مفهوم الليبرالية ( liberalism ) مشتق من الكلمة اللاتينية ليبر( liber )، التي تشير إلى طبقة الرجال الأحرار، أي الغير عبيد أو فلاحين مملوكين

.
وكانت ترادف الكريم والسخي والحر. وفي المواقف الاجتماعية كانت الكلمة تعني "متفتحا " أو ذا عقل وأفق فكري رحب. وقبل نفوذها إلى الفلسفة، كانت نزعة فردية عقلية تراكم المعرفة وتساهم في تكوين العقل الحديث. لم يعرف لها تاريخ بداية دقيق، والمرجح أنها بدأت مع الرهبان المتنورين في القرن الرابع عشر. أمثال ويليام ديراند ( ولادة 1280 ) من سان بورسان، وهو أحد الرهبان الدومينكان المتحررين؛ نبذ آراء أرسطو والأكويني ورأى أن يغلب العقل على حجة كل عالم مهما كان حظه من الشهرة أو الخطر. وتبنى المذهب التصويري لأبيلار بالقول: أن الأشياء الفردية فقط التي تبقى وكل الأفكار المجردة أو العامة ليست إلا أقرب التصورات للعقل. ويكون بذلك قد مهد السبيل لاسمية أوكهام ( ويليام الاوكهامي، مات متأثراً بالطاعون عام 1349 أو عام 1350 وهو لا يزال في مقتبل العمر )، الذي أسس للمذهب التجريبي قبل ظهور لوك بثلاثمائة عام عندما قال: "لاشيء يمكن أن يكون موضوعاً للحس الداخلي ( الفكرة ) إلا إذا كان موضوعاً للحس الخارجي ( الشعور)". اعتبر أوكهام حاملا للواء الفكر الحر، لأنه لعب دوراً، وإن اقتصر على صوت، في تأليب الحكومة الوطنية ضد الكنيسة العالمية. كما أن هجماته على البابوية واستنصاره الدائم للإنجيل والمسيحية الأولى بدلا من الكنيسة مهدت لظهور لوثر الذي عد أوكهام من أعظم أساتذة فلسفة الكلام وأكثرهم عبقرية إذ عبر سلفا في مذهبه في الاختيار ومذهبه في الفردية عن الروح القوية لعصر النهضة. وعلى الرغم من أنه مثالي من الناحية الفلسفية فإن تأكيده أن الإحساس هو المصدر الوحيد للمعرفة جعله يتبوأ مكاناً مرموقا في موكب الفلسفة الإنجليزية التجريبية من روجر وفرانسيس بيكون من خلال هوبز ولوك وهيوم وميل ومن سبنسر إلى برتراند راسل.( 1 )
أما ومرسيليوس البادوي الذي كان فيلسوفاً لا يلين بالفردية فخورا بفكره وشجاعته وكان يجعل فلسفته السياسية جزءا لا ينفصل من حياته القلقة. لعله يدين ببعض تطرفه المناهض للأكليروسية إلى جو من مذهب الشك الذي يرجع إلى ابن رشد الذي وجده بترارك وفضحه في الجيل نفسه. ألف عام 1324 بشيء من التعاون مع جون الجندواني أعظم رسالة أثرت على السياسة بالعصور الوسطى وهي "المدافع عن السلام". وقد برهن هذا الكتاب على أن السلام في أوربا يقوضه النزاع بين الدولة وبين الكنيسة وأنه يمكن استعادة السلام والحفاظ عليه بوضع الكنيسة بكل ممتلكاتها والعاملين بها تحت نفس السلطة الإمبراطورية أو الملكية مثل باقي الجماعات والأموال، ومن الخطأ (كما جاء في البحث) أن تقتني الكنيسة ممتلكات، فليس في الكتاب المقدس ما يبرر هذا الاقتناء.( 2 )
لكن عصر الثورة التجارية بسبب غزو البحر ( 1492 - 1517 ) إلى الهند ورأس الرجاء الصالح واكتشاف أمريكا بفضل مغامرين أمثال فاسكو دي بالبوا ( 1513 ) الذي شاهد المحيط الهادي واكتشف فلوريدا، وسلسلة المغامرات التي بدأها هنري الملاح وتبعه فيها فاسكودا جاما والتي بلغت أوجها في عهد كولمبس وانتهت بماجلان. هي التي فتحت البحار الغربية والجنوبية للملاحة والتجارة، وأنهت عهد البحر الأبيض المتوسط في الحضارة، إذ أن شعار القرون الوسطى لجبل طارق- لا شيء خلفه - أصبح خلفه الكثير، الحدث الذي أزال كل الحدود وأصبح العالم مفتوحا وبدا كل شئ ممكنا. فبدأ عهد دول الأطلسي في العالم الجديد الذي شكل مخرجاً لفائضها من السكان ولطاقاتها الاحتياطية ولمجرميها هناك أسواقاً رائجة لبضائعها الأوربية. وازدهاراً للصناعة في أوربا الغربية بالاختراعات الآلية وبأشكال أحسن للطاقة مما أدى إلى الثورة الصناعية. ولم تكن الآثار الأدبية والذهنية لهذه الاكتشافات بأقل من النتائج الاقتصادية والسياسية، فقد انتشرت المسيحية فوق رقعة واسعة من نصف الكرة الأرضية، وكسبت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية من الأنصار في العالم الجديد أكثر مما سلبهم منها الإصلاح الديني في العالم القديم. والآن بدأ التاريخ الحديث بموجة طاغية تتسم بالإقدام والتفاؤل، والاعتزاز بالعمل وشجاعة العقل البشري، في اللحظة التي كان فيها كوبرنيكوس على وشك أن يقلل من الأهمية الكونية للأرض وسكانها.
في هذه المرحلة، ظهر اقتصاد جديد، رافقه ظهور الإصلاح الديني البروتستانتي ( 1517 ). في جو كانت الكنيسة الكاثوليكية تناهض "الأعمال والمشروعات والتجارة". التي أدانت فوائد القروض، وأجازت من الناحية الدينية قيام النقابات، وقدست الفقر وانتقدت الثراء، وأعفت العمال من العمل أيام الآحاد والعطلات التي كانت كثيرة، إلى حد أنه في 1550 بلغ عدد الأيام التي لا عمل فيها 115 يوماً في السنة في الأقطار الكاثوليكية. وربما كان لهذا أثره في الإبطاء بالتصنيع والإثراء في هذه البلاد. ودافع رجال اللاهوت، بموافقة الكنيسة، عن فكرة تحديد "أسعار عادلة" لضرورات الحياة بمقتضى القانون، وكان توماس الأكويني قد وصم السعي إلى المال، بعد الوفاء بحاجيات الإنسان، بأنه "جشع آثم"، وحكم بأن أية مقتنيات أو مدخرات فائضة عن الحاجة، "تخصص بمقتضى القانون الطبيعي لإغاثة الفقراء وإسعافهم". وشارك لوثر في هذه الآراء، ولكن التطور العام للبروتستانتية تعاون، دون وعي، مع الانقلاب الرأسمالي. وألغيت عطلات القديسين، وكان من نتيجة ذلك زيادة العمل ورأس المال معاً. ولقي المذهب الديني الجديد تأييداً ودعماً من رجال الأعمال، وجزاء مجاملة مثلها، فنظر البروتستانت إلى الثروة بعين الإجلال والإكبار، وأثنوا على التدبير والاقتصاد، وشجعوا العمل على أنه فضيلة، وارتضوا الفائدة على أنها مكافأة مشروعة لمخاطرة المرء بمدخراته.
إن التفهم البروتستانتي لهذا التوجه الرأسمالي الحر المُناهَض كاثوليكياً، كان أول قضية شغلت بال الفلسفة السياسية في القرن الذي جاء في أعقاب الإصلاح الديني، إذ أن المفكرين الكاثوليك كانوا يطالبون باستعادة سلطان البابا، على حين طالب المفكرون البروتستانت بالقضاء على سيطرة البابا قضاءً تاماً، أيدوا حقوق الملوك الإلهية كعنصر موازنة ضروري ضد عنف الشعب ومزاعم البابا، وقالوا بوجوب الامتثال للملك حتى ولو كان ظالماً. وكان أنصار البابوية يحاجون بأن الملكية المطلقة التي تطالب بحقوق الملوك الإلهية تتنكر لكل الضوابط والقيود التي يفرضها الدين والأخلاق والقانون؛ ولكن دعاة الإصلاح ردوا على هذا بقولهم بأنه ليس ثمة سلطة "فوق قومية" ( تتخطى الحدود القومية ) يمكن أن توفق في سعيها لتحقيق خير البشرية، خاصة الكنيسة التي تسعى لتدعيم قوتها ونفعها الخاص مع قمع كل أشكال الحرية في الحياة وفي الفكر.
في تلك المرحلة، كانت إيطاليا ( الإمارات الضعيفة والمتحاربة ) بحاجة ماسة للزخم القومي، ولرجل سياسي، مثل ماكيافيللى ( 1467 - 1527 )، الذي يعتبر أول من وضع نظرية سياسية علمية وتجريبية لقيام دولة ( إمارة ) تحكم زمنياً وبدون أن يذكر فيها أية سلطة روحية، وذلك في كتابه ( الإمارات ). وهو يرى في كتابه " أن ظفر الأقوى هو المحرك الجوهري للتاريخ البشري ". " وأن الحرب هي المهنة الحقيقية لكل من يحكم ".( 3 )
وبالنسبة لأية دولة " القواعد الرئيسية هي قوانين جيدة وأسلحة جيدة .... فكل الأنبياء المسلحين انتصروا، وغير المسلحين اهلكوا أنفسهم ".( 4 )
و" الشعب يصنع أميرا حين، وهو غير قادر على مقاومة الكبار، يضع كل أمله في طاقة شخص فرد سيدافع عنه. وكذلك الكبار، الذين يشعرون أنفسهم غير قادرين على مقاومة الشعب، " يلجؤون إلى خطوة ونفوذ واحد منهم ويجعلونه أميرا حتى يستطيعوا في ظل سلطته إشباع رغباتهم الطموحة ".(5 )
وأمير مايكافيللى " ثعلب وأسد.... لا ينحرف عن جادة الخير طالما يستطيع ذلك ".( 6 )
إن حلم مايكافيللى بإيطاليا دولة قوية موحدة هو السبب في تأليفه كتابه الذي لا ميدان فيه للحق والحرية لأن الميدان الوحيد فيه فقط القوة لولادة الدولة.
لكن فرانسيس بيكون ( 1561-1621 )، هو الذي هيأ بروحه إنجلترا للانقلاب الصناعي. مع رينيه ديكارت ( 1596 - 1650 ) الذي أيقظ ذهن أوربا، وبالخصوص فرنسا. معه يبدأ عصر جديد، عصر العقل والعقلانية. بيكون بسعيه لتقويض دور الدين الذي يحد من كل ألوان المعرفة، والفلسفة يجب أن تعتمد على العقل فقط، لأنه في الطبيعة لا يوجد شيء عدا الأجسام الفردية التي تؤدي أعمالاً فردية صرفة طبقاً لقانون محدد، ويجب الارتياب في أية أفكار أو خطط لم يتحقق منها التجريب الفعلي، وفي كل النتائج التي شابتها الرغبة، فالعلم ينبغي أن يلتمس تفسيرات دنيوية صرفة، على أساس سبب ونتيجة ماديتين.
وديكارت، الذي انطلق من أن العقل بطبيعته واحد عند جميع البشر، والذي يجعلنا أسياد الطبيعة ومالكي زمامها، من خلال الكودجيتو ( أنا أفكر )، المبدأ الذي أحدث ثورة كبيرة في التفكير، فبه ننبذ كل النظريات والمبادئ والتعاليم، ونطرح كل جهد ومرجع. نشك في كل شيء لنبدأ بصفحة جديدة خالية من أي شيء.
ديكارت هو:
1- أبو الشكّ المنهجي، المطلق، الطعن بالموروث وبالحواس ومعطيات الحواس وبكل الجلاءات والبديهيات.
2-
هذا الشكّ يقيم يقيناً أوّل وأوّلياً: ( أنا أفكر )، ( أنا مع الفكر )، أنا النفس المفكرة، النفس الخالدة التي صارت بقوة فكراً وتفكيراً إزاء العالم.
3-
أنا أفكر، إذن أنا موجود ( كنفس ). ومنها إلى الله ثم إلى العالم المادي المخلوق.
4-
ديكارت يعلن مشروع ( جعل الإنسان سيّداً وحائزاً على الطبيعة وبيكون يؤسس " التقنية ": لكي تطيعنا الطبيعة يجب أن نطيعها وينقد الأصنام ولاسيّما أصنام اللغة.( 7 )
عاصر ديكارت، الفيلسوف الإنجليزي، توماس هوبز ( 1588 - 1679 )، الذي أعاد صياغة فلسفة ماكيافيللى السياسية بلغة شارل الأول، ونبعت هذه الفلسفة من الاستبدادية المطلقة الموفقة التي انتهجها هنري الثامن وإليزابث في إنجلترا، وهنري الرابع وريشيليو في فرنسا، ومن حيث الأثر المباشر بدا أن لهذه الفلسفة ما يبررها، في العودة السعيدة لملك من آل ستيوارت ما زال يدعى ويطالب بسلطان مطلق غير محدود، وينهي فترة من الفوضى المدمرة. لكن فلسفة الحكم الاستبدادي المطلق سقطت أمام إعادة البرلمان توكيد سيادته في الثورة الجليلة ( 1688 ).
كان هوبز "اسمياً صريحاً" (مذهب الاسمين: مذهب فلسفي يقول بأن المفاهيم المجردة أو الكليات ليس لها وجود حقيقي، وأنها مجرد أسماء ليس غير): فالإنماء أو الأسماء المجردة مثل "الرجل، الفضيلة" هي مجرد أسماء لأفكار تعميمية، ولا تمثل شيئاً مدركاً بالحواس، فكل الأشياء لها وجود فردي- أعمال فاضلة فردية، ورجال فرديون....( 8 )
ويمكن التعرف على فلسفة هوبز على صفحات كتابه "لوياثان"، الذي يحدد فيه مصطلحاته وألفاظه تحديداً دقيقاً، ومن مطلع الكتاب، "الوياثان" هو مصلحة مشتركة أو رابطة أو دولة. "لوياثان" كلمة وردت في التوراة (سفر أيوب- الإصحاح 41)، استعملها الرب اسماً لحيوان بحري هائل غير ذي نوع محدد، رمزاً للقوة الإلهية. أراد هوبز للدولة أن تكون كوحش الرب وقوته، ونظام ضخم يستوعب كل النشاط الإنساني ويوجهه. فيها الحكومة ضرورية، لا لأن الإنسان شر بالطبيعة. بل لأن الإنسان بطبيعته أكثر نزوعاً إلى الفردية منه إلى الروح الاجتماعية، إن هوبز هنا لم يتفق مع أرسطو في أن الإنسان "حيوان سياسي"، أي مخلوق مهيأ بالطبيعة للاجتماع. إنه على النقيض من ذلك أدرك "حالة طبيعية" أصلية (وهي على ذلك الطبيعة الأصلية للإنسان)، على أنها حالة تنافس وعدوان متبادلين لا يوقفهما إلا الخوف، لا القانون. وفي تصور هوبز أنه من "حالة طبيعية" المفترضة هذه، خرج الناس باتفاق ضمني بين بعضهم بعضاً، على أن يخضعوا جميعاً لسلطة عامة. وتلك هي نظرية "العقد الاجتماعي التي أصبحت مألوفة شائعة بفضل رسالة روسو التي تحمل هذا الاسم ( 1762 ). ولكنها كانت بالفعل قديمة مطروقة في أيام هوبز. وافترض هوبز أن سلطة هذه الدولة يجب أن تكون ملكية، يمكن الوصول إليها عن طريقين، أولهما القوة الطبيعية، التي تتمثل بالإخضاع عن طريق القوة والحرب. أما ثانيهما فهو حين يتفق الناس فيما بينهم على الخضوع طواعية واختياراً لرجل أو جماعة من الرجال، ويمكن أن يطلق على هذا "رابطة سياسية" ( الدولة ). ولا يحكم هذا الملك بمقتضى الحق الإلهي، حيث أنه يستمد سلطته من الشعب، ولكن يجب أن تقيد سلطته جمعية شعبية أو قانون الكنيسة. ويجدر أن تمتد هذه السلطة إلى الملكية، فيجب على الملك أن يحدد حقوق الملكية (التملك)، وعليه أن يعيد توزيع الممتلكات الخاصة، حيثما يقدر أن هذا يحقق المصلحة العامة. "والحكم المطلق" ضروري، لأنه يحقق الأمن والسلام الضرورتان الأساسيتان للمجتمع، وينبغي أن لا يكون هناك فصل، بل وحدة كاملة وتركيز تام في السلطات الحكومية. وحيثما توزعت السلطات لا يكون هناك ملك، وحيثما لا يكون ملك، لا تكون هناك دولة. ولا يجوز أن يكون هناك جدل عقيم حول الحرية الفردية والآراء الخاصة والضمير. وينبغي أن يقتلع من الجذور كل ما يهدد سيادة الملك، ومن ثم السلام العام. فكيف يتسنى حكم دولة أو حماية علاقاتها الخارجية إذا بقى كل فرد حراً في طاعة القانون أو مخالفته وفقاً لرأيه الخاص؟( 9 )
إن فلسفة الحكم الاستبدادي المطلق التي نادى بها هوبز، سقطت أمام إعادة البرلمان توكيد سيادته ( الثورة الجليلة 1688 )، وسرعان ما حل مكانها تحررية "ليبرالية" لوك التي تدعو إلى تحديد السلطات والفصل بينها.
الهوامش:
1-
قصة الحضارة- ول ديورانت جزء 8- من الصفحة ( 8055 – 8064 )
2-
قصة الحضارة- ول ديورانت – جزء 8- من الصفحة ( 8066 – 8067 )
3-
المؤلفات السياسية الكبرى - جان جاك شفاليه - ترجمة الياس مرقص - ص ( 19 )
4-
نفس المصدر السابق - ص ( 20 ).
5-
نفس المصدر السابق - ص ( 25 ).
6-
نفس المصدر السابق - ص ( 31 )
7-
نقد العقلانية العربية - الياس مرقص - ص ( 43 )
8-
قصة الحضارة – ول ديورانت – مجلد 11 - صفحة رقم : 11316
-
نفس المصدر السابق - صفحة رقم: ( 11322- 11323- 11324 – 11325 )