ذلك أنه من دون تلك الجملة السحرية التي انعقد حولها خطاب الرئيس الأميركي في افتتاح اجتماع انابوليس، يصبح الحدث شاحباً تماماً، على رغم الأبهة التي أحاطت به، والتي اعتبرها البعض غاية الاجتماع: صورة جميلة لبوش يتوسط الرئيسين عباس وأولمرت، تذكّر كثيراً بصورة الرئيس كلينتون متوسطاً راحلين قضيا قتلاً مع تجاوز التفاصيل، عرفات ورابين. وكان سيبقى شاحباً على رغم الإجماع العربي - على الحضور- وهو ما بقي غير مؤكد حتى اللحظة الأخيرة، ليس بالإشارة إلى المشاركة السورية المفاجئة فحسب، بل بالاستناد إلى موقف السعودية المفتاحي، والذي بقي متردداً حتى ما قبل اللحظة الأخيرة بوقت قليل. لكن هل تكفي النية الخالصة تلك، ذات الرنين الديني-الرسالي الذي يتجاوز الاشتراطات اللعينة للسياسة، في إطلاق ما بات له إسم: مسار أنابوليس؟

للتذكير الممل فحسب، ثمة «مسارات» أخرى حول الموضوع نفسه انتهت إلى فراغ: مسار أوسلو في 1993، وخريطة الطريق في 2003. ذلك أن التناقض بين الإيقاعين الإسرائيلي والفلسطيني كان مذاك صارخاً، وهو ازداد قوة اليوم. فللاعتداد بنجاح المسار، يحتاج الفلسطينيون إلى نتائج فورية ملموسة على الأرض، تتعاطى مع وقائع الاحتلال، تزيل المستوطنات الهائلة التي نبتت في الضفة منذ 1967 وتوسعت بطريقة جنونية منذ اتفاقية أوسلو، وتوقف بناء الجدار والطرق الالتفافية، وهي كلها إنشاءات مشيّدة في عمق الضفة ووفق أسلوب مصادرة الأراضي، ويحتاجون لإزالة الحواجز التي تحول بعضها إلى ما يشبه نقاط حدود محصنة، والى إطلاق سراح الأحد عشر ألف أسير، والى وقف تهويد القدس القائم على قدم وساق، والى وصل الضفة بغزة، وبصورة أكثر مباشرة وفورية إلى معالجة الوضع البشري المأسوي لغزة، هذا إذا لم نذكر نقاطا اشد تعقيداً ولكنها ليست أقل أهمية، يأتي على رأسها موضوع اللاجئين وهم أغلبية الشعب الفلسطيني... بينما ينحكم الطرف الفلسطيني إذاً إلى الحاجة لأكبر سرعة ممكنة، تكمن المصلحة الإسرائيلية في المماطلة. ففي ظلها تمكّن مختلف القادة الذين حكموا إسرائيل منذ إطلاق مسار أوسلو وحتى اليوم (وهم ينتمون إلى مختلف التشكيلات السياسية، وقد برهن من كان منهم من حزب العمل على صقورية لا تقل أبدا عن سواه، إن لم يكن العكس صحيحاً) من تحقيق «الانجازات» المذكورة أعلاه، والتي أوجدت وقائع على الأرض معاكسة تماماً «للنوايا» المعلنة عند إطلاق المسارات، سواء الأول منها، أي أوسلو، أو ترتيبات خريطة الطريق التي يوحي اسمها بأن وظيفتها المساعدة على السير وسط حقل ألغام أو دغل خطير.

لكن هذا التفاوت القاتل بين الإيقاعين ليس التناقض الوحيد الذي يستدعي سلوكيات تسير في اتجاهين متعاكسين، لا تنفع معهما «النوايا الخالصة»، سيما إذا لم تقترن، توضيحاً، بإعلان صريح وتفصيلي. فهناك ما يبدو انه واحد من الدوافع الشديدة وراء عقد اجتماع انابوليس، أي صون خيار الدولتين. وقد خصص الرئيس الأميركي نصيباً كبيراً من كلمته الافتتاحية للإشارة إلى هذا الهدف. ولعل الوفد الفلسطيني قد سُرّ لتعهد الرئيس بوش الدفاع عن نشوء دولة فلسطينية، منذ أصبحت هذه الدولة - أيا كان مضمونها – الهدف الاستراتيجي الفلسطيني بدلاً من حزمة الحقوق، أو كما يقال تبريراً، مدخلاً لانتزاع تدريجي لتلك الحقوق. ولكن الطرف الإسرائيلي حاز ليس فحسب على ما رغب به من تحديد لآليات المسار العتيد، بل على إشارة إلى الطابع اليهودي لدولة إسرائيل. ذلك أن واحداً من المداخل المستقبلية الكبرى للصراع ستكون هذه النقطة تحديداً. فإسرائيل تريد اليوم الانتقال إلى علاج الاختلال المخيف بالنسبة لها في نسبة الوجود الفلسطيني داخل حدود 1948، وهي نسبة متعاظمة بفعل النمو الطبيعي. ويجري بحث بعضه السوريالي حول كيفية التخلص من هذه البذرة الشريرة. وقد ورد في اقتراحات لتبادل الأراضي، حماية لبقاء المستوطنات في الضفة، أن تتم مقايضة بعض قرى المثلث الواقعة داخل حدود 1948، وذات الكثافة السكانية العالية، بتلك المستوطنات! وهو ما يلخصه مثل عربي يقول «بِعْه من كيسه». هذا ناهيك عما يعنيه تعطّل حل الدولتين لجهة إضافة الكتلة السكانية الفلسطينية القائمة في الضفة إلى المشكل، على فرض أن البحر سيبتلع غزة. فكيف تصالح إسرائيل نوازعها المتناقضة ما بين الإقرار بالحاجة إلى دولة فلسطينية، وفي الوقت نفسه إلحاق أراضي الضفة بها، وأيضا وكضلع ثالث للتناقض، التخلص من السكان؟ تبدو «حلولاً» من قبيل ترتيبات مع الأردن ومصر – عودة الشيخ إلى صباه – أقرب إلى التطابق مع الوقائع المنشأة على الأرض ومع الشهية غير المحدودة لإسرائيل التي تريد، وفق المثل الفرنسي هذه المرة، الزبد وثمن الزبد. مما يعني شكاً كبيراً في قابلية تنفيذ التعهد الذي أطلقه الرئيس بوش في افتتاح انابوليس – ومعه حفظ الرضا الفلسطيني الذي لا يمتلك الكثير مما يمكنه الاعتداد به سوى ذلك.

فعدا الخطابات الافتتاحية والاستقبال في البيت الأبيض، ألاهم هو ما لم يقر في انابوليس: لا إطارا دولياً للمسار المتجدد، بل مفاوضات ثنائية تترك الإسرائيليين والفلسطينيين وجهاً لوجه، برعاية أميركية! لا جدول مسبق لنقاط التفاوض ومواعيده –التي تبدأ فوراً فحسب وتأمل ببذل «كل الجهود» للوصول الى نتيجة مع نهاية 2008. وكان سبق لوزيرة الخارجية الإسرائيلية أن أسمت وضع مثل هذا الجدول بالقبول بـ»سكين على العنق»، وقد نال الإسرائيليون هنا أيضاً ما أرادوا. وأخيراً لا بحث في حل شامل، بل مسار ثنائي، وللمفارقة أدت أنابوليس، التي حضرتها الجامعة العربية بصفتها تلك، علاوة على تمثيل عربي كامل، إلى قبر المبادرة العربية لقمة بيروت 2002، المستعادة في قمة الرياض 2007، والتي سعت إلى بلورة تصور متكامل وصيغة شاملة. ها هي اللاءات الإسرائيلية الثلاث تخرج منتصرة من هذا الاجتماع.

فما الأمر إذاً؟ هل حقاً تقتصر غاية أنابوليس على تحقيق نصر شكلي للرئيس بوش يتمسك به على امتداد 2008 بانتظار خروجه من الرئاسة، فيرمم صورته المهتزة بعنف بسبب مسارات أخرى في العراق وافغانستان، وما يجري في باكستان نفسها، ويحفظ لجماعته – الجمهوريين ومن بينهم تحديداً «المحافظون الجدد» – ماء الوجه؟ وقد صادفت هذه الغاية المسكينة مثيلاتها لدى الرئيس محمود عباس الغارق حتى أذنيه في أزمة فشل كبرى: لا هو يمثل الفلسطينيين ولا هو يتحكم بالضفة نفسها ولم يسبق أن كان الوضع الفلسطيني على هذه الدرجة من السوء ومن مواجهة المخاطر، والرجل يغادر رسمياً في 2009. والأمر نفسه ينطبق على أولمرت الذي يعاني، علاوة على فشل العملية العدوانية على لبنان في صيف 2006، فضائح فساد يمكن أن تقصيه عن السلطة قبل نهاية ولايته. ولكن هل تكفي الحاجات الخاصة كي تكافئ وتعوض ليس فحسب اختلال موازين القوى، بل التعقيدات الهائلة للمسألة الفلسطينية –الإسرائيلية، وهل يمكن للمظاهر أن تحل بديلاً عن جوهر صعب المنال؟

ما الأمر إذاً؟ تُأوّل انابوليس كخطوة تمهيدية لتوفير شروط الانقضاض على غزة، حتى لا يبقى جيل فلسطيني كامل نهباً للمتطرفين، على حد قول الرئيس الأميركي في الافتتاح. لكن شمعون بيريز، الذي لم يحضر هذه المرة، يقول في شرح أنابوليس أن «الخطر يأتي من إيران وليس من إسرائيل»، ويضيف أن ذلك هو ما يفسر الحضور العربي الإجماعي، مشجعاً على اتخاذ مزيد من الخطوات تجاه سورية لانتزاعها من «محور الشر». فهل فضح بكلامه هذا ما لم يكن مستوراً حقا على أية حال. هل أنابوليس، مثلها مثل ترتيبات عديدة جارية حثيثاً، هي واحدة من علامات الاستعداد لتلك الحرب؟ هذا ما قد يمنحها كثافة معنى، من دونه تبقى فقاعة صابون