تقيم المنظمات العالمية لمناهضة العنف ضد المرأة في الخامس والعشرين من شهر نوفمبر في كل عام، سلسلة فعاليات احتجاجاً على ممارسة العنف الذي يستهدف نساء العالم بأشكال مختلفة..لكن هل يكفي وصف ما ينفذه الاحتلال العسكري ضد نساء العراق وفلسطين والصومال وأفغانستان بالعنف؟!
في اليوم العالمي لمناهضة العنف الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1999، مضى نحو أربعة أشهر على إصدر حكم بالسجن الفعلي بحق الجندي الأميركي جيسي سبيلمان الذي ارتكب جريمته ضد الطفلة البريئة عبير قاسم الجنابي (14 سنة) وأفراد أسرتها في العراق. أطلق سبيلمان النار على رأس ضحاياه الثلاث وانفجر ضحاكاً قبل انتقاله لغرفة مجاورة يحتجز فيها عبير ويغتصبها، ثم يطلق النار على رأسها ويشعل النار في المنزل ويغادر مع "رفاق" السلاح و"طهارة" المحتل الديمقراطي!؟ وكأن الأمر لم يكن سوى التمتع بحفلة كرنفال سينمائي..هل شاهد الجندي الأميركي القاتل جيسي سبيلمان الفيلم الشهير" مستر بروكس" وقلّد بطله "كيفن كوستنر" في ابتكار أساليبه المدهشة للتمتع بالقتل وتعذيب ضحاياه تحت وابل من الضحكات المتفجرة!
يروي الفيلم الأميركي قصة قاتل مدمن على ارتكاب الجرائم بدافع وحيد: رغبة بالمتعة ولذة بالقتل وشهوة بالمذبحة واستمتاعاً بتحطيم الضحية. "مستر بروكس" رجل أعمال ثري في النهار، ناجح ومحب لأعمال الخير، عطوف على ابنته مخلص لزوجته وأيضا "ديمقراطي"، وربما يكون مشغول بانتشار قيّم السلوك الديمقراطي باعتبارها "وباء" لا مفر منه لضمان تحضر العالم الثالث وتعليمه فن تبادل السلطة سلمياً! لكن بطل الفيلم ينقلب في الليل إلى قاتل يستمتع باعدام ضحاياه..هذا النموذج للبطل في السينما الأميركية يستلهمه الجنود والقادة العسكريون الذين يحتلون العراق، ويمارسون طقوسه ليل نهار ويتصرفون في مدنه وأريافه كأنهم في رحلة صيد!
الجندي جيسي سبيلمان أو مستر بروكس وبمشاركة مجموعته القاتلة، احتجز في آذار 2006 المواطن العراقي قاسم الجنابي وزوجته فخرية وابنته الصغيرة هديل ( 6 سنوات) بغرفة متواضعة في حي المحمودية على بعد ثلاثين كيلو مترا جنوب بغداد، واحتجز ابنتهم الصبية عبير في غرفة مجاورة. دخل على رب الأسرة ب"طهارة" سلاحة و"شرفه" العسكري وأفرغ الرصاص بأفراد العائلة بدم بارد ودون أن يهتز له رمش..ألمْ يقتل بطل الفيلم مستر بروكس ضحاياه بهذه الطريقة؟ وخرج الجندي سبيلمان إلى زملائه سعيداً بانتصاره، يمتلئ نشوة ومتعة تعلو قسماته ملامح المنتصر، وتابع بكامل عتاده العسكري التقدم إلى غرفة عبير مطلقاً لجنونه العنان: اغتصبها ومزقها ثم أفرغ رصاصه الحاقد في رأسها وحرق جثتها وأشعل النار في أثاث المنزل، وأرسل برقية لقيادته العسكرية يتهم فيها ميليشيا عراقية بتنفيذ الجريمة..وصدقته وسجلت الجريمة باعتبارها صراعاً طائفياً ومذهبياً! هزت المذبحة المجتمع العراقي وتبادلت الطوائف المختلفة الاتهامات وعمليات الانتقام المتبادل، قبل أن تتكشف الفضيحة بعد ثلاثة أشهر على وقوعها لترتقي إلى مستوى جرائم معتقل "أبو غريب" التي تجلت فيها سادية الجلاد، دون أن يهتز لموجة "تسونامي" التي أطلقتها منظمات حقوق الانسان احتجاجاً على سلوكه العدواني وانهيار المستوى الأخلاقي لمجنداته.
في الأسبوع الأول من شهر آب 2007 أدانت محكمة أميركية ثلاثة من قتلة عائلة الجنابي، وأصدرت حكماً بالسجن مائة عام على القاتل الرئيسي، وحكمين بالمؤبد على اثنين من زملائه القتلة. في أول رد فعل لأقرباء الضحايا من العائلة في المحمودية رفضت الحكم وطالبت باعدام القتلة، بينما لم تتابع الأجهزة الرسمية ملف القضية ونتائج المحاكمة دفاعاً عن مواطنيها الذين يتعرضون صباح مساء للفتك المنظم ب"طهارة سلاح جيسي بروكس"!! كيف تعلن الحكومة الرسمية موقفاً وهي ترى في الاحتلال انتصاراً للديمقراطية وضماناً لحقوق الانسان!؟..أليس اغتصاب عائلة واحراقها واشعال النار في منزلها "نضالا وطنياً" في مواجهة الارهاب؟ ولكن ألم تعبد "المعارضة" المتحالفة مع المحتل الطريق أمام "مستر بروكس" لتحويل كل العراق على شاكلة بيت المحمودية عرضة لمتعة الفتك؟ وللحقيقة ما يخفف الغضب ويفتح بوابة الأمل، أن هناك من يقاوم بأخلاق رفيعة جنون "مستر بروكس" في الوطن الواسع الممتد على طرفي دجلة والفرات..مقاتلون وطنيون يمتلكون الكرامة من أجل نثر أكاليل الغار على قبر عبير ليطمئن رمادها تحت الرماد.
رام الله المحتلة


