في الذكرى التاسعة والخمسين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يجدر التأكيد على كونية وشمولية هذه الحقوق، فكونية حقوق الإنسان تعني أنّ تبلور هذه الحقوق أو تضمينها في الشرعة العالمية هو ثمرة لكفاح الإنسانية عبر التاريخ في مواجهة جميع أشكال الظلم،‏ ونتاج لتلاقح وتفاعل الثقافات الكبرى عبر الزمان‏،‏ بما في ذلك الحضارة العربية – الإسلامية،‏ كما تعني أيضا أنه لا يجوز استثناء أحد، في أية منطقة في العالم أو في أي نظام ثقافي، من التمتع بهذه الحقوق،‏ فهي كونية لأنها ترتبط بمعني الإنسان ذاته بالتجريد وبغض النظر عن أي اعتبار‏.‏

وفي العالم العربي ثمة مجموعة معوّقات متضافرة تعيق ممارسة حقوق الإنسان في إطار كونيتها وشموليتها كما وردت في الإعلان العالمي والعهدين الدوليين، وتأتي في مقدمة هذه المعوّقات تلك النابعة من الهيكل القانوني والتشريعي في الأقطار العربية، والبنية الثقافية – الاجتماعية. فمن المسلم به ضعف الارتباط بين الهيكل القانوني والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، إذ أنّ أكثر من ثلث أقطار العالم العربي لم تنضم إلى العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا يتوافر في انضمام بعضها مقصد الالتزام، ولم ينعكس انضمام معظمها بتأثير يذكر في القوانين والتشريعات الوطنية.

كذلك يكتظ الهيكل القانوني العربي بالعديد من القوانين الاستثنائية التي تتناقض أحكامها مع ضمانات حقوق الإنسان المقررة في المواثيق الدولية والإقليمية، وتشترك كثير منها فيما يعرف باسم "قوانين الاشتباه"، وتنص هذه التدابير على اتخاذ إجراءات إزاء أشخاص بدعوى منع الجريمة، وتجيز السجن أو وضع المشتبه بهم تحت رقابة أمنية، وكلا هذين الإجرائين من العقوبات لا يقضى بهما إلا كجزاء على ارتكاب جريمة.

وفي مقابل التوسيع المضطرد لسلطات أجهزة الدولة، كان هناك إضعاف متعمد لدور السلطات الرقابية، بدءا بالرقابة القضائية ومرورا بالرقابة البرلمانية، وانتهاء بالرقابة الإعلامية ودور الرأي العام. فقد جرى إدخال تعديلات على التشريعات المنظمة للسلطة القضائية في البلدان العربية تمس استقلالها، خاصة حين سُيِّسَ القضاء. كما جرى غرس أنماط من المحاكم الاستثنائية مثل "محاكم أمن الدولة" مما فتح ثغرة كبيرة في نظام العدالة العربي. وفي ظل هذه الثغرات جرت وتجري العديد من المحاكمات التي تفتقر إلى شروط العدالة والإنصاف وفقا للمعايير المتعارف عليها دوليا، كما شهدت بعض الأقطار العربية أنماطا من المحاكمات يصعب أن يتخيل لها مثيلا في أي مكان آخر من العالم. ففي سورية، مثلا، يحاكَم المعارض السوري فائق المير عضو اللجنة المركزية لحزب الشعب الديمقراطي السوري، سجين الرأي والضمير منذ 13 ديسمبر/كانون الأول 2006 من قبل فرع أمن الدولة بطرطوس، على خلفية زيارته إلى لبنان للتعزية في الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي واتصال هاتفي مع النائب اللبناني الياس عطا الله رئيس حركة اليسار الديمقراطي، تحت دعوى "الاتصال بجهات معادية للقطر".

وبالمثل عانت الرقابة البرلمانية من ضعف مماثل، فبعض الدول العربية لا تعرف أية هيئات تمثيلية، ولم تعرف بعد طريقها إلى صناديق الانتخاب. فيما افتقدت أغلب المجالس القائمة في البلدان الأخرى للدور الرقابي المضمون في النظم البرلمانية كلية، أو جرى تقييد هذا الدور بدرجات متفاوتة في باقي المجالس البرلمانية.

أما دور الإعلام كجهاز رقابي، فيعاني من ضعف مزمن حيث تفرض معظم البلدان العربية قيودا عديدة قانونية وتنظيمية، تختلف درجتها من بلد لآخر غير أنها تجمع في معظمها على سمات مشتركة. ففي معظم البلدان العربية تمتلك سلطة الدولة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وتفرض أنظمة لمراقبة الصحافة بدقة، كما تفرض بعض البلدان قيودا على المطبوعات، وتراقب الكتب والصحف والمطبوعات الواردة من الخارج، وتمنع تداول بعضها، كما تجيز بعض القوانين إخضاع المراسلات والاتصالات الهاتفية للرقابة.

ويعطي موقف الحكومات العربية من منظمات حقوق الإنسان، كمؤسسات شعبية رقابية على حقوق الإنسان في بلدانها، مؤشرا بالغ الوضوح حيال هذه الحالة فأغلبية البلدان تنكر الحق في تكوين جمعيات لحقوق الإنسان.

وتستكمل هذه الحلقة المعيبة من توسيع الصلاحيات وإضعاف الرقابة القضائية والشعبية، إضعاف مؤسسات المجتمع المدني في البلدان العربية، فتقيّد معظم البلدان العربية حق التنظيم الحزبي والنقابي والحق في تكوين الجمعيات المستقلة.

ومن الإشكاليات التي تستوجب المعالجة الجدية بغية الممارسة الفعلية لحقوق الإنسان يمكن أن نذكر ثلاثا:

1- ما هي وسائل إدراج الأحكام التي تناولتها الاتفاقيات الدولية في النظام القانوني للأقطار العربية؟

2- ما هي درجة القوة القانونية لنصوص الاتفاقيات الدولية في التسلسل الهرمي القانوني الداخلي للأقطار العربية، وإذا حصل تعارض بين التشريع الوطني النافذ وأحكام الاتفاقيات الدولية فأي نص أَولى بالتطبيق؟

3- هل تجوز إثارة أحكام الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان أمام القضاء الوطني لدى الدولة العربية المنضمة لهذه الاتفاقيات؟ وما هي الإشكاليات التطبيقية المتفرعة عنها؟

‏ __________

* كاتب وباحث سوري مقيم في تونس