حِكم التاريخ وشواهده ودروسه خوالد كانت وما زالت وستبقى.........
رافقت بدء الحياة واستمرت معها،ولن تزول إلا بنهاية الوجود،وفي تعبير عن حكمة أبدية قال قبل قرن من الزمن تقريباً"جورج كليمنصو"رئيس وزراء فرنسا عن حالة الاستقرار التي أنهت الحرب البروسية الفرنسية: " تعتقد ألمانيا أن منطق نصرها يعني السيطرة على العالم،بينما لانعتقد أن منطق هزيمتنا يعني العبودية " وبعد نصف قرن وفي"فيرساي"-قصر في باريس-يفرض سلام مؤلم على ألمانيا المهزومة.
ويدور دولاب الزمن، وتتالى الأيام، ويبدأ عصر الاستعمار-الإنكليزي الفرنسي الإيطالي-وتسيطر هذه البلدان الثلاثة على أغلب أراضي القارتين الآسيوية والإفريقية، ومن بينها العديد من الأقطار العربية، وقدسية رفض العبودية تعيش وتتعاظم في عقول وقلوب المُستَعبَدين فيدفعون أثماناً باهظة لحرياتهم.
كان ثمن الرفض العربي الجزائري للاحتلال مليون شهيد ، وكانت الشهادة أيضاً عنوان ورمز الشهيد الشيخ الطاعن في السن عمر المختار من ليبيا رافضاً ومن رافقوه في رحلته الجهادية الاستشهادية احتلال إيطاليا لبلادهم،وذات السمة خيّمت على القطر العربي السوري وبرزت رموز المناضلين.....كان منهم المجاهد الشهيد عزّ الدين القسام وهو من أصل عراقي ومنبت سوري،ووجد في تراب فلسطين المأوى والخلود له، وفي العراق تدافعت البطولات والتضحيات ضد المستعمر البريطاني،وانتصرت القيم وعادت الحرية لأهلها لأنهم رفضوا الضيم والذل.
وفي عودة إلى مطلع القرن الماضي وجشع النظام الرأسمالي يتعاظم نتيجة الوفرة الإنتاجية وتزايدها ،واستدعى ذلك ضرورة تأمين أسواق تصرّف وتباع فيها تلازمها فكرة نهب المواد الأولية للصناعات السريعة التطور من أجل تخفيض تكاليفها وقيمة إنتاجها،وجني الأرباح المتعطش لها أصحاب المصالح.
ولتحقيق هذه الغايات يعمد أقطاب الجشع والغزو والاحتلال إلى تغطية سلوكهم بأكاذيب أبعد ما تكون عن الواقع فمن أجل الاستعباد والسيطرة على الثروات يتسترون بشعارات زائفة،وفي المراحل الأولى لاحتلال بلادنا احتواها عنوان التحضير والتمدين ، واليوم باسم تعزيز الديموقراطية وتوسيع الحريات وتنظيمها تحتل البلاد ثانية.....أليست من المفارقات أن تنطلق الحرية من جدران سجون المحتلين؟!....لقد عبّر ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا وفور انتهاء الحرب العالمية الثانية عن سياسات الجرائم بوضوح مزيلا ًعنها الأغطية المزيفة قائلا ً:"أنا أقف إلى جانب استخدام الغازات السامة ضد الأقوام غير المتحضرة فإن التأثير المعنوي سيكون جيداً وسوف تؤدي إلى نشر الرعب". قبل ذلك وخلال انعقاد مؤتمر أهل المصالح العالمية عام1921في القاهرة الذي حضره وكان يومها وزيراً للمستعمرات قال:"لكي نتفاوض يجب أن نتسلح" وبذلك يؤكد منطق القوة الغاشمة،والمؤتمر المذكور أكد في قراراته على ضرورة تقسيم البلدان العربية وفصلها عن بعضها،ومنع توحدها في دولة واحدة،وعدم اعتماد الشريعة الإسلامية في التشريع ونظام الحكم.....ووضعت الخطط والبرامج لتنفيذ هذه الاستراتيجية الغربية،والمتتبع لما يجري الآن على الأرض العربية يلمس أن الثبات ملازم لهذه الأهداف،وتشرشل ذاته يرسل رسالة إلى حاكم العراق البريطاني"كوكس"يقول له فيها:"إن الحكم يجب أن يقتصر على الأرض العربية"وقد تقصد من وراء ذلك تنفيذ خطة فصل شمال العراق عن جنوبه.
وعلى الطرف الآخر من المحيط الأطلسي،ومن أمريكا يبدأ التناغم بين الشاطئين،وفي عام1900يقول السيناتور الأمريكي ألبرت بيفردج:"إن الله اصطفى الأمة الأمريكية من بين كل الأمم والشعوب وفضلها عليهم،وجعلها شعبه المختار وذلك من أجل العالم وتخليصه من شروره" إلا أن السيناتور الأمريكي هاري بنتون وأمام مجلس الشيوخ وكان قد سبق زميله بأكثر من نصف قرن بقليل وفي عام1846يقول:"إن قدر أمريكا الأبدي هو الغزو والتوسع،إنها مثل عصا موسى التي صارت أفعى وابتلعت كل الحبال،هكذا ستغزو أمريكا الأراضي وتضمها إليها أرضاً بعد أرض،ذلك هو قدرها المتجلي".
وكالعادة التي درج الغرب عليها تعود الدبلوماسية لتشويه الحقائق وتغطية الجرائم ليقول الرئيس الأمريكي هاري ترومان:"على الإنسانية أن تضع للحرب نهاية أو تضع الحرب للإنسانية نهاية" ومقولته هذه كانت قبل إلقاء القنبلة الذرية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي في9،6آب1945مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن200ألف ياباني،ويتجاوب قادة أمريكا(المستعمر الحديث)مع"نصح"تشرشل باستخدام الغازات السامة ضد الشعوب غير المتحضرة- برأيه-فتدمر334طائرة أمريكية ما مساحته16ميلا ً مربعاً من طوكيو بواسطة القنابل الحارقة مما أدى إلى مقتل وتشريد مليون شخص،وتكرر ذات العمل بدرجات مع64مدينة يابانية،عدا قصف هيروشيما وناغازاكي،ومنذ عام1945قتلت القوات الأمريكية مائة ألف قتيل كوري،وبين عامي1952-1973ذبحت عشرة ملايين صيني وكوري وفيتنامي ولاوسي وكمبودي ، وراهب بوذي فيتنامي اسمه"شن هاو"يقول:"تم تعذيب700ألف شخص واغتصاب31ألف امرأة،ونزعت أحشاء300شخص وهم أحياء،وحرق400حتى الموت،وأدى قصف مدينتي هانوي وهايفونغ الفيتناميتين عام1972إلى اصابة30ألف طفل بالصمم".
و استمرار الحروب الأمريكية غير الإنسانية يتواصل ضد فقراء أمريكا اللاتينية في نيكاراغوا والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس فالحقائق تشير إلى قتل مئات الآلاف،وقد دعموا الحكام الطغاة ،ففي غواتيمالا قتل الجنود الذين دربتهم أمريكا عام1981نحو1000فلاح أعزل و139طفلا ً،والجيش قتل أيضاً150فلاحاً،وفي منتصف هذه المرحلة التاريخية الإجرامية الموغلة في الدناءة والحقارة والبعيدة كل البعد عن النوازع البشرية الخيرة يقول الجنرال ديفيد شارب وكان قائداً سابقاً للبحرية الأمريكية في عام1966:"أعتقد أننا يجب أن نستمر في سياستنا القذرة والملطخة بدماء شعوب العالم الثالث وإلا تمكنوا من التوصل إلى قرار موحد فيما بينهم".
وما هو مؤكد وأكيد أن الأساليب الاستعمارية لم تتغير إطلاقاً منذ بدايات النهم الاستعماري لكن تبدلا ًواحداً طرأ وهو زيادة أعداد القتلى والمشوهين،ويؤكد ما ذهبنا إليه"رالف ماكجيهي"مؤلف كتاب"خدع مميتة"والذي عمل لمدة25عاماً في المخابرات يقول في كتابه:"إن فرق القتل تم تشكيلها واستخدامها بواسطة المخابرات الأمريكية في دول العالم الثالث منذ نهاية الأربعينات وهي الحقيقة التي تتجاهلها وسائل الإعلام التي يمتلكها كبار رجال الدولة"ويتابع القول:"لقد كرهت دوري في لعبة القتل والرعب فقد كان عملي مرتبطاً بالقتل وحرق الأطفال أحياء،وكان منظر حرق الأطفال الفيتناميين بالنابالم مدمراً بالنسبة لي....فلماذا كان علينا أن نقذف الأبرياء بقنابل النابالم؟!....ولماذا نشرت المخابرات الأكاذيب بدلا ًمن الحقائق".
وفي مواجهة هذا السيل العارم من الإبادات البشرية الكبيرة تصحو ضمائر أمريكية لتقول وبجلاء ووضوح كلمة الحق،فالمحامي الأمريكي رالف نادر وهو عضو في مجال حماية المستهلك،وكان مرشحاً مستقلا ًفي إحدى جولات الانتخابات الرئاسية يقول:"الشركات الأمريكية الكبرى أصبحت تسيطر على الحكومة،بل إنها تجعل الحكومة تحارب الشعب الأمريكي"ومن أجل إشباع النهم المتزايد والذي لا يتوقف للشركات الاحتكارية الأمريكية سيما منها مجمعات النفط والسلاح وأسواق المال،وهي اليوم عصب السياسة الأمريكية والمحركة لها والراسمة لبرامجها من خلال مراكز البحوث التابعة لها،والدليل أن كبار القادة الأمريكيين كانوا من العاملين في أجوائها ونشاطاتها،فليس غريباً أن نسمع- بول وولفوفيتز- المحافظ المتطرف نائب وزير الدفاع السابق ومدير البنك الدولي الذي قدم استقالته بعد فضيحة إدارية يقول مبرراً احتلال العراق لأنه يعوم فوق بحر من النفط.
وخلق الصراعات الإقليمية في العالم والعمل على بعث الفتن الداخلية وتشجيع الحروب الشغل الشاغل،والهدف الذي يأخذ حيزاً لا بأس به من الاستراتيجيات الأمريكية تلبية لرغبات وطموحات المجمع الصناعي الحربي الذي حذر من تدخله في السياسة الجنرال إيزنهاور قبل تركه مقعد الرئاسة الأمريكية بفترة وجيزة لضخامة حجمه،والأعداد الغفيرة العاملة به فلا غرابة أن الحروب تشكل المصدر الأساسي لبيع المخزون من الأسلحة القديمة ليصار إلى ابتكار"موضات"جديدة أحدث وأشد فتكاً وتدميراً، وزرع " إسرائيل " في قلب الأمة العربية وما تشكله من أخطار كان من بعض غاياته أن تعيش المنطقة في حالة قلق دائم،وتضاف إلى هذا القلق الضغوط غير المحدودة على الحكومات من أجل بيعها أسلحة مقيد استعمالها ، وبدلا من التحدي لسياساتها وزيادة في دعم الصلف والغرور الأمريكيين بلغت مجمل الاستثمارات العربية فيها نحو800مليار دولار تدعيما لاقتصادها المنهار،ودعماً لأسواق المال فيها،وواقعة تاريخية حديثة تؤيدها ما ذهبنا إليه وتروي كيف أن انهيار الاتحاد السوفيتي ومعاناة النمور الآسيوية من أزمة اقتصادية مفتعلة،وحرب البلقان،وحروب المنطقة العربية شبه الدائمة أوجدت قلقاً لدى أهل تلك البلدان من أصحاب الثروات الضخمة مما دفعهم لتحويل أموالهم وإيداعها في البنوك الأمريكية التي حولت جزءاً منها لتمويل عجوز شركاتها لإنقاذها من الإفلاس إضافة إلى أنها أعادت إقراض المبالغ المتبقية إلى حكومات تلك البلدان فأضافت إلى مواردها ربحاً جديداً من فوائد القروض المقدمة،وقد سبقت كل ذلك قيم فواتير الأسلحة المباعة،والنتيجة المستخلصة أن ترابطاً وشيجاً لا ينفصم بين مصالح هذه الاحتكارات والتحرك الأمريكي العالمي لخدمتها......كان وما زال وسيستمر إلى موعد إعلان نهاية هذه الإمبراطورية وقد اقتربت أيامه، من كثرة هذه الصور القاتمة والبعيدة البعد كله عن النوازع الأخلاقية والتراث الحضاري للإنسانية......
هي دفعات متتالية ثمنها دماء تهدر وثروات تنهب،مما دفع العديد من الساسة والمفكرين لإبداء الرأي والنقد،لا بل الهجوم على هذه السلوكيات في عصر تقاربت المسافات فيه بعضها من بعض وصار يطلق اسم القرية على العالم المعاصر لتواصل أبعاده عبر وسائل التقنيات الحديثة،وتطور وسائط النقل ففي مطلع القرن الماضي يعرّف التطور الأمريكي جورج كليمنصو قائلا ً:"أمريكا هي التطور من البربرية إلى الانحلال دون ملامسة الحضارة " ويليه زمناً وبجرأة أشد الأمريكي رامزي كلارك وزير العدل السابق قائلاً:"إن أكبر جريمة شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية هي سياستنا الخارجية" ويسارع كبار المفكرين ونخبهم لتأييد هذه الآراء فالكاتب البريطاني الساخر جورج برنارد شو يقول: " لقد عُرفت بسخريتي ولكن حتى أنا ما كنت لأقنع في فكرة إقامة تمثال الحرية في ميناء نيويورك " بينما العالم ألبرت آينشتاين وفي منتصف القرن الماضي يلوم نفسه على قراره قائلاً: "لقد جئت إلى أمريكا بعدما سمعت عن ديمقراطيتها وحريتها الكبيرة جداً،لكن واضح أنني ارتكبت خطأ حينما اخترت هذا البلد لأعيش فيه.....خطأ لا يمكن أن أغفره لنفسي طوال عمري".
وتناصب أمريكا الشيوعية العداء،ويصل الطرفان الاتحاد السوفيتي وأمريكا إلى وضع عرف باسم الحرب الباردة،وعند انهيار الاتحاد السوفيتي كان لابد من البحث عن عدو جديد فكان الإسلام والوطن العربي وإن كان هذا العداء قديماً من خلال دعم إسرائيل وإقامة الأحلاف،ودعم الأنظمة الممالئة لأمريكا. في لبنان تدخلت القوات الأمريكية ودخلت هذا البلد وفي ذات الفترة تدخلت القوات الإنكليزية في الأردن كان ذلك عقب ثورة العراق،وخوفاً من انتشار الحب والولع بالأوطان والقضاء على كل ما يمت للاستعمار وللاستعماريين بصلة،وكثيرة هي الشواهد والإنسان العربي يعرفها بكليتها أو بتفاصيلها والعداء يتركز ويشتد.
يقول المحافظ دانيال بابيس:"إن تجويع المسلمين قضاء على الإرهاب"وهو يرى أن المال والثروة سبب صعوده،وتجويع المسلمين إنهاء للإرهاب،وفي عام1995عقدت ندوة لسلاح الجو الأمريكي شارك فيها عدد من الخبراء والباحثين،وقد وجد المؤتمرون يومها مبرراً لدعم الديكتاتوريات في العالم الإسلامي وتفضيلها بأي حال من الأحوال على فرصة الحركات الإسلامية في العمل السلمي والعلني والمشاركة في التنافس الانتخابي ولو أدى ذلك إلى التضحية بالديموقراطية وحقوق الإنسان،وهنا تحلو المقارنة والتشابه بين مؤتمر القاهرة عام1920والذي ذكرنا قراراته وهذه الندوة ، ويوضح الكاتب فواز جرجس الأستاذ بجامعة سان لورانس طبيعة هذا العداء قائلا ً:"إن التراث الفكري الأمريكي تجاه الإسلام والمسلمين مشحون بالعداء والرغبة في الصراع المدفوعين بالخوف والحذر وحتى الكراهية،وتشير معظم المفاهيم الثقافية لمعظم الأمريكيين عن العرب والمسلمين إلى أنهم خطرون وغير جديرين بالثقة ،وغير ديمقراطيين وبدائيين" والمؤلف يكشف أن استطلاعات الرأي التي أجريت في أمريكا ومنذ عام1981بينت أن أكثرية الأمريكيين ينظرون للعرب والمسلمين على أنهم أثرياء ولا أخلاق لهم ،وعلى الأرض العربية تبدو واضحة مرتسمات السياسة الأمريكية المعادية للأمة العربية فالدعم المادي والعسكري والتحالف الاستراتيجي مع"إسرائيل"عناوين لسياسة موغلة في أبشع أنواع العداء ¸وكانت مشاريع الأحلاف،والنفط كان موضع استغلال ونهب للشركات الأمريكية حيث وصلت نسبة ما تسيطر عليه الشركات الأمريكية70% من إنتاجه،وجاءت الأحداث الأخيرة التي نعيشها لتبين مدى الحقد والكراهية للوطن العربي ومدى الطمع بثرواته ، وكان العراق الثمن , ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر يقول في مذكراته:"من يريد السيطرة على الأمة العربية والإسلامية عليه أن يدمر إرادة الأمة العراقية فهي الحلقة الرئيسية فيه"ويبدأ الرئيس بوش الأب سياسة التدمير في حرب الخليج الثانية تحت شعار تحرير الكويت،فالتقارير تشير أن الأمريكيين استخدموا خلالها320طناً من اليورانيوم المنضب،ومصادر معرفية تحدد الرقم ما بين300-700طن،وقصف العراق بـ700صاروخ توماهوك حولت هذه الصواريخ أهدافها إلى سُحب كما أشارت التقارير المقدمة من الخبراء أن حجم القنابل التي أسقطت على العراق يعادل7قنابل نووية،وبوب نيكول الخبير العسكري يشير إلى حجم الإشعاع الذي أطلق على العراق عام2003في حرب بوش الأخيرة يعادل مئات القنابل النووية كتلك التي ألقيت على اليابان إبان الحرب العالمية الثانية،وبنتيجة الحربين والحصار الذي دام لأكثر من عشر سنوات تدهور الوضع الصحي في العراق فبعد عام1991ارتفعت نسبة الإصابات بالسرطانات وازدادت الولادات المشوهة بأرقام مخيفة،ووزارة الصحة العراقية تحدثت عن وجود ما بين120-140ألف عراقي مصابين بالسرطان عام2004يضاف إليهم7500مصاباً سنوياً،ومعهد الطب والإشعاع الذري في بغداد يستقبل يومياً150مصاباً بسرطان الدم تزايد عددهم بنسبة600%،وتنظيف العراق من التلوث يحتاج إلى إمكانات تتعدى إمكانات العراق لمدة20-30عاماً،والعالم الكندي في مجال الكيمياء"هاري شوما"ذكر أن100ألف مواطن في البصرة أصيبوا بالسرطان بين عامي1991-1998وأن75% منهم من الأطفال،ومات زهاء50ألف طفل فقط بأمراض السرطان وعجز الكلية بعد ثمانية أشهر من انتهاء عمليات1991،والمآسي والآلام تزداد وأربعة ملايين عراقي هُجروا من مناطق عيشهم أكثر من نصفهم لجأ إلى الدول المجاورة.....وعن وأد للتطورات العلمية التي حدثت انصب هدف المستعمرين وشركات المرتزقة المتعاقدين معها على قتل العلماء والباحثين،ومن نجا منهم هاجر إلى بلاد الله الواسعة،والبكاء يزداد يوماً بعد يوم عند تشييع مئات الجثامين يومياً من خلال حروب طائفية وإثنية أججتها القوى الغاشمة....وتحقيقاً لرغبة"كيسنجر"الصهيوني فقد دمر العراق اقتصاداً وبنية تحتية لأعوام ولعقود قادمة......والرئيس الأمريكي بوش الأب وبكل صلافة الغازي يقول:"لا يمكن أبداً أن أعتذر عما ارتكبته الولايات المتحدة الأمريكية،ولا أهتم بالحقائق مهما كانت"وكولن باول وكان جنرالا ًفي الجيش إبان حرب الخليج،وفي رد له على سؤال عن عدد القتلى العراقيين في هذه الحرب مجيباً وبدون أي إحساس ضميري:"إنها مجرد أرقام لا تذكر".
هذه الجرائم والتدمير والشهداء ومنهم ملائكة الرحمة"الأطفال"وازدياد العوائل التي فقدت معيلها دفعوا ذلك ثمن الكذبة الكبرى وهي"إقامة الديموقراطية" و الإنسان العربي يكتشف التمادي في الكذب وعهره عندما يتذكر أن أمريكا أيدت الانقلاب العسكري في الجزائر عقب نجاح جبهة الإنقاذ"الإسلامية"في الانتخابات البرلمانية وباركته،كما وأنها ناصبت العداء...كل العداء لنواب حماس الذين انتخبهم الشعب العربي الفلسطيني،لا بل اعتبرت حماس"الإسلامية عقيدة وفكراً"منظمة إرهابية لأنها تدافع عن الأرض والكرامة والعرض،وفي السودان بدايات تقسيم ودعم أمريكي للجنوبيين وللعصاة في دارفور، وباتت تجتاحه موجات من العنف والقلاقل السياسية شأنه شأن لبنان الذي وجدت أمريكا فيه شلة من العملاء همها محاربة من يحارب إسرائيل ويرد عدوانها،وهمها أيضاً تدمير اقتصاد البلد الرازح تحت ديون ثقيلة نتيجة المشاريع الخدمية التي أقامتها الحكومة السابقة،بل إنهم يعبثون بكل القيم الوطنية من أجل عودة الاقتتال الطائفي إلى هذا البلد،والصومال البلد الأفقر من الفقر برمته غزته القوات الأمريكية لكنها انسحبت فور سحل بعض جنودها في شوارع مقديشو،وكانت الداعم الأكبر لأمراء الحرب لتفتيت الدولة وتمزيقها،ويوم انتصرت المحاكم الإسلامية وبدأت تضع حدوداً للضياع والتمزق وتعيد إلى البلد شيئاً من الاستقرار نهضت الحكومة الحالية الغافية في سبات عميق لمدة عامين في " بيدوا " مدعمه من صاحبة اليد الطولى"في الخير أمريكا "،وطلبت تدخل إثيوبيا وكان لها ما أرادت والحروب بين المقاومة والغزاة تكاد تصبح شبه يومية.
إنها أوضاع تختلط وتمتزج فيها جرائم بشرية لا قبل للعالم بها حتى وفي الأزمنة المظلمة عند بدء الكون،وسيل من الكذب يحاول التبرير وتغطية هذه الكبائر تحت شعارات فيها ما فيها من الترهات والأكاذيب إلا المعاني التي عنتها.
وسؤال كبير يطرح.....يطرحه جميع الذين اكتووا من نار الجحيم الأمريكي،إلى متى؟!.....
وبينما أجراس الكنائس المؤمنة الإيمان بالله بدأت تقرع يتجاوب معها آذان المآذن معلنة جميعها نعي الإمبراطورية الأمريكية نتيجة ما ارتكبته من آثام وما كلفت شعبها وشعوب العالم ليتحمل جميعهم وزر العبء المادي لهذه الحروب والمآسي،والمفكر تالكوت بارستر يقول في حقيقة من حقائق الماضي:"إن القوة الصرفة على خلاف السلطة المعتمدة على اتفاق الرأي تؤول إلى الانغماس وكلما زاد استخدامها زادت سرعة تلاشيها" وعلى الطرف الآخر للمحيط الأطلسي وتحديداً من فرنسا يقول عمانويل تود: " لقد أصبحت أمريكا الناهب الأكبر لثروات العالم الاقتصادية وفقدت قدرتها على التوافق بين مكاسبها الاقتصادية والتقدم الاقتصادي للمجتمعات الأخرى،لذلك تلجأ إلى المزيد من الأفعال المعبرة عن اليأس والعدوانية" ويصل إلى نتيجة أن فساد الديموقراطية الأمريكية سيؤدي إلى نشوء طبقة حاكمة سيئة الإشراف.
أهي مجرد وجهات نظر يمكن الأخذ بها أم أنها مجرد رؤى وتقديرات قد تجانب الموضوعية حيناً وتبتعد عنها أحياناً.....ولربما كان الدافع الرئيسي لها معارضة التوجه الذي يسود بعض دول العالم،لكن الثابت والحتمي أن حقائق بدأت تظهر وبوضوح على الأرض مبينة ومؤكدة أن النهاية قاربت،والزمن القادم كفيل بذلك،والتراكمات المعجلة لها بدأت منذ الحروب القديمة التي ذكرناها،لكن ما يعنينا تأثيرات العمليات العسكرية التي تمت وما زالت مستمرة في الوطن العربي وتحديداً من الناحيتين البشرية والمالية والاقتصادية.
وفي مقال لويليام د ساتورغ وهو عضو استشاري في لجنة السياسة الخارجية المركزية وزميل في معهد السياسة العالمية ومدير مركز مورد لتجارة الأسلحة يكتب مستوحياً من تقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية للسياسة الخارجية: " حتى تلك النزاعات التي تظهر في البداية رخيصة نسبياً (كحرب الخليج عام1991) فهي غالباًَ ما تنتهي بتكاليف ضخمة وخفية على المدى البعيد.
لقد تم دفع مبلغ76بليون دولار كلفة الحرب بواسطة حلفاء الولايات المتحدة،وكانت الخسائر البشرية للمعركة الأمريكية منخفضة نسبياً لكن فيما بعد ومنذ أكثر من عقد ونحن نرى انهماك دافعي الضرائب في الولايات المتحدة بدفع ملايين الدولارات كنفقات لمعالجة إصابات الخدمة العسكرية ومعالجة الإعاقات الحاصلة للجنود في ذلك الصراع.
لقد تم تصنيف حوالي أكثر من ثلث الجند في هذه الحرب،وأكثر من206.000بأكملهم قد صنف تحت بند الإعاقات الناجمة عن الخدمة العسكرية،وقد تمت الموافقة على أكثر من159.000من تلك الإعاقات بالنسبة لسنة2003".
ويكمل الكاتب ما كتبه " بأن المعاون السابق لوزير الدفاع بول ولفووفيتز ذكر أرقاماً مخفضة لإعادة إعمار العراق قدرها1.5بليون دولار،وأن ذلك سيأتي من بيع عائدات النفط وهذا مدعاة للسخرية عندما نأخذ بعين الاعتبار بأن بعض تهم الاحتيال وسوء التصرف المنسوبة إلى شركة "هاليبرتون" المتعهدة " و المعروف عنها أن مديرها كان نائب الرئيس الأمريكي الحالي ديك تشيني والمساهم في أسهمها،وقد ارتفعت أرقام حصصه بشكل كبير مؤخراً.
وعن الخسائر البشرية ففي العراق لوحده زاد رقم القتلى عن4آلاف جندي منذ بدء الحرب الأخيرة و وفق الإحصاءات الأمريكية-غير الدقيقة-علماً بأنها أرقام الحاملين للجنسية الأمريكية، لكن المتطوعين من جنسيات أخرى طمعاً بالحصول على الجنسية الأمريكية،والمرتزقة الذين يعملون لحساب الشركات المتعهدة الخاصة بالأمن جميع قتلاهم لا تندرج في الإحصائيات،وعن عدد الجنود الجرحى حتى مطلع2006وجهات رسمية تقدر عددهم بـ16ألف - وهذا الرقم أيضا غير دقيق - يعاني منهم20%من إصابات خطيرة في العمود الفقري،وباحثون يؤكدون أن30% أصيبوا بأمراض تتصل بالصحة العقلية خلال ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر،وتؤكد الصحف الأمريكية هذه النتائج فتذكر أن70%من المتقاعدين العسكريين يعانون من اضطرابات نفسية و100ألف زاروا الأطباء النفسيين منذ بدء الحرب على أفغانستان،وتم تسريح75ألف جندي من العراق وأفغانستان،والجدير بالذكر أن عدوى مرض الجنون قد انتقل إلى الجنود البريطانيين فالديلي تلغراف الصحيفة اللندنية كتبت أن عدد الجنود البريطانيين الذين أقدموا على الانتحار بعد أن خدموا في العراق وأفغانستان يعادل10%من عدد الذين ماتوا في العمليات،وتوظف وزارة الدفاع البريطانية13طبيباً نفسياً و99ممرضاً و50موظفاً مدنياً لمعالجة هذه الحالات.
أما على جانب الخسائر المادية فكل الدراسات تجمع على أن النفقات الشهرية للحرب على العراق تصل إلى8مليارات دولار بخلاف التكاليف غير المباشرة كنفقات العلاج والتقاعد الطويل الأمد والرواتب التقاعدية،وشبكة سي ان ان كشفت أن ما دفعته أمريكا على حرب العراق وأفغانستان سيصل إلى تريليون دولار بينما يقدر باحثون أن كلفة الحرب العراقية لوحدها ستصل إلى تريليوني دولار حتى عام2010،ويقارب الرقم من دراسة أجراها مشروع الأولويات الوطنية الأمريكية حيث يقدر أن ما أصاب الفرد الأمريكي حتى منتصف عام2006مبلغ 1075 دولار بينما يلحق صاحب المنزل 2044 دولار, والحديث حاليا يدور في أرجاء الكونغرس الأمريكي عن مبلغ3,5 تريليون النفقات المباشرة لحربي العراق وأفغانستان
قد تبدو الأرقام لأول وهلة شبه عادية في مثل هذه الحروب لكن لو عدنا إلى الدراسات التي دارت حول الاقتصاد الأمريكي وبدايات تدهوره لوجدنا وفي دراسة للباحث علي حسن باكير وفي مجلة البيان،ويؤكد رأيه العديد من الاقتصاديين الأمريكيين بيّن أن الدَين الأمريكي الكلي يقترب من79تريليون دولار،وبدأ الرقم يزداد منذ عام2001زمن ولاية الرئيس الحالي بينما سُجل زمن كلينتون فائضاً مالياً قدره236مليار دولار عام2000،وتبلغ حصة المواطن الأمريكي من الدَين27.475دولار،وازدادت الفوائد على القروض المتزايدة لتبلغ5تريليون دولار،والتجارة الخارجية ليست في وضع سوي فأمريكا تستورد أكثر مما تصدر ووفق إحصائيات رسمية وصل العجز في عام2005إلى723.616مليار دولار بزيادة25%عن العجز المتحقق عام2004.
هذه الأوضاع المالية التعيسة والمنذرة بالنهايات لهذه القوة فصحيفة الواشنطن بوست في عددها في18مايس2004تتساءل إلى متى تواصل اليابان والصين تزويدنا بالمنتجات مقابل أموال لا نسددها؟!....لا أحد يعلم.....وفي نهاية المقال تصف الصحيفة احتلال العراق بأنه خنجر في ظهر الاقتصاد الأمريكي،وهذه الحالة جعلت الرئيس السابق كلينتون يقول:"كل يوم من أيام السنة تذهب حكومتنا إلى السوق لتقترض أموالا ًمن دول أخرى لتمويل حرب العراق وأفغانستان وكاترينا والإعصار،والسموحات الضرائبية(التخفيضات مع الضرائب) ولم نفعل ذلك من قبل أبداً،لم يحدث في تاريخ جمهوريتنا أن موّلنا صراعات خارجية أو تدخلات عسكرية بالاقتراض من دول أخرى"وأضاف :" إننا نعتمد على اليابان والصين والمملكة المتحدة والسعودية وكوريا بشكل أساسي لإقراضنا أموالا ًكل يوم من أيام السنة لنواجه عجزاً لا أعتقد أن ذلك شيئاً معقولاً"،ومدير صندوق النقد العالمي"رود ريغو دي رانو"نبّه إلى أن بعض المصارف الأمريكية بدأت تسحب دعمها للدولار،كما وأن صندوق النقد الدولي أطلق تحذيراً شديداً من تبعات تدهور الوضع المالي في الولايات المتحدة الأمريكية على الاقتصاد العالمي،ونبّه إلى أن العجوزات التي تعانيها في موازناتها المالية علاوة على الارتفاع الكبير والسريع في صافي التزاماتها الخارجية يعرّض الاقتصاد الأمريكي والعالمي لمخاطر جسيمة مع وصول الدين العام إلى مستوى تريليونات الدولارات أي ما يعادل70%من الناتج المحلي، إضافة إلى إلغاء نظام صرف الدولار بالذهب منذ عام 1970وبداية طبع أوراق دولارية لا غطاء ذهبي لها.
والآن تبدت ملامح الاقتصاد الأمريكي وعجوزاته وكان بشكل غطاء لعملات عربية وعالمية مرتبطة به فمن الطبيعي أن تتراجع قيمته أمام العملات الأخرى،والبنك المركزي الكويتي تعرّض لخسارة79.6مليون دينار نتيجة انخفاض سعر الدولار لضخامة مخزونه منه بالإضافة إلى هبوط قيمة العملات المرتبطة به.
وفي عام2004هبطت قيمة الدولار بنسبة14%،وفي دراسة في الجريدة الاقتصادية العربية وتحديداً في30/3/2007أشارت إلى ارتفاع إيرادات دول مجلس التعاون الخليجي من عائدات النفط من100مليار دولار في عام2002إلى305مليار عام2006نتيجة ارتفاع الأسعار،وإذا حذفنا من المبلغ الأخير14%قيمة هبوط الدولار عنى ذلك أن مبلغ45.5مليار دولار ضاعت جراء تسعير النفط بالدولار.
إنها حقائق بينة واضحة وجلية تشير إلى الخلل الكبير في الوضع الاقتصادي الذي قارب على الإفلاس،واقترب منه ولا مؤشرات لتلافي ذلك،بل إصرار على نفس السياسات الخارجية اللا إنسانية والمدمرة لأمريكا ،وبذلك فما يقوله المفكرون والباحثون هو خلاصة طبيعية لمعارفهم وعين الحق في أقوالهم،وبنيامين بارير وفي كتابه"إمبراطورية الخوف"يقول:"ليس بإمكان واشنطن أن تدير نظاماً عالمياً من خلال الفعل العسكري والخوف من الإرهاب ببساطة،لن تكون الإمبراطورية الأمريكية طويلة البقاء لأنها ترتب العالم من خلال قوة السلاح".
والعالم الاجتماعي ميشيل مان يرى أنه وربما تكون للولايات المتحدة موقعة الرهبة في النفس عن قدراتها العسكرية،لكن قدراتها السياسية والاقتصادية ليست بالقوة الساحقة،وعدم وجود توازن بين الجانبين دعا واشنطن إلى المبالغة في التأكيد على استخدام القوة والنزعة العسكرية،وبرأيه فإن ذلك سوف يخلق"الإمبراطورية المفككة".
كانت جولة أظهرت المآسي وعذابات الشعوب التي عملتها وقدمتها الإستراتيجية الأمريكية والتي ترسمها الاحتكارات بمعزل عن أية نوازع إنسانية،وحتى أن البلل أصاب المواطن الأمريكي والانحدار بدأ لا بل إن السقوط محتم وأكيد لكنه سيتسارع إذا عمدت دول النفط إلى عدم بيع نفطها بالدولار فقط، و عمدت الحكومات إلى ربط عملاتها بسلة من العملات بدل ربطها بهذه الأوراق المطبوعة بدون غطاء،والموقف الإنساني يتطلب من كل الشركات وحتى الأفراد الإقلال التدريجي من اعتماد الدولار في معاملاتهم ، بل ليحولوا مخزون أموالهم في البنوك من هذه العملة إلى عملات أخرى مغطاة بالذهب حفاظا عليها من تدهور قيمتها وخسارتها فالهبوط السريع لهذه العملة قد لاتعادله الفوائد المحصلة من الإيداع به.
وأخيرا فالثابت الحتمي أن نصر المحتلين المؤقت لايعني سيطرتهم وعبودية المحتلة أرضهم ليست أبدية والحرية صنو النضال والجهاد , والهزيمة دوما للقوة الغاشمة .
محمد علي الحلبي


