من جماليات الحياة الذكرى والتذكر،وذكريات الأمس الحلوة تثير في النفس كوامن السعادة فتغمرها بل تغرقها بسيول جارفة لا تدع فيها ذرة من الألم لأنها تقذف بها إلى محيطات شاسعة مترامية الشواطىء فمن يتذكر حبه الأول يبقى أسيراً له ينسيه كل المنغصات والمتاعب ويستغرقه في زنازين سجنه ردحاً زمنياً يتمنى لو قيد وبقي فيه للأبد.
وعلى العكس فالذكريات المؤلمة تبقيه حزيناً وتنسدل غشاوات العتمة على ساعاته بل أيامه،لكن القدرة الخلاقة لدى الإنسان تتركز في معرفة أسبابها لتجنبها مستقبلا ًحيثما توفرت لديه القوة والإمكانية وعليه إبداع واستنهاض الكثير منها فالخيبة وعدم تحقيق الأمنية والمطلب تولد جميعها قلقاً نفسياً لا يزول إلا بدفن الخيبة والنجاح في تحقيق ما يراد ويرغب به، والماضي تحتفظ الذاكرة به لزمن بينما المدونات وكتب التاريخ تطيل عمره وقد تخلده وفيها الأحداث والوقائع بكل تنوعاتها ومنها تستمد الدروس والمواعظ خاصة في روايتها لمآسي شعب أو شعوب،ذلك ذكرني بحكمة مختصرة قرأتها.
"أمة لا تعرف تاريخها لا تحسن صياغة مستقبلها " ومنها انطلقت في بحثي عن القضية الفلسطينية جاهداً ما أمكنني استخراج ما مرت به مؤملا ًأن أضع نقاطاً تصلح لصياغة مستقبلها والرأي هنا شخصي وفردي ومثل هذه التصورات المستقبلية بحاجة إلى مناقشات يشترك فيها أهل الرأي على مختلف تنوعات اختصاصاتهم.
كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن فكرة طرحها الرئيس بوش حول عقد مؤتمر دولي.....وفي اليوم التالي تراجع الناطقون باسمه ليسموه باجتماع دولي وفي ذلك عين الصواب حتى لا تُبنى عليه آمال كبيرة بإيجاد الحل والحلول لمأساة طال عمرها، وفي رأينا ليس هناك من حلول توضع وتقر أو حتى تسويات جزئية والأصل أن نكون تسوية واحدة تنهي معاناة هذا الشعب , واستعمال أسلوب التسويات ذلك لا يعني أبداً أن الزمن المديد كفيل بتحقيقها كما أن تتابعها عبر مراحل انقطاع وتوقف يخلق حالات من الوهن ويفقد الآمال الكبيرة عنفوانها والحقوق المسلوبة تضيع على مراحل حتى يبتلعها كلها أو بعضها النسيان ولا يبقى غير الجزئيات والتيه في تفاصيلها .
وجون كيري المرشح السابق للرئاسة الأمريكية المنافس للرئيس جورج بوش قال أثناء حملته الانتخابية واصفاً الوضع الأمريكي بدقة لا متناهية:"أتحدث إليكم باسم أمريكا الأخرى التي لايعرفها أو التي يعترف بها المستر بوش وحزبه،أمريكا المجهدة الغارقة في التعاسة والشقاء حيث يعيش خمسة وثلاثون مليوناً ويموتون تحت خط الفقر وحيث يعاني الملايين من البطالة الدائمة والمتقطعة والذي وعدهم المستر بوش بمائة ألف فرصة عمل عاجلة ثم لم يقدم لهم سوى ألف فرصة فقط،أتحدث إليكم باسم ملايين العجائز والمسنين وأرباب المعاشات الضئيلة والذين يفتقدون الرعاية والعناية في نهاية عمر أفنوه في خدمة الوطن"وتابع:"ونحن نقف بكل قوة ضد"أمريكة بوش"وحزبه دولة الاحتكارات.نحن ضد أمريكا احتكارات السلاح والتي تتمنى بل وتعمل على ألا تنتهي الحروب والصراعات بل وتشعلها كلما استطاعت ومهما كانت الضحايا والفظائع وليست الحرب في العراق إلا مثلا ًصارخاً".
وبقراءة متفحصة وبنظرة سريعة لتلك الكلمات يتأكد لنا غياب البعد الإنساني عن الأوضاع الداخلية،بل انعدامه في السياسة الخارجية ففي الحالة الأولى هناك طوابير بشرية تقف بانتظار حتفها لفقدان ما يسد الحاجة والرعاية والضمان لكبار السن،وهذه هي المؤشرات المواكبة لفكرة"العولمة"ونتائجها حيث السيادة والحياة للقلة المسيطرة مادياً،وفي الحالة الثانية – السياسة الخارجية - لا توجد طوابير للموت إذ لا حاجة لذلك فمنجل عزرائيل يريحهم ويحصدهم بالجملة....والحروب التي تمت من أقصى القارة الآسيوية-فيتنام-كوريا إلى القارة الأمريكية الجنوبية إلى المنطقة العربية خير دليل على جرائم أمريكا و حصادها الموت للملايين.
إنها أمريكا الساعية "دوماً وأبداً للسلام" "المنصفة" للفلسطينيين والحاضنة لحقوقهم، بل هي مبدعة المبادرات وراعيتها للتغطية دوما على خداعها المستمر الدائم
ولسهولة البحث ودقته وضعت عناوين له :
1- الإستراتيجية الأمريكية ببعديها الكوني , والإقليمي المحدد بأماكن معينة بذاتها.
2- قدم الاستغلال وتوابعه وطرقه قدم فكرة المصالح وتنوعها وتغليبها على كل العوامل الإنسانية والأخلاقية.
3- دور الاحتكارات والشركات العابرة للقارات في رسم وإقرار السياسات.
4- فلسطين النموذج الجلي للظلم والتجني الأمريكيين في كل المجالات مؤيداً ذلك بالشواهد.
5- الاستراتيجية الإسرائيلية والتحالف الأمريكي الإسرائيلي الاستراتيجي والتطابق الكامل بينهما.
6- المؤتمر القادم في الخريف وتوقع نتائجه و "مخلفاته ".
مما لاشك فيه أن الاستراتيجية الأمريكية الكونية ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي وحملها لقب القطب الأحادي راحت تجهد للمحافظة على هذا الكسب ولتدير العالم برمته وفق رغبات وتطلعات أمريكية بحتة بغض النظر عن أية محركات أخرى قيمية تواجدت عبر مراحل زمنية في محاولات فاشلة لمحوها،بل كانت دائماً تسرع في وأد وقتل كل قيمة على وجه البسيطة، وفي الزمن المعاصر بدأت ملامح قطبيات بالظهور أوروبا-عودة روسيا-الصين-الهند-اليابان إضافة إلى مشاريع نظيرة لها لكنها أقل درجة منها-جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية بقيادة فنزويلا لها، ولمحاولة التمسك بالأحادية الزائلة تعمد أمريكا إلى:
1- منع هذه الدول من الوصول إلى منابع الثروات العالمية وبأولوية مفضلة - النفط - لذا كان الاحتلال غير المباشر للخليج العربي.....قواعد عسكرية ,وقوات , ومراكز أمن ، لكنها لم تعد تكتفي بالمنع بل تجاوزته إلى المحاربة للاستئثار بمنابع الثروات فكانت القلاقل والمشاكل المعاصرة في السودان وجنوبه- ودارفور....وشرقه...لأن النفط واليورانيوم اكتشفا فيه بكميات اقتصادية وبعد ترك"شيفرون"شركة النفط الأمريكية له تواجدت شركات صينية وهندية وماليزية لاستثماره فكان لابد من العودة في محاولة للحد من سيطرة هذه الشركات.
2- إقامة القواعد العسكرية بالقرب من هذه الدول الواعدة حول روسيا وقد بدأ التحدي الروسي لها وحول الصين لكن الصين ردت على ذلك فعمدت إلى تعزيز تعاونها مع البلدان التي تتواجد فيها ثروات تشكل مصالح مشتركة لهما ودعمها بقروض تنموية بلا فوائد،ويشرح هذا النهج الكاتب"فالتر روسيل ميد"قائلا ً:"وبما أننا لا نستهلك جزءاً كبيراً من نفط الشرق الأوسط قياساً باليابان التي تستهلك منه أكثر منا بكثير مبيناً في كلماته أن ذلك يشكل أحد أسس تقبلنا للعب دور المراقب المتفق عليه يتعلق بخلق شعور لليابان والدول المماثلة الأخرى وتطمينها على استفادتها من انسياب النفط إليها وبأمان وبدون أزمات من جهة،ومن جهة أخرى يجعلها لا تجد نفسها مضطرة لأن تكون قوة عسكرية محاربة كبرى ولا تحتاج لبناء منظومات للأمن الأمر الذي يجعلنا لا نضطر من ناحية أخرى لاستخدام قوات عسكرية كبرى متعددة وإرسالها إلى كل أنحاء العالم لمواجهتها لدى تغير المصالح ولدى طلبات إعادة النظر بالاتفاقات".
هي نظرة مستقبلية لتمدد وتوسع المصالح والحد من القوى الرافضة والمقاومة لها عند توقيع أو تغيير الاتفاقات.
وكما ذكرنا فعبر التاريخ كثيرة وقديمة تتساقط وبالا ًعلى من ينساها ويتناساها فمنذ مائة عام وفي رياء وكذب لا مثيل لهما أعلن المستر غلاد ستون رئيس وزراء بريطانيا عن حزب الأحرار "المعادي للتوسع الاستعماري " في خطاب له في مجلس العموم البريطاني:"أن بريطانيا اضطرت بحكم رسالتها الحضارية والإنسانية أن تبعث بالأسطول البريطاني إلى الإسكندرية لتنقذ الشعب المصري من طغمة عسكرية إسلامية متعصبة ضد المسيحية والحضارة الغربية،وأن السلطان العثماني بارك ذلك".
ولإنجاح الاستراتيجية الكونية لابد لها من استراتيجيات إقليمية تبقى في إطار الشمولية الكونية وتحقق المزيد من القوة لتعزيز القطبية،وفي منطقتنا العربية تتجسد في إضعاف المنطقة في جميع المجالات العسكرية والاقتصادية والتركيز على التناقضات فيما بين أقطارها ،بل إثارة التناقضات الاجتماعية داخل كل بلد أملا ًفي بعثرة وتفتيت قدراتها وإشغالها وإبعادها ما أمكن عن طموح أهلها وشعبها وصولا ًلربما لهدف تفتيت أكثر وفق مشروع الشرق الأوسط إضافة إلى دعم"إسرائيل"واعتمادها الحليف الرئيسي وغزو ثقافي وفكري في محاولات محو للشخصية العربية.
والمحرض الأول والأخير للسياسات الاستعمارية الأمريكية الجديدة هي المصالح المتركزة في النفط واحتكارات السلاح وأسواق المال فالقيادة لهذا الثلاثي هي الأصل المقرر وكل المناصب والألقاب الرسمية في خدمة رغبات الجشع والطمع والاستغلال المتنامية،وبنظرة متأنية نجد الترابط الوشيج بينها فالكل في وحدة متكاملة العنصر الواحد فيها يتمم ويدعم العناصر الأخرى الإضعاف والسيطرة على النفط وبيع السلاح و "إسرائيل" وكل محاولات الغزو الفكري ومن بينها تعديل المناهج الدراسية وحتى شطب آيات من القرآن الكريم جميعها الروافد لهذه السياسة .
وعن النفط قال الرئيس الأسبق جيمي كارتر:"إن أية محاولة من أية قوة خارجية للاستحواذ والسيطرة على الخليج تعتبر هجوماً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية وسترد بكل الوسائل الضرورية بما في ذلك الوسائل العسكرية" والإستراتيجية الأمريكية العسكرية في المناطق الغنية بالنفط تتركز في تحريم سيطرة الأعداء على المنطقة مهما بلغت قوتهم كبرت أم نقصت، إنّ 65% من احتياطي النفط العالمي متواجد في بلدان الخليج وفي النصف الأول من القرن الماضي انطلق في تلك الحقبة الزمنية مبدأ ايزنهاور وفيه نص على أنه" في حالة حدوث خلاف واستعدادات عسكرية لمواجهة خصم في مناطق الطاقة فإن تدمير منابع الطاقة نفسها سيكتسب الأولوية وفق الاستراتيجية الأمريكية،بل هو أهم انطلاقاً من الحفاظ على المنابع والتنافس على الحصص" وما يجري في السودان من إثارة للنزاعات المحلية والعرقية مرده اكتشاف النفط في أراضيه بشكل عام وفي دارفور بشكل خاص،ومثل ذلك الحرب العراقية والتدمير المستمر، إنها قرابين تقدم وتذبح في بيوتات السلب الأمريكي , والرئيس بوش استمر في تتبعه للطريق المرسوم والمحدد فقد نادى بما يسمى بالضربات الوقائية أو التدخل الدفاعي وفق رأي وزير دفاعه السابق رامسفيلد ضد الدول التي تهدد المصالح الأمريكية.
وعن احتكارات السلاح فأعداد هائلة من الأمريكيين تعمل في هذا القطاع صناعة وتطويراً من قبل علماء مختصين وبهذه الصناعة يمكن لأمريكا الخروج من شبح الركود واحتواء التداعيات السلبية على اقتصادياتها وتدني سعر صرف الدولار وقيمته سيما وأن العجوز في الموازنة الاتحادية وصلت إلى تريليونات الدولارات والعجز في الميزان التجاري ارتفع إلى مليارات الدولار منذ تولي الرئيس بوش مركزه ومغامراته العالمية والإنفاق الكبير وغير المتوقع عليها،ولمزيد من المعرفة عن هذا القطاع فما ينفق على أبحاثه ومشاريع التطوير بلغ69مليار دولار،وفي عام2004بلغ إجمالي المبيعات الأمريكية إلى الدول الصناعية والنامية مبلغ سبعة وثلاثين مليار دولار إضافة إلى توقيع عقود بمقدار اثنا عشر مليار وأربعمائة مليون دولار في نفس العام أي ما يعادل33.5%من عقود التسليح عالمياً،وما بين عامي1993-1996كان حجم المبيعات من السلاح124مليار دولار بلغت نسبة الوسطاء والسماسرة10% والواقع يبين أن أزمات الركود الاقتصادي تدفع الولايات المتحدة لشن حروب،فحرب عام1991على العراق سبقتها أزمة ركود حادة ومثلها حرب أفغانستان حتى بات الاعتقاد والمؤكد أنها تعودت وأدمنت خوض الحروب بقواتها أو عن طريق حلفائها ووكلائها في العالم بدءاً مما بعد الحرب العالمية الثانية ففي كل عشر سنوات حرب كبيرة إضافة إلى إشعالها عشرات النزاعات المسلحة والحروب الصغيرة لكي يسوق هذا القطاع إنتاجه .
هذه السياسة البعيدة عن الأخلاق والنوازع الإنسانية تؤدي بالإضافة إلى قتل البشر وتشريدهم فهي تحد من نمو البلدان المستهدفة النامية الفقيرة وتجعلها تراوح في مكانها لارتفاع الإنفاق الحكومي على شراء الأسلحة بدل استعمال تلك الأموال في شعاب التنمية أو الخدمات الاجتماعية،وإيران وإثيوبيا ونيكاراغوا وموزمبيق وصلت نسبة الإنفاق إلى34% من حجم الإنفاق الحكومي،وخلال الحرب مع العراق بلغ الإنفاق الإيراني80%،وعن ذلك قال الرئيس ايزنهاوروقد صحا ضميره في نهاية ولايته محذراً من تنامي قطاع الصناعات الحربية وتنامي قوته وتأثيره على السياسة الأمريكية " كل مدفع يصنع وكل مركب يدفع إلى البحر،كل صاروخ يطلق هو سرقة للجائعين والمحرومين وللعريانين الذين لا يتوفر لهم اللباس تحت هذه السحابة التي تهدد دوماً باندلاع الحرب تبقى الإنسانية معلقة على صليب من حديد".
ويفضح جرائم هذه السياسات عضو الجمعية ضد تجارة السلاح سام بيرلو فريمان إذ يقول:"إنهم كانوا يسلحون الهند وباكستان حتى وهما تقفان على شفا حرب نووية والآن اختاروا المساهمة بصورة مباشرة في القتل والتدمير بالشرق الأوسط ومن الواضح أن مصالح منتجي الأسلحة هي كل ما يعنيهم" ، وأسواق المال ترتبط ارتباطاً وشيجاً مثلها مثل تجارة السلاح بالقلاقل والحروب والنزاعات العالمية فأزمة النمور الآسيوية الاقتصادية المفتعلة وانهيار الاتحاد السوفيتي وحروب البلقان والشرق الأوسط كانت الحافز والدافع لهجرة الرساميل الوطنية من هذه البلدان إلى أمريكا حيث ساعدت على تغطية عجوز شركاتها وأخرت إعلان إفلاسها لكن الأهم أن بلدانها وعندما توقفت فيها هذه الأعراض وازدادت حاجاتها للتمويل فكانت الاستجابة الأمريكية بإقراضها بعضاً من المبالغ التي أودعت لديها لقاء فوائد تكبر وتصغر وفق ما يرسم لها وبذا تحققت فكرة"ما لنا نقمة وحرام علينا وحلال لغيرنا".
هذه الضلالات والارتكابات خيمت على الحياة اليومية للبشرية دفعت فيها شعوب كثيرة دماء أبنائها ودمار بلدانها وعمرانها وسرقة ثرواتها بتنوعاتها،ورغم كل ذلك انعكست على الأوضاع الداخلية ففي أمريكا زيادة في العجوز المالية فلقد بلغ العجز بالميزانية الفيدرالية عام2006مبلغ390مليار دولار إضافة إلى نعوش القتلى من جنودها من العراق وأفغانستان وتخلخل العلاقة بين الحلفاء انسحاب أسبانيا من العراق والحديث عن انسحاب بريطاني محتمل من جنوب العراق،ونفاذ صبر أستراليا لعدم نجاح العمل السياسي والتهدئة مما لا يمكنها من إبقاء قواتها في ظل الحصا ئد الخائبة.....وضياع أمريكي كامل في باكستان أفغانستان، والعدو الأول لأمريكا "القاعدة" ازداد نشاطها وتوسع إقليمياً بينما سمعتها راحت تهوي وتهبط عالمياً حتى أعلنت الخارجية الأمريكية رسمياً عن سؤال"لماذا يكرهوننا؟!..."وكلفت دبلوماسية بمرتبة نائب لوزيرة الخارجية لتحسين الصورة في محاولات فاشلة لمحو ما ثبت في قناعات الشعوب.....لقد أصبحت الشعوب المسحوقة في خندق تقاوم ضد خنادق الغزاة وعملائهم من المسؤولين،وخير دليل ما يجري في باكستان في هذه الأيام وحشرجات النزاع الأخير لنظامه جميعها أدى إلى الحديث عن وضع تعديلات على البرامج والخطط في إطار ما سمي(بفرصة عام2008)عام التغيير في القيادة العليا بعد انتخابات الرئاسة القادمة ،وطبيعي أن التغيير الجديد إن تم ليست دوافعه آلام إنسانية على ما ارتكب بحق غيرهم وتعاطف معهم لكنها لدوافع داخلية،فــ"سدني شيهان"والدة الجندي القتيل في العراق ما زالت تنتظر جواباً لسؤالها من أجل ماذا قتل ابنها؟!....وقد تسمرت أمام البيت الأبيض لفترة طويلة والجواب بقي حائراً......والأوضاع الاقتصادية المتأثرة بالانفاقات الهائلة بدأت عوامل الزلازل تهز أركانها وبدأ سعر الدولار عالمياً بالترنح وارتفعت العملة الأوروبية(اليورو)مقابله،كلها عوامل جعلتهم يهدئون من غلوائهم فبنتيجة الوضع المتأزم في العراق ونتائج حرب لبنان اعترفوا بعدم نجاعة الأداة العسكرية في حل المشاكل فكان برأي المخططين الجدد ضرورة العودة إلى الأداة الدبلوماسية لكن ذلك لا يعني-وبرأيهم-حالة من الضعف - ، والدبلوماسية يجب تطبيقها من خلال المحاور التالية:
1- إيجاد تحالف مناظر للتحالف الإيراني-السوري-العراقي-حزب الله.
2- اتباع دبلوماسية حذرة مع إيران تقوم على الضغط من أجل وقف برنامجها النووي ومحاولة دفع عملية السلام العربي-الإسرائيلي.
3- إقناع الحلفاء العرب بضرورة بذل المزيد من الجهد في مجال الإصلاح السياسي والديموقراطي.
4- إيجاد شكل مؤسسي يجمع بين العرب المعتدلين والولايات المتحدة من أجل مواجهة التيارات الراديكالية.
5- اختبار مدى جدية تحول الإسلاميين نحو الاعتدال.
ومارتن انديك مدير مركز سابان لدراسات الشرق الأوسط بمؤسسة بروكنجز له باع وجهد في رسم وإقناع المعنيين بهذه الاستراتيجية مع تعديلات طفيفة عليها لا تغيّر من جوهرها،وبنظرة سريعة لمضامينها نجد استمرار العداء لكل الحركات الوطنية الراغبة ببناء أوطانها وتقسيم جديد للوطن العربي وسياساته،كما أن اللهجة تتبدل وتصبح صارمة عندما يتعلق الأمر بالمصالح فمثلا ًإيجاد تحالف،اتباع دبلوماسية،إيجاد شكل , لكنها تصبح ناعمة عاتمة غائمة في تعبير محاولة دفع عملية السلام العربي-الإسرائيلي،وتعبير الدفع يعني أن الحلول إن وجدت فهي مجزأة و مرجأة ويطول عمرها ومتعلقة بعملية الدفع وتوفر الهمم والقناعة.
تقصدت هذا الشرح المطول نسبياً لتبيان وإيضاح الأهداف السياسية الأمريكية والتي لا تتبدل،وثابتة ثبات المصالح التي تتعاظم يوماً بعد يوم،والحياة علمتنا وببساطة أن من ينفق أكثر من دخله لابد وأن يتحول إلى لص وسارق ومحتال يبدع في طرق النصب والاحتيال،بل إلى مجرم والتعامل معه بلين وروية وإقناع لتعديل سلوكه المنحرف كمن يحلم ببقعة ماء في سراب لاأفق محدد له،لذا كان لابد من حل واجب وملزم في حده الأدنى قطع يديه السارقتين حتى لاتمتدا ثانية إلى ثروات الآخرين،إنها مهمة " الرديكاليين وغير المعتدلين المغرمة بهم أمريكا " يدعمهم الشعب العربي أينما تواجد أبناؤه .
ولاستشراف المستقبل ببصيرة واعية لا تجعلنا نقع ونرتمي ببحار الأوهام بيّنا أن السياسات الأمريكية ويحكم المصالح والتكوين معادية العداء كله للأمة العربية ومن يؤمل بها ويعقد الرجاء عليها شأنه شأن من يريد رد وصد الهواء بل الريح في اشتدادها بغربال كبير الثقوب،وفي منطقتنا والتطابق والتمازج شديدان بين"إسرائيل"وأمريكا فالاستراتيجية"الإسرائيلية"لا تستهدف فقط تحقيق الأمن عبر ضمانات دبلوماسية وسياسية"دولية"بل تستهدف إيجاد الوسائل العملية الداخلية القادرة على تجسيد ذلك،ومنذ خمسينات القرن الماضي قالت غولدا مائير رئيسة وزراء العدو:"إن ما نريده ليس ضماناً من الآخرين لأمتنا،بل ظروفاً مادية وحدوداً في هذه البلاد تضمن بشكل كبير عدم نشوب حرب أخرى"وبذلك تنطلق من اعتماد منطق القوة الفعلية في توسيع عمليات الاستيطان وتقوية القاعدة الاقتصادية وتوفير المعلومات اللازمة عن الدول العربية.
ولتحقيق الغايات المشتركة بين الطرفين كان اعتماد التفتيت والإضعاف وخلق الفتن والمشاكل الطريق الوحيدة لتحقيق كل تطلعاتهم،وأعود لتثبيت هذه النقاط من خلال ممارسات الطرفين مجتمعين فما سمي تجاوزاً بمشاريع السلام الأمريكية وهي أوهام كانت تنحو باتجاه ما أصبح متعارفاً عليه في كل المشاريع منذ عام1948صياغة توضع من قبل الطرفين تغطى بقرار دولي...تقدم عناوين مطاطة مغرية وفتات لا أكثر بينما أسباب الصراع الرئيسية ترجأ لزمن وزمن يطول،وبدايات الحكاية كانت في عام1939حين أصدر وزير المستعمرات البريطاني-ماكدونالد-ما سمي بالكتاب الأبيض إثر ثورات ومقاومة من الفلسطينيين تعهد بموجبه:
1- بريطانيا غير عازمة على إقامة دولة يهودية.
2- ستقام بعد عشر سنين دولة فلسطينية يتقاسم فيها العرب واليهود السلطة والمسؤولية.
3- حددت الهجرة اليهودية بعشرة آلاف مهاجر سنوياً خلال السنوات الخمس القادمة إضافة للسماح لــ 25ألفاً للهجرة فوراً.
إنما عمر الكتاب لم يدم أكثر من ست سنوات فطوي في عام1945وشكلت لجنة أمريكية إنكليزية أوصت بزيادة مائة ألف يهودي،وخلال التصويت في25تشرين الثاني عام1947على قرار التقسيم لعبت أمريكا دوراً في الضغط وشراء الأصوات المؤيدة له حتى أن شركة فاير ستون الأمريكية اشترت صوت ليبيريا وحولتها من الامتناع إلى التصويت بالموافقة،والقرار242الصادر بعد حرب عام1976وكانت بريطانيا قد صاغته ولعبت بمقدمة القرار وبصياغة بنوده وترك موضوع الانسحاب عائماً نجم ذلك عن تقصد في الصياغة هل الانسحاب من أراض أو من الأراضي،وأمريكا كانت المباركة الأولى له والداعمة للقرار وفي عام1970قدم روجرز وزير الخارجية الأمريكية مشروعاً سمي باسمه وافقت عليه مصر والأردن ورفضته منظمة التحرير وبذا بدأ الشرخ العربي،وفي عام1982وبعد اجتياح إسرائيل للبنان قدم الرئيس ريغان مشروعه الذي لا يقسم القدس ويترك مستقبلها للاتفاق عن طريق المفاوضات وتعهد بحماية أمن إسرائيل،وفي عام1988وقع عرفات على وثيقة استوكهولم التي تضمنت اعترافاً صريحاً بالكيان الصهيوني وبالقرارين242-338ونبذ"الإرهاب"ومع كل ما قدمه لم يمنح تأشيرة دخول لأمريكا لحضور اجتماعات الأمم المتحدة فكان أن انتقلت المنظمة مؤقتاً إلى جنيف،وعام1988وبعد انتفاضة الشعب العربي الفلسطيني قدم جورج شولتر وزير الخارجية في تلك الفترة مبادرته وهي أقرب ما تكون إلى اتفاقيات كامب ديفيد،وفي عام1991وبعد حرب الكويت استغلت أمريكا الوضع العربي الممزق وقدم أيضاً وزير خارجيتها جيمس بيكر مبادرته"للسلام"داعياً لعقد مؤتمر مدريد تحت شعار الأرض مقابل السلام وتتابعت التواقيع على الاتفاقات وبرعاية أمريكية:
1994- اتفاق القاهرة
1995- اتفاق طابا
1997- اتفاق الخليل
1998- اتفاق وادي ريفر
وعام2000وبنتيجة الأوضاع المتفاقمة في الأراضي المحتلة بدأت مباحثات إسرائيلية-فلسطينية-أمريكية قال يومها باراك وزير الدفاع الحالي وكان رئيساً للوزراء:"بأنه يسعى"لسلام مسلح"وانتهت الاجتماعات بلا نتائج،بل كانت المقترحات المقدمة أمريكياً و"إسرائيلياً"تطالب بالمزيد من التنازلات،وانفعل الرئيس عرفات يومها وقال:"إن القدس تحرق الحي والميت ولم يولد الزعيم العربي الذي يتنازل عن القدس"،وعام2002قدم الرئيس جورج بوش رؤيته للتسوية ووضع شروطاً مستحيلة للوصول إلى قيام الدولة،وطالب بإنهاء الانتفاضة وإصلاح السلطة وتغيير القيادة بما فيها عرفات الذي حوصر في مقر الرئاسة ونقل من هناك مريضاً حيث توفي،والأقاويل التي تدور اليوم تتوجه بأصابع الاتهام إلى بعض من قتلوه،وفي ذات العام اعتُمدت اللجنة الرباعية ومن ميزات هذه اللجنة أنها تشيّع وتدفن ثم تعاد للحياة ثانية وفق الظروف والتقديرات،وفي عام2004اعتمد الرئيس الأمريكي جورج بوش أفكار شارون في خطته الجديدة التي سميت بفك ارتباط من جانب واحد،وقبل خمس سنوات تحدث الرئيس بوش عن قيام دولتين فلسطينية وإسرائيلية بدون تحديد للحدود أو للزمن أو الصلاحيات وما زالت الفكرة تتردد منذ تلك الفترة بدون أية إجراءات تتخذ , بينما الوعود الكلامية والقرارات الورقية تتزايد منذ القدم .
وعلى النقيض فالمساعدات المالية والعسكرية تغدق على " إسرائيل " وتآمر دائم ضد الديموقراطية،والانتخابات التي جرت في فلسطين وقطع التمويل عن حكومة حماس وتجويع الشعب الفلسطيني،والرئيس محمود عباس المدعوم مع رئيس حكومته الجديدة فياض سلام من قبل الأمريكيين خلا بيانه الحكومي من نص يشير إلى الكفاح المسلح ولو في حالة فشل التسويات.
وبعد هذا الاستقراء التاريخي المؤيد بالثوابت والوقائع هل ما زال لدى البعض منا أي أمل بأمريكا؟!....إن إقرارما يسمى بالسلام ولو بشروط مجحفة يحد من تطبيق المخطط الأمريكي الصهيوني في إضعاف المنطقة وفي إثارة الصراعات القطرية وحتى المحلية منها،ولا تعود بحاجة إلى شراء السلاح ولو أن ما يشرى حالياً وما يباع لأقطار عدة قسراً توضع أكثر الشروط عليه قسوة لعدم استخدامه في مواجهة"إسرائيل"وحتى في رد عدوانها المستمر،بل إن خبيراً عسكرياً متقاعداً في القوات المسلحة المصرية وفي دراسة له بيّن أن ما يباع للعرب وفي إطار التقنيات الحديثة والتلاعب بها يتيح لمراكز الرصد عبر الأقمار الصناعية تعطيل هذه الأسلحة وتفجيرها بل وتغيير توجهها.
إنه الواقع المفروض على هذه الأمة وتغييره صعب وأصعب من الصعب ذاته،والحالمون يتراكضون وراء سراب،وما طرحه الرئيس بوش مؤخراً وبعد ازدياد النقمة على سياساته داخل أمريكا وفي الوطن العربي من عقد مؤتمر في الخريف القادم عاد في اليوم الثاني ليصحح ناطق رسمي أمريكي ما قاله بأنه ليس مؤتمراً بل هو اجتماع وبذلك ليخفض سقف التوقعات منه،و باراك ومنذ أيام وإن تراجع عن قوله كشف عن النتائج سلفاً إذ قال:"إن السلام لابد وأن يبدأ بعد خمس سنوات من الآن،والحضور العربي سيقتصر على الدول المعتدلة"والملاحظة الجديرة بالاهتمام أن عرب إفريقيا " المعتدلين جدا " لم يدعوا للاجتماع،والاستنتاج الحتمي أن المشكلة الفلسطينية أصبحت تخص المشرق العربي والباقي أبعد عنها .
إن أغلب المحللين السياسيين الموضوعيين البعيدين عن حملات التضليل الديماغوجية والدعاية للسياسة الأمريكية يرون منذ اليوم الحصائل له:
1- دفع الأقطار العربية إلى مزيد من التطبيع مع إسرائيل وهذا ما عبرت عنه مسؤولة رسمية عربية.
2- تكريس التجزئة بين من سموا بالمعتدلين ومن أطلق عليهم الليبراليون المتشددون،وتحويل الصراعات لتصبح عربية....عربية.
3- ستصدر عناوين " حلول " غائمة عاتمة لا تخرج عن وعود جوفاء يترك للمباحثات الطويلة العمر إقرار ما تسمح به الظروف ضمن الاستراتيجية الأمريكية الساعية أبداً لإبقاء الصراع محتدماً، كل ذلك يؤكد أنه ليس من مصلحتها إيجاد حل لهذه المأساة بل إبقاء الصراعات محتدمة وما تحمله أخبار الأيام الأخيرة تؤكد هذه النظرة فلقد نقل عن مسؤول أمريكي أن الاجتماع لن يتعرض للقضايا النهائية .
وأمام هذه الحقائق والوقائع والأقوال المثبتة لها يبدو بجلاء أن الحل السياسي يزداد فشلاً على فشل،والحقوق تضيع تباعاً والرد على ذلك باعتماد العمل المقاوم بكل أنواعه، و - بناء اقتصاديات الأقطار العربية في إطار نظرة وحدوية، والبحث الدائم والمستمر عن ما يجمع بين شعبها الواحد وتلافي الخلافات،وإحياء ما تم دفنه بعد توقيع المعاهدات مع العدو"الدفاع المشترك"التكامل الاقتصادي وإن لم تعمل الأنظمة على تلبية رغبات مواطنيها وقد ضاق بهم الحال وأتعستهم الأحوال والقتل اليومي بالمئات أصبح طابع حياتهم ،وإن لم يبدأ العمل بجدية وبسرعةلانهاء و نهاية المآسي فالزلزال الكبير قادم ونتائجه هائلة وغير معروفة.


