في
الوقت الذي تتجه فيه العديد من الحركات الإسلامية في العالم
العربي لمراجعة دعوتها لـ " الدولة الإسلامية " وتبنّي خيار "
الدولة المدنية " لكل مواطنيها بغض النظر عن دينهم أو جنسهم أو
عرقهم، وفي
حين يضغط المجتمع الدولي من أجل دمقرطة المجتمع الفلسطيني،
كشرط لإقامة الدولة الفلسطينية الديموقراطية المعادية للعنصرية
في منظومة قيمها الثقافية والسياسية وفي دستورها ومؤسساتها،
فإنّ إسرائيل تتجه نحو
مفهوم عنصري
للدولة،
يتناقض
تماما مع
مفاهيم الديموقراطية التي تدّعيها.
لقد نُقل عن رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت قوله " إنّ نقطة انطلاق المفاوضات بعد أنا بوليس ستكون الاعتراف بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي "، وزاد قائلا أنه لا ينوي بأي حال من الأحوال المساومة على مبدأ " يهودية إسرائيل ". وهذا من دون شك ينسف عملية المفاوضات من أساسها، كما ينسف كافة المرجعيات الدولية للمفاوضات والمرجعية العربية، الممثلة بمبادرة السلام العربية من أساسها أيضا، إنه عمليا بمثابة الشرط اللاغي للتفاوض الفعلي والحقيقي.
لقد كانت الطبقة الحاكمة الإسرائيلية ولا زالت تعتبر أنّ الدولة التي أقامتها بقوة السلاح على أرض فلسطين عام 1948 هي دولة يهودية، ودولة لليهود فقط. لكنّ هذه الهوية الدينية للدولة بقيت قناعة إسرائيلية داخلية، ولم تطرح من قبل كجزء من الخطاب الإسرائيلي للعالم. كما أنّ يهودية الدولة، وبعض مضامينها، كانت مثار جدل بين تيارات في الحركة الصهيونية، أي أنّ موضوع يهودية الدولة يتحول، كلما اقتربت ساعة الحقيقة السياسية، من موضوع كمالي إلى موضوع حيوي، ومن مسألة تأملات فكرية وثقافية إلى أجندة على جدول أعمال الدولة والمجتمع في إسرائيل، في شكل خطط وبرامج وسياسات.
إنّ اعتراف الأمم المتحدة بدولة إسرائيل في حدود قرار التقسيم رقم 181، لم يكن على أساس قومي أو عرقي أو عنصري، فقد نصت بنود هذا القرار على ضمان الحقوق السياسية والدينية والثقافية للعرب الفلسطينيين الذين أوقعهم قرار التقسيم داخل حدود الدولة الإسرائيلية. بل أنّ قبول إسرائيل عضوا في الأمم المتحدة كان مشروطا بقبولها تنفيذ قرار التقسيم رقم 181، والقرار 194 الذي ينص على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم وممتلكاتهم التي طُردوا منها، وهذه الشروط تنفي شرعية قيام دولة دينية أو عرقية لليهود. وبالتالي فإنّ مطالبة إسرائيل بالاعتراف بها كوطن قومي أو ديني لليهود وحدهم، مخالف للشرعية الدولية.
إنّ في شرط أولمرت " دولة إسرائيل دولة الشعب اليهودي " فرض تسليم مختلف الأطراف والدول بالاعتراف بإسرائيل باعتبارها دولة لعنصر ديني واحد، وهو معيار يعارضه عدد كبير من الإسرائيليين أنفسهم، بمن فيهم اليهود، باعتبار أنّ هذا العنصر ينزع عن إسرائيل صفة الديمقراطية التي تتميز بها، وشكل من أشكال العنصرية التي تضع أحد الأديان فوق الجميع. فقد قال متخصص إسرائيلي في علم السكان " لقد كنت أعتقد لسذاجتي أنّ نظرية العرق الأرقى اختفت من العالم، لكن يبدو أنها متأصلة بشدة في دولة إسرائيل .. حتى في جنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري لم يكن هناك قانون جنسية كما في إسرائيل! .. لا يوجد في أي مكان في العالم قانون عنصري مثله، أو مثل قوانين إدارة الأراضي الإسرائيلية والصندوق التأسيسي لإسرائيل ".
إنّ الاعتراف بـ " يهودية دولة إسرائيل "، يعني في أهم ما يعنيه، أنّ الأرض الفلسطينية هي ملك لليهود أينما وجدوا، وبالتالي فإنّ من حق كل واحد منهم الهجرة إليها، والاستيطان فيها، في أي وقت يراه مناسبا، وليس فقط في أية ظروف سياسية دولية وإقليمية مؤاتية. كما يعني أنه يحق لإسرائيل أن تقول للفلسطينيين بعد ذلك " هذه دولة يهودية، وبالتالي لا يجوز لأحد أن يستوطنها ما لم ينتمِ إلى الديانة اليهودية ". وبهذا المعنى سيجد فلسطينيو إسرائيل أنفسهم أمام سياسات وتشريعات إسرائيلية جديدة تضعهم في موقف أسوأ وأصعب كثيرا مما هم فيه حاليا.
كما أنّ إسرائيل ترفض أن تتحمل أية مسؤولية، سياسية أو أخلاقية أو قانونية أو أية تبعات اقتصادية، عما حل باللاجئين الفلسطينيين، وقد بدأت منذ فترة بإعداد ملفات تتعلق بأملاك اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل من البلدان العربية، وبدأت بالحديث عن مقايضة تلك الأملاك بأملاك الفلسطينيين قبل نكبة العام 1948، وبذلك فهي تهدف إلى تحميل الدول العربية مسؤولية وتبعات قضية اللاجئين الفلسطينيين، من خلال الربط بين تعويض الفلسطينيين وتعويض اليهود عن ممتلكاتهم في البلدان التي هاجروا منها.
إنّ الاشتراط الذي تضعه إسرائيل اليوم وتسعي لتحقيقه، وهو الاعتراف بإسرائيل وطنا قوميا لليهود فقط، سيكون اعترافا بعنصرية إسرائيل وعرقيتها، مع أن اليهودية ليست قومية، بل هي ديانة تسرب منها وإليها الكثير من أبنائها عبر الزمن، واليهود ليسوا عرقا أو سلالة بل هم أخلاط عرقية. والمشكلات الناشئة عن هذا الالتباس ترتبط بخلفية صراع الوجود والنفي والطرد والتهجير القسري، الذي لم يعد ممكنا استخدامه في عالم اليوم لفرض الوقائع من دون دفع ثمن سياسي وأمني وأخلاقي، خاصة بعدما نضجت الحركة الوطنية الفلسطينية المسلحة ببرنامج سلام، قوامه إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، تصبح مركزا لتطور الشعب الفلسطيني في كيان قانوني معترف به دوليا.
تونس في 25/11/2007 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 29/11/2007.


