"الصراع على سوريا" عنوانٌ لكتابٍ لباتريك سيل (1970)، وقد حلَّل فيه الصراع بين التحالفين المصري/السعودي من جهة، والهاشمي (الذي كان يضمُّ العراق والأردنّ) على الجمهورية السورية الفتية في الفترة بين عامي 1950 و1958. وكان صراعاً أفضى إلى نشر الاضطراب في الداخل السوري عشية نشوب الحرب الباردة، وما حُسِمَ لصالح أحد الطرفين، بل انتهى بتحطُّم التحالف الهاشمي (زوال حكم الهاشميين عن العراق في ثورة 1958)، ونشوب الصراع بين مصر والسعودية على مناطق النفوذ في اصطفافات الحرب الباردة. وبعكس كتابه الأول هذا، ما لفت الانتباه كتاب باتريك سيل الثاني "الصراع على الشرق الأوسط: الرئيس حافظ الأسد"(1986)، لأنّ سوريا في عهد الرئيس حافظ الأسد ما كانت تُصارعُ في الحقيقة للسيطرة على الشرق الأوسط باعتبارها قوةً عظمى أو وُسطى؛ بل هي أفادت من انكماش مصر بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، لتخوض نزاعاً مع العراق على الزعامة، أفادتْ فيه من صفقاتٍ أجرتْها هنا وهناك مع الولايات المتحدة أساساً، وأفضت بعد نهايات الحرب الباردة إلى فقدٍ تدريجيٍ لتلك الوظائف، بحيث اضطرت في ربيع عام 2005 إلى الخروج بجيشها من لبنان، وصيرورتها أسيرةً للتجاذُب الجديد والكبير في المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران. إنَّ هذا الإيجاز التاريخي والجيوسياسي ليس مقصده التقليل من شأن سوريا وموقعها؛ بل التنبيه إلى متغيرات الظروف، والتي تُوشِكُ أن تُعيدَ سوريا إلى الدائرة التي كانت فيها خلال خمسينيات القرن المنقضي، أي أنها موضوع صراع وليست صاحبة دور.
على عتبة الانتخابات الرئاسية اللبنانية، ومؤتمر أنابوليس، تبدو سوريا الآن عُقدة أو تقاطُع طُرُق ومحطّة اتصالاتٍ مكثَّفة من جانب الأوروبيين والأميركيين والأتراك والروس، فضلاً عن الإيرانيين الدائمي الحضور والتأثير. في حين يُعْرِضُ عنها العربُ الكبارُ والصغار، وتحفلُ ملاحظاتُهم بشأن سلوكها بالسُخْط وخيبة الأمل أو المقاطعة.
وقد بدأ هذا الاحتدامُ من حول سوريا عام 2003 بعد الغزو الأميركي للعراق. وقتَها صارت سوريا مركزاً "للمقاومة" عن طريق استقبال وإرسال ألوف من الشبان العرب لمقاتلة الأميركيين هناك. وقد ظهر وقتَها أنّ الجفاء بين أميركا والنظام السوري كان قد بدأ، وتمثَّلَ في الميل لإنهاء "تكليفها" بلبنان، وعدم الاهتمام باستشارتها وتأييدها (كما حصل في الحرب الأميركية الأولى على العراق عام 1990/1991) أو حتّى تحييدها قبل الغزو، كما حدث مع إيران والسعودية وتركيا. وقد أجابت سوريا على ذلك بتسْريب السلاح والمسلَّحين إلى العراق، والإصرار على البقاء في لبنان والتمديد للرئيس أميل لحود، ودعم الراديكاليين الإسلاميين في فلسطين والتنسيق الأوثق مع إيران والعمل في خدْمة سياساتها في فلسطين ولبنان والعراق. وما وقفت الإدارة البوشيةُ مكتوفة الأيدي أمام الاستثارة السورية؛ بل سلكت سياسةً هجوميةً على الحدود العراقية- السورية، وعقدت اتفاقاً مع فرنسا صار قراراً دولياً رقمه 1559 يفرض على سوريا الخروجَ من لبنان، وصعَّدتْ العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية عليها والتي كانت قد بدأت بقانون معاقبة سوريا في الكونغرس عام 1998. بالإضافة إلى الضغوط عبر الاتصالات المباشرة التي لم تنقطع بين الطرفين، حثّت الولايات المتحدة السعوديين والمصريين والأتراك على العمل لإقناع السوريين بـ"تغيير سلوكهم" وإلا فستزداد الضغوط عليهم بحيث يتهدَّدُ النظامُ نفسُه في النهاية. ومن جديد اندفع السوريون بعد خروجهم من لبنان على أثر صدور القرار الدولي 1559 ومقتل الرئيس رفيق الحريري، في مغامرة التحدي ليس للأميركيين طبعاً، بل للأنظمة العربية التي يعتبرونها حليفةً للولايات المتحدة إذ انصرفوا لمحاولة نشر الاضطراب بعد العراق في الأردنّ ولبنان، وكانت آخِر إسهاماتهم المنظورة حرب "فتح الإسلام" بشمال لبنان، ودعم انشقاق "حماس" وانقلابها بغزّة. وقد أفضى ذلك إلى قطيعةٍ مع سوريا من جانب العرب الكبار الذين يتهمونها بأمرين: ممارسة سياسات عدوانية تُجاه جيرانها من الدول العربية، والتبعية لإيران في مخططاتها على الأرض العربية. والمُلاحظُ أنّ الفتور الذي ساد في علاقات سوريا بالعرب القريبين والبعيدين، سرى أيضاً في علاقاتها بالأميركيين ثم بالأوروبيين، وإن لم يكن هناك تنسيقٌ وثيقٌ بين الأطراف الثلاثة لاختلاف المصالح والأهداف. فالعربُ ليس عندهم ما يُعطونه لسوريا مقابل التوقف عن زيادة الانقسام ونشر الاضطراب في دول الجوار. بل بلغ الأمر أحياناً حدود محاولة التلاعب حتى بأمن العرب الكبار أنفُسِهم، وما عاد التمييز ممكناً في التصرفات السورية بين ما هو عملٌ من أجل "إزعاج" الولايات المتحدة أو لفْت انتباهها، وما هو ابتزازٌ للعرب، وما هو أخيراً خدمةٌ بحتةٌ لإيران الصديقة والتي أطلقت عدة أسُهمٍ من جعبتها على الولايات المتحدة بعد أن عاد الصراع بينهما على "النووي" والعراق وغيرهما. الأوروبيون كانوا غاضبين على الولايات المتحدة للخلاف بشأن غزو العراق، والسياسات الأحادية الأُخرى، لذلك فقد أنشلّتْ فعاليتُهم في المنطقة عامة. أما الأميركيون فما عادوا مستعدين لإعطاء سوريا شيئاً مقابل الكفّ عن الإيذاء في العراق ولبنان.
وتغيرت الأمور تماماً بنشوب حرب يوليو بين "حزب الله" وإسرائيل، والتي بلغت إيران (ومعها سوريا) عندها الذروة في تحدّي الولايات المتحدة. لقد ساور الأطراف الثلاثة غيظ من سوريا وإيران مجدداً، وسارعوا إلى شيء من التنسيق فيما بينهم وبخاصةٍ الأوروبيين والأميركيين. والذي يبدو أنّ استمرار إعراض مصر والسعودية عن سوريا لا يعود للانزعاج أو الحَذَرَ منها، بقدر ما يعود إلى أن سوريا ترمي لتحقيق أهداف لا تستطيع الدول العربية موافقتها عليها. ثم إنّ النظام السوري يميل لعقد الصفقات المباشرة وغير المباشرة مع الأميركيين والإسرائيليين، وليس مع الآخرين؛ بما في ذلك الأوروبيون. تردد العربُ إذن، لكنهم اتفقوا مع الأوروبيين والأميركيين على التحرك باتجاه سوريا لثلاثة أسباب أحدها استراتيجي، والآخران عاجلان. الدافع الاستراتيجي للحركة: محاولة فصل سوريا عن إيران، فيتوقّف التواصُل بين مناطق النفوذ الإيرانية في الوطن العربي، وتخفُّ الضغوط على الاستقرار في الأردنّ ولبنان وفلسطين وحتى في السعودية. أما العاملان السريعان فهما الاستقرار في لبنان، الذي تسبّب "حزب الله"، وتسبّبت التصرفات السورية في خلخلته. والأمر الآخر: اتجاه الولايات المتحدة لعقد مؤتمرٍ في أنابوليس يطرح مسائل الحلّ النهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقد تتالت الضغوط والعروض والعروض المضادّة على سوريا في الشهور الثلاثة الأخيرة ومن جانب الأوروبيين الكاثوليك (المهتمين بالمسيحية والمسيحيين في لبنان وفلسطين)، والروس (الذين ينسّقون مع الأميركيين وينافسونهم في الوقت نفسه)، والأتراك الذين يريدون أن يلعبوا دوراً موازياً للدور الإيراني من جهة، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة والعرب وإسرائيل من جهةٍ أُخرى. في لبنان وفلسطين لجأ الأميركيون إلى تهديد سوريا وتحذيرها. وأكدوا على تنفيذ القرارات الدولية العديدة التي صدرت بشأن لبنان، والتي يسعون لتنفيذها ومن ضمنها إنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري. وفي فلسطين قالوا أولاً إنهم لن يدعوا سوريا إلى مؤتمر أنابوليس إن لم تغيّر سلوكها في لبنان وفلسطين والعراق. بينما آثر الأوروبيون (والفرنسيون على الخصوص) سياسة العصا والجزرة وبالتنسيق مع الأميركيين: إن تعاونت سوريا في لبنان بتسهيل عملية انتخاب رئيس الجمهورية، وأعرضت عن معارضة أنابوليس فَسَوف تُدعى إلى أنابوليس، وستكونَ لها أنابولُسُها الخاصّةُ بالجولان، وستستفيد كثيراً من عودة العلائق الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي. وقد تستفيدُ أكثر وأكثر إن ابتعدت عن إيران ربما في تأخير المحكمة الدولية أو تمييعها فيما يقال!
وأظهرت الدبلوماسيةُ السوريةُ حنكةً ومقدرةً في التعامُل مع الضغوط والإغراءات وتلفّتت باتجاه إيران وتركيا وروسيا وإسرائيل في الوقتِ نفسِه، وعينُها ليس على العرب، ولا على الأوروبيين؛ بل على الأميركيين، والذين سُرعان ما تحوَّلوا تحت وطأة ضغوط إنجاح أنابوليس من متوعِّدين إلى راجين ومحذّرين وناصحين. قال الإيرانيون للسوريين إنّ عليهم أن لا يخونوا الحلف المقدَّس، وأنّ برامج التسوية لن تنجح، وأنه لا بد من المواجهة وإكمال الجبهة والبدء بالتصرف لإفشال أنابوليس، من جهة فلسطين، ومن جهة لبنان. وأجاب السوريون بأنّ الضغوط عليهم شديدة، وهم يعرفون أنّ الجولان لن تتحرر بالقوة؛ فما الذي يضرّ إذا انتظرنا أُسبوعين أو ثلاثة بدون ضجيجٍ كثيرٍ لنرى النتائج، ولنرى فشل أنابوليس، وسُخْط العرب الآخرين للفشل وإمكان تقوية جبهة المعارضة للولايات المتحدة إنْ حدث ذلك! وما رضي الإيرانيون بهذا التكتيك، لكنهم تظاهروا بالاقتناع، وانصرفوا هم أنفُسُهُم لمحاولة تجديد المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن العراق الذين صاروا واثقين من وراثته من الولايات المتحدة عاجلاً وقريباً. وارتأى السوريون والإيرانيون أن يُبْقوا كلَّ الأوراق بأيديهم بانتظار ما يحصُلُ، ومن ضمن ذلك ورقة الرئاسة اللبنانية. ولذا فرغم الضغوط والمساعي الأوروبية والعربية، ما حصلت الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري، والعقبة الرئيسية أمام ذلك: حزب الله (إيران)، وسوريا، وحليفهما بالمصلحة الجنرال ميشال عون!
كان السيد حسن نصر الله قد أعلن في خطابٍ قبل عشرة أيام أنه لا يريد الانتخابات في موعدها الدستوري، متهماً خصومه السياسيين من الأكثرية النيابية بأنهم لصوصٌ وقَتَلَةٌ وعملاء للمشروع الأميركي/ الصهيوني! أما السوريون فأعلنت صحفهم أنّ اللبنانيين أمام الحائط المسدود؛ في حين قال بشار الأسد للأوروبيين إن المشكلة في الانقسام المسيحي وهو لا يمون على المسيحيين!
سوريا منتشيةٌ الآن بالاتصالات الكثيرة، والعروض الكثيرة. والأميركيون لُطَفاء ويريدون تمرير أنابوليس. وروسيا تترقَّبُ الفَشَلَ الأميركي لترى كيف يمكن أن تستفيد أكثر. والأتراك ينتظرون أدواراً أكبر مع الولايات المتحدة ومع الأوروبيين ومع العرب وبين سوريا وإسرائيل. أما العربُ فيخشونَ مزيداً من الانقسام في الصفّ الفلسطيني، ومزيداً من الاضطراب في لبنان، وبدء مشكلةٍ طويلةٍ المدى مع إيران حول العراق.


