إن أحد أهم أسس الديموقراطية هو إتقان الحوار التواصلي المبدع الذي يعترف بالآخر ويقرّ بالاختلاف ويقبل بأن يمارس هذا الاخر سلتطه في المجالات كلها بما فيها السياسي، وحيال ذلك نطرح جملة أسئلة عن علاقة الديموقراطية بالخلفية الثقافية مفادها:" هل من الممكن أن نمارس الديموقراطية ونحن ما نزال في طور العقلية المؤدلجة المبنية على العقائد أو النصوص؟؟؟ وهل يمكن تطويع الديني اللاهوتي ؟؟؟ ام إنه لا بد من فصل اللاهوتي عن السياسي فصلا تامًّا؟؟؟ وان كان كذلك فما هي استعدادات الشعوب العربية ومدى تقبّلها لهكذا فكر؟؟؟ في ظل المخزون التاريخي المؤدلج؟؟؟
وإن كانت الديمقراطية تتنافى مع الدوغمائية العقائدية و العقلية الأحادية فهل تقوم على الفصل التام بين ميدان الألوهية وميدان الحاكمية (وحول هذه النقطة سجال كبير)؟؟؟ وهل هذا الفصل ممكن بين مجال العقيدة و مجال السلطة ،و بين الدين والسياسة؟؟ وماهو دورنا الثقافي؟؟؟وكيف هي علاقتنا في ميزان الحوار التي تربطنا مع غيرنا من الثقافات ؟؟؟
إن علاقة القوة والقِوى التي تربط ثقافتنا العربية اليوم بغيرها من الثقافات، لا تسمح بطبيعة الحال، بالتعامل المنتج الخلاق المبدع ، والسبب يعود إلى أن دعاة التأصيل من الفقهاء والساسة ليسوا على استعداد لإعادة تأويل النصوص، وعندما أقول نصوص فإنما أعني : كل النصوص التي تؤسس للممارسات واهمها النصوص الدينية ، والدساتير الرسمية...فلا الفقهاء ولا رجال السلطة يسعون الى إصلاحات جذرية حقيقية للدساتير التي عفا عليها الزمن و وضعت في ثلاجة التاريخ وجمدّت منذ زمن بعيد .
كما أن سيطرة المشاعر الدينية الإلغائية التي تتنامى في ظل غياب دور المؤسسات المدنية ، هي الوقود الأمثل للحروب وديمومتها، وهي غالبًا ما تعود من حِراكها العشوائي بين أهل الأديان المتنوعة لتتحرك بعنف أشد داخل الدين الواحد و الطائفة الواحدة.
إذن لا بد من التفكير الجدي بتحويل منهجي جذري فقهي مؤصَّل، أي غير بدْعي، في فكرة الجهاد على سبيل المثال وعدم الهروب من إعطاء فتاوى واضحة تجاه مايحصل ، ومن ثم توجيهها إلى مداها الأبعد والأكبر في بناء الحياة والحرية، على منظومة من الأفكار والقيم المشتركة والمصالح المشتركة.
إن المسلمون والعرب اليوم أمام استحقاقات جادّة لتفادي استلحاقهم وارتهانهم في سياق العولمة المتعاظمة، من خلال تجديد شروط شراكتهم الفكرية والاجتماعية والتنموية في مشروع حضاري إنساني،كما أن المسيحيون مطالبون بإعادة قراءة مشرقية ملائمة ومتجددة للاهوت بحيث تُطلِق المفاهيم المسيحية نحو السموِّ وقبول الآخر.وعندها يمكننا أن ننتظر تصحيحاً مسيحياً للعقل اليهودي، من خلال إعادة قراءة مسيحية لليهودية، على موجب التوحيد المهجور من العقل اليهودي الراهن.
هذا التجديد يمكن أن يؤسس لمفاهيم السلام الحقيقي من خلال الحد من النمو المتنامي للمسافة بين الاديان والمذاهب وداخل كل مذهب، والعراق ولبنان اليوم خير شاهد على ذلك... فالإنقسامات الحاصلة تعيد إلى الأذهان الخوف من إعادة إنتاج "سايكس–بيكو" جديد تحت شعار "سلام" في الشكل، وفي مضمونه تكريس للانقسام الإثني – والديني منه في الأساس. وبدلا من الخروج بالدولة الوطنية يصبح لدينا دول طائفية دينية وعرقية ومذهبية الامر الذي يدخل المنطقة في دوامة من العنف المتكرر والمولّد وعندها يحقق حلم هرتزل الذي قال: "كل شعب ينقسم شعبين يصبح في قبضتنا."
وهكذا، فالخطر المحدق بشعوب المنطقة كان، وما زال، ذو وجهين الأول أن العقل الميتافيزيقي الذي حَكَمَنا غلَّب فينا عقلاً دينياً أصولياً أسَرَنا، والثاني أنه غلَّب علينا عقلاً حداثوياً استلبنا ،فالعقل الديني الأصولي يعتبر، أن الحقيقة هي وقف على الألوهة، ولا يحق للبشر أن يتطاولوا عليها، غيرأن كنه الظاهرات وفهمها مرتبط بالدرجة الأولى بالتجربة العملية المتوقفة على ملكة الفهم والتحليل والنقد.
فنحن اليوم كعرب لا نعيش حالة تفاعل حضاري، بل إنفعالا أشبه ما يكون بردّة فعل كائن مذعور خائف، لأننا لم نعد ندرك ذواتنا ، إلا عبر إدراك الآخر لنا ، والثقافة العربية اإذن، لا تعيش التثاقف والتفاعل منتجة لتفاعل فكري جادّ، وانما ما نشاهده هو إنثقاف منبني على تلقف نمط عيش استهلاكي مادي شكلي، بعيد كل البعد عن المضامين الفكريّة المؤسسة لبنية الحضارة الإنسانية ،والديموقراطيات المطروحة اليوم هي في ضمن الاطار الاستهلاكي نفسه...
ومن البديهي ان الكمّ الهائل من الثقافات، هي التي تعكس الوجوه المتنوّعة للكائن الانساني، واذا كان هناك من يدعو الى تعدد الثقافات يسمح بوضع تأويل الثقافة بثقافة أخرى، فلا بد من طرح يكفل ترجمة اية ثقافة في اي عصرمن العصور، الى أية ثقافة أخرى، سواء وجدت في نفس العصر او اي عصر آخر دون ان يؤدي ذلك الى ذوبانها.
غير أن هذا الطرح مازال غير مكتمل النمو في الوعي والفكر العربي وإن وجد فهو محصور في إطار النخب ولم يتحول الى وعي شعبي كي يترجم الى واقع، والمسألة تحتاج الى نضج حضاري ربما يتكفل الزمن في انضاجها برغم كل الصعوبات والتحديات .
مروة كريدية/ كاتبة لبنانية - إيلاف –
http://marwa-kreidieh.maktoobblog.com


