد في أي مجتمع تجعل كل فرد يحمل فهما مختلفا عن الأفراد الآخرين في المجتمع حتى و إن كانت الثقافة العامة واحدة.

و في نظرنا فإن الثقافة باعتبارها المجال المنتج للقيم، و الناقل لتلك القيم من عصر إلى عصر آخر و من بلد إلى آخر تبعا لانتقال الأشخاص و البضائع و توسع وسائل الإعلام، تشكل المجال الأخطر في حياة البشر. فهي إما أن تجعلهم يمتلكون وعيا متقدما و متطورا يجعلهم يمتلكون فهما متقدما و متطورا للمعروف إذا كانت الثقافة تقدمية، و إما أن تجعلهم يتراجعون إلى الوراء، و يمتلكون وعيا رجعيا متخلفا، يجعلهم يمتلكون فهما رجعيا و متخلفا للمعروف. و هي لذلك بمثابة الأمل في الحياة بالنسبة لجميع التشكيلات، و لجميع الطبقات، و لجميع أفراد المجتمع لأن قيام الثقافة بصياغة المعروف في مختلف المستويات ليس إلا صياغة للأمل في نفس الوقت. لأن كل طبقة و كل فرد في طبقة له فهم محدد للمعروف يعتبره أملا يحكم مصيره. و بذلك نجد أن مفهوم المعروف يحدد مصير الإنسان الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي لا في الحياة الأخرى كما يبشر بذلك مؤدلجو الدين الإسلامي بل في الواقع كما هو متصور في كل طبقة انطلاقا من أحلام كل طبقة على حدة حسب ما تقتضيه مصالحها الطبقية. و كما يتصوره كل فرد  انطلاقا من حاجياته المادية و المعنوية. وصولا إلى الحكم بتحقيق الأمان و الاستقرار بعيدا عن ممارسة كل أشكال الصراع التي تعرفها المجتمعات و التي تهدد مصائر الطبقات الاجتماعية و الأفراد.

و كذلك عندما وقفنا على حقيقة المنكر، و قاربنا تلك الحقيقة، و وضعنا نسبيتها، تعرضنا بطريقة غير مباشرة إلى معايير المنكر التي نرى تصنيفها في :

1) المعيار اللغوي النحوي الصرفي الذي يحدد دلالة المنكر المأخوذ من أنكر ينكر إنكارا بمعنى غير معروف، و المنكر اسم مفعول على وزن مفعل من افعل، و المنكر كل ما كان و مازال مجهولا من قبل عامة الناس و خاصتهم. إلا أن مجازية اللغة تقتضي أن يكتسب مفهوم المنكر معنى مجازيا.و هذا المعنى المجازي هو الذي يقتضي أن يتضمن مفهوم المنكر كل ما لا يوافق الناس على فعله فيسعون إلى أن يصير غير معروف في المجتمع. و نظرا لأن اللغة ذات بعد اجتماعي، فإن ما يصطلح المجتمع على تسميته بالمنكر يصير منكرا. فاللغة الحاملة للقيم التي يقبلها الناس، فتصير معروفا يعمل الناس على ممارسته دون أي حرج يذكر، و تعمل في نفس الوقت على إخفاء القيم، أو نفيها لكونها تقف وراء إنتاج أفعال تعتبر غير مقبولة من قبل المجتمع لاعتبارها مضرة بالمسلكية العامة التي تكون محكومة بالعادات و التقاليد و الأعراف التي تحدد ما هي المسلكيات التي تدعونا إلى القيام بها، و ما هي المسلكيات التي يجب تجنبها. و بالتالي فاللغة تتقمص ما يكون مقبولا اجتماعيا فترفضه، و ما يكون مرفوضا اجتماعيا فتعمل على إخفائه نظرا لحاجة المجتمع إلى اللغة كحامية للقيم المختلفة، و لقيام اللغة على أساس وجود مجتمع يستعملها في التواصل بين جميع أفراده و يوظفها في التواصل مع مجتمعات أخرى.

2) المعيار الاجتماعي لكون المجتمع هو المعني بتجنب القيم التي تقف وراء فعل ما لا يقبل  الناس على فعله باعتباره منكرا… و كما رأينا في المعروف فإن دلالة المنكر تختلف من مرحلة اجتماعية تاريخية إلى مرحلة اجتماعية تاريخية أخرى منذ بداية التاريخ إلى يومنا هذا … و بداية التاريخ في رأينا ترتبط بانقسام المجتمع إلى طبقات طبقة مستغلة، و طبقة مستغلة، و ما قبل بداية التاريخ لا يمكن الحديث عن شيء اسمه المنكر لأن أفعال الإنسان الذي يرتبط بالطبيعة كباقي الكائنات الحية و الحيوانية، لا يمكن اعتبارها إلا معروفا لانتفاء المقاييس المعتمدة للتمييز بين المعروف و المنكر، بل إن المعروف نفسه لا يمكن الحديث عنه لانتفاء المنكر و لانسياق الإنسان في ذلك الوقت وراء الأفعال الموجهة من قبل الغرائز التي تجمعه مع باقي الحيوانات الأخرى، و لذلك فالمنكر في مفهوم التشكيلة الاجتماعية العبودية ليس هو المنكر في التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية، و ليس هو المنكر في التشكيلة الاشتراكية. فإذا تحققت التشكيلة الشيوعية، فالحديث عن المنكر فيها يصبح صعبا لانتفاء الطبقات و الصراع الطبقي في هذه التشكيلة التي يمكن اعتبارها هي نهاية التاريخ. و كامتداد لهذا المعيار الاجتماعي نجد أن مفهوم المنكر يختلف من طبقة إلى أخرى و في جميع التشكيلات الاجتماعية الطبقية. و لذلك نجد أن مفهوم المنكر في نظر الأسياد ليس هو مفهوم المنكر عند العبيد، و مفهوم المنكر عند الإقطاعيين ليس كمفهوم المنكر عند الاقنان، و مفهوم المنكر عند البورجوازية ليس كمفهومه عند العمال، و مفهوم المنكر في نظر البورجوازية الصغرى يختلف عن مفهوم المنكر عن العاطلين، و مفهوم المنكر عند الفلاحين ليس كما هو عند التجار الصغار و المتوسطين. وهكذا و انطلاقا من هذا التنوع في الفهم نجد ان المنكر هو مفهوم اجتماعي تتدخل في بلورته عوامل اجتماعية مختلفة حتى بين أفراد الطبقة الواحدة لارتباطه بما يتعارض مع المصلحة الفردية و الجماعية و الطبقية في نفس الوقت، سواء كانت هذه المصلحة اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو مدنية أو سياسية، و سواء تعلق الأمر بالمستوى المحلي أو الإقليمي أو الجهوي أو الوطني أو القومي أو العالمي. لأن في هذه المستويات جميعا يتفاعل الخصوصي مع العام، و المحلي مع الوطني، و الوطني مع القومي و العالمي، و هكذا.

3) المعيار الديني/ العقائدي الذي يتحدد فيه المنكر إما من منطلق ما هو وارد في النص الديني أو من منطلق الخرافات التي يعتقدها الناس أو التي أصبحت جزءا من دين معين. و لذلك نجد أن المنكر في الديانات الوثنية، ليس هو المنكر في الديانة اليهودية، و ليس هو المنكر في الديانة المسيحية، و ليس هو المنكر في الإسلام لاختلاف المراحل التي ظهرت فيها الديانات المختلفة، و لكون الدين يرتبط بظهور تشكيلة اجتماعية تأتي اكثر تطورا مما قبلها. و هكذا فالدين أيضا يأتي اكثر تطورا من الدين السابق. و نحن لا نستطيع أن نسوي بين الأديان جميعا كما لا نستطيع أن ننفي كونها تتطور للاختلاف الواضح القائم بين المراحل التي ظهرت فيها الأديان، و بين الأديان نفسها لأن كل مرحلة تتميز بحداثة معينة. و لكون كل دين جاء بجديد يتناسب مع تلك الحداثة  و هو ما يكسب الدين أي دين بعدا اجتماعيا. أما الخرافة فتبقى معتقدات من ابتداع الناس لا علاقة لها بالدين، بقدر ما ترتبط بجهل الناس للمعرفة بصفة عامة، و لجهلهم بالمعرفة العلمية بصفة خاصة. فالتربة الخصبة التي تنتشر فيها الخرافة هي تربة انتشار الأمية بين الناس. و نحن لا يمكن أن نجزم بانتشار الخرافة بين المتعلمين الحاملين للمعرفة العلمية إلا إذا تحولت الخرافة إلى أيديولوجية معبرة عن مصالح الطبقة الموظفة للخرافة، فيصير المنكر هو كل ما تعارض مع ادلجة الخرافة.

4) المعيار الثقافي الذي يتم الإقرار فيه باختلاف الثقافات، و باختلاف المكونات الثقافية. و انطلاقا من هذا الاختلاف القائم في الواقع نجد أن مفهوم المنكر يختلف من ثقافة إلى ثقافة أخرى في إطار التشكيلة الاجتماعية الواحدة نظرا للدور الثقافي في تشكيل القيم الإنسانية الإيجابية و السلبية مما يؤثر على تشكيل مفهوم المنكر. و بناء على تنوع الثقافات و تنوع القيم المنبثقة عنها. فإننا نجد أن ثقافة الأسياد، و ثقافة العبيد تنتج مفهومهم الخاص للمنكر، و ثقافة الإقطاع تحدد ما هو منكر عند الإقطاعيين، و ثقافة الاقنان تشكل مفهومها للمنكر. و بالنسبة للبورجوازيين فإن ثقافتهم تحدد مفهومهم للمنكر الذي يتناسب مع وضعيتهم كمالكين لوسائل الإنتاج في إطار التشكيلة الرأسمالية، و هو مفهوم يتناقض مع مفهوم الطبقة العاملة. و نظرا لطبيعة الطبقات الوسطى في المجتمع، و اختلاف هذه الطبيعة من تشكيلة اجتماعية إلى تشكيلة اجتماعية أخرى، فإن هذه الطبقات يختلف مفهومها للمنكر من عصر لآخر، و من تشكيلة اجتماعية إلى أخرى، بل إن هذا الاختلاف يمتد ليشمل الفئات المختلفة التي تتكون منها هذه الطبقات بل إن هذا الاختلاف في فهم المنكر يمتد ليشمل أفراد كل فئة على حدة نظرا لتعارض المنكر مع المصالح الفردية كما يتعارض مع المصالح الطبقية.

و إذا كانت هذه الثقافة ظلامية، فإن فهمها للمنكر لا يكون إلا ظلاميا، نظرا للعلاقة الوطيدة بين الثقافة و الإيديولوجية.

و في نظرنا، فإن هذا الاختلاف في مفهوم المنكر القائم على الاختلاف الثقافي من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى، و من طبقة اجتماعية إلى طبقة اجتماعية أخرى يفرض استحضار المعايير التي أشرنا إليها. مما يؤكد أن كل شيء يتحول في هذا الكون. و هذا التحول هو الذي يقود إلى القول بأن ما كان معروفا في مرحلة معية و في مجتمع معين صار منكرا في مرحلة أخرى و في مجتمع آخر. و ما كان منكرا قد يصير معروفا، و هو ما يؤكد نسبية المفهوم أي مفهوم، و نسبية المنكر أي منكر، لارتباطهما معا بالشروط الموضوعية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و بالشروط الذاتية للأفراد و الطبقات الاجتماعية، و هو ما يقطع الطريق أمام الاطلاقية التي يتمسك بها أدعياء الكلام باسم الدين الإسلامي و مؤدلجوه الذين يعيشون بأفكارهم و بممارستهم خارج التاريخ و من كان يعيش خارج التاريخ فهو يشكل حالة مرضية تقتضي المعالجة التي لا تكون إلا بامتلاك الوعي الطبقي الحقيقي الذي يقود إلى تكريس الصراع الطبقي الحقيقي الذي ينفي كل أشكال الوعي المتخلف التي لا تستحضر اجتماعية المعروف و المنكر، و نسبيتهما، كما لا تستحضر المعايير التي نراها ضرورية لتشكيل القيم التي تحدد مفهوم المعروف و مفهوم المنكر في تشكيلة اجتماعية و في كل مكان.

و بالنسبة لمعايير ادلجة المعروف و ادلجة المنكر فإننا نجد أن المعايير التي أشرنا إليها و المتعلقة بالمعروف أو المنكر هي نفسها معايير الادلجة، لأن المعيار اللغوي و المعيار الاجتماعي، و المعيار الديني، و المعيار الثقافي كلها تتدخل لتحديد طبيعة ادلجة المعروف، و ادلجة المنكر، و درجة تلك الادلجة و من يقف وراءها ؟ و من المستهدف بها ؟ و لماذا ؟

و إذا كانت الادلجة هي جعل فكر معين يعبر عن مصالح طبقية معينة بعد إدخال التعديلات عليه بما يتناسب مع مصالح الطبقة أو الفئة المؤدلجة للدين الإسلامي بالخصوص الذي تعتبر ادلجة المعروف و ادلجة المنكر امتدادا له. فإن ادلجة المعروف، و ادلجة المنكر تجعل المصالح الطبقية للمؤدلجين تزداد التصاقا بحياة الناس و بمصيرهم. لأن كل ما يخدم تلك المصلحة يصير معروفا، و ما يتناقض معها يتعارض مع مصالح الناس جميعا و هكذا. و الواقع أن المصلحة لا تكون إلا فردية أو فئوية أو طبقية. لذلك يكون الأفراد و الفئات و الطبقات في حاجة إلى خطاب أيديولوجي لتضليل الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة بالخصوص، حتى تتحقق مصالح الأفراد و الجماعات و الطبقات. و الطبقة الوحيدة التي يعبر خطابها الأيديولوجي عن مصلحة جميع الكادحين هي أيديولوجية الطبقة العاملة التي توظف كل أساليب التضليل الأيديولوجي لاستعداء الناس ضد أيديولوجية الطبقة العاملة بما فيها ادلجة الدين الإسلامي.

و الطبقات الاجتماعية التي تستغل المجتمع، و لا تقوى أيديولوجيتها على تضليل الناس، و تعميم ذلك التضليل وتعميقه هي التي تلجأ إلى ادلجة الدين الإسلامي للاستقواء بتلك الادلجة التي يعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر امتدادا لها.

وجعل ادلجة المعروف والمنكر تعبيرا عن المصلحة الطبقية يعتبر معيارا آخر يضاف إلى المعايير السابقة حتى تتكرر ادلجة المعروف وادلجة المنكر قيمة راسخة من قيم المجتمع ويصير المعروف والمنكر مطلقين اطلاقية الأيديولوجية نفسها . باعتبار الاطلاقية أيضا  من معايير ادلجة المعروف والمنكر، وكون تلك الاطلاقية ذات بعد ديني يعتبر معيارا أيضا يضاف إلى ما سبق. بالإضافة إلى معيار تعميم ادلجة المعروف والمنكر على التاريخ الذي لا يتشكل بمنطق التطور بقدر ما يتشكل بمنطق الاطلاقية نفسها، وعلى الواقع الذي يتشكل بدوره بقوة المنطق ، وعلى المستقبل الذي ننتظره بنفس  المنطق.

وفي نظرنا فإن ادلجة المعروف وادلجة المنكر هي ممارسة يومية تضليلية للكادحين بصفة عامة، و للطبقة العاملة بصفة خاصة من اجل تسخيرهم وباسم الدين لخدمة المصالح الطبقية لكل من يعمل على تكريس تلك الادلجة التي لا تقاوم  إلا بقيام وعي طبقي حقيقي يجعل الكادحين يدركون ما يمارس عليهم من استغلال ، و ما هي الآلية المتحكمة ، وكيف تتم مواجهتها،وما العمل من اجل وضع حد للادلجة المبثوثة باسم الدين حتى ينكشف الاستغلال الممارس على الكادحين . ويدرك الكادحون ماذا يجب عمله للحد من تفاحشه، ثم العمل على القضاء عليه لتحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وهي أهداف لا تتحقق إلا في ظل النظام الاشتراكي الذي لا مجال فيه لادلجة الدين الذي يصير مصدرا للقيم الروحية التي يحتاج إليها الناس في حياتهم الروحية، و تعبير عن الجوانب الروحية لحياة الناس الذين يتمتعون بكامل الحرية في ممارسة شعائرهم الدينية. وما ذلك إلا لوجود أناس لا يعانون من القهر والاضطهاد الطبقيين،  و لا يمارس عليهم الاستغلال وليسوا في حاجة إلى ادلجة الدين أي دين لتضليل أنفسهم لأنه لا يوجد في المجتمع الاشتراكي من يمارس التضليل، وهو ما يجب أن يسعى إليه الكادحون في جميع أنحاء العالم.