عادت
إسرائيل إلى لعبة "المواعيد غير المقدسة" التي اشتهرت بها
حكوماتها المتعاقبة منذ رابين / بيريز، مرورا بنتنياهو وباراك،
وانتهاء بشارون وأولمرت، تلك اللعبة التي انتهت إلى الإطاحة
بكل الجداول الزمنية للاتفاقيات المبرمة مع الفلسطينيين، ولعل
أهمها، الاستحقاق الأهم في الاتفاقية الأهم، إعلان الدولة
الفلسطينية في أيار 1999 بموجب اتفاق أوسلو، ناهيك عن عشرات
المواعيد التي فقدت قدسيتها لأن الالتزام بها كان يقرب الشعب
الفلسطيني خطوة إضافية من حريته واستقلاله.
قبل أن يأتي الثاني عشر من كانون الأول / ديسمبر الجاري، موعد
بدء المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وقبل أن
تطل علينا السنة الجديدة (2008)
التي من المفترض أن تتوج باستكمال المفاوضات حول قيام الدولة
الفلسطينية المستقلة التي ستعيش جنبا إلى جنب، وبسلام وأمن مع
إسرائيل، طلع علينا إيهود أولمرت بتصريحات مثيرة للغضب، تنزع
صفة القداسة عن مواعيد أنابوليس وجداوله الزمنية، وتظهر الميل
الإسرائيلي الأصيل، القديم المتجدد، للتنصل من الالتزامات
والجداول الزمنية والاستحقاقات.
والحقيقة أن تصريحات أولمرت ليست مفاجئة ولا صادمة لمن تتبعوا
الأداء الإسرائيلي على مختلف مسارات التفاوض، والذي كان يملي
على الجانبين الفلسطيني والعربي، التحلي بروح الحذر واليقظة،
والاستمساك بالشروط المتواضعة التي طرحوها قبل الذهاب إلى
أنابوليس، وأهمها الوصول إلى "اتفاقية "إطار" أولا، ومن ثم
الاتفاق على جدول زمني محدد لإنجاز المفاوضات وتجسيد النتائج
على الأرض، واقعا ملموسا ومعاشا.
لكن العرب والفلسطينيين، قرروا التساوق والانحناء للضغوط
الأمريكية، المستوحاة من الموقف الإسرائيلي المتعنت، وهم
تراجعوا سريعا عن شروطهم على تواضعها، وقبلوا بأن يلدغوا من
الجحر ذاته، مثنى وثلاث ورباع، لكأنهم لم يتعلموا شيئا من دروس
المفاوضات مع الآخر.
وكانت النتيجة، إن أولمرت عاد من أنابوليس من دون أن يقدم شيئا
غير الوعود الفضفاضة والعمومية، والتي سرعان ما تراجع عنها، ما
أن استقر على مقعده في مكتب رئاسة الحكومة، فأخذ يتنصل من
وعوده اللفظية الواحد تلو الآخر، مكتفيا بما أنجزته حملة
"العلاقات العامة" التي أدارها مع ستة عشر دولة عربية.
وإذا كان ثمة من خلاصة أو استنتاج سياسي يمكن اشتقاقه من
تصريحات أولمرت، فهي أن الرجل ماض فعلا في عملية شراء الوقت،
وأن عملية أنابوليس ليست بالنسبة إليه سوى وسيلة لتحقيق هذا
الغرض وتمكينه من احتواء الضغوط وإدارة الأزمة مع الفلسطينيين،
أما حل الصراع حلا نهائيا، مع كل ما يقتضيه ذلك من قرارات
تاريخية، فهذه المهمة ليست مدرجة على جدول أعماله، وهو في مطلق
الأحوال لا يرغب بها، وليس مستعدا لدفع ثمنها من "جيب"
السياسية الإسرائيلية الداخلية.
لهذا السبب، ولهذا السبب بالذات، لم نكن من بين المتفائلين في
أنابوليس، ويوما بعد آخر يتضح لنا أن لتشاؤمنا وحذرنا أسبابهما
الوجيهة، وعلى الذين يحملون اليوم على كل تقدير متشائم حول
أنابوليس، أن يتواضعوا قليلا، وأن لا يطلقوا العنان لاتهاماتها
ورهاناتهم، بل وأن لا يراهنوا كثير على "الذاكرة المثقوبة"
للرأي العام، وإن كان من جهد مفيد يمكن أن يبذله هؤلاء فيكون
بالتصدي للتعنت والغطرسة الإسرائيليين بدل إضاعة الوقت في
إدارة معارك دونكيشوتية في الوقت الخطأ ومع الأشخاص الخطأ،
فإسرائيل هي التي ستقضي على مسيرة أنابوليس، وليس
"المتشائمين"
العرب الذين يتمنون أن يكون تشاؤمهم في غير محله


