أعتقد
أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس كان متفائلاً جداً حين اعتبر
أن الاجتماع الدولي حول "السلام"، المزمع عقده في أنابوليس
يشكل فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة في تاريخ منطقة الشرق
الأوسط، أساسها "قيام دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها
القدس الشريف، واستعادة الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة
في عام 1967".
والحق هو أن كلام أبو مازن يدخل في باب الأمنيات والآمال بقدر ما يبتعد عن الواقع والمتاح، فالمقدمات والمعطيات، التي تسبق انعقاد الاجتماع الدولي الذي دعا إليه الرئيس بوش، لا تشي بالتفاؤل، ولا تقدم بصيص أمل في أن الإدارة الأميركية الحالية تبحث عن حل عادل للقضية الفلسطينية ولمجمل قضايا الصراع العربي - الإسرائيلي، فلا الرئيس بوش داعية سلام، كونه "زعيم حرب"، كما وصف نفسه ذات مرة، ولا توجد شخصية "إسرائيلية" تفتش عن حل يرضي جميع الأطراف، ويحقق السلام "لنا وللإسرائيليين ولدول وشعوب المنطقة"، حسبما زعم أبو مازن في كلمته التي ألقاها على ضريح الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات.
لقد تناسى أبو مازن - ربما عن قصد - أن من يقف على ضريحه، حين قال هذا الكلام، ذهب ضحية مؤامرة أميركية – إسرائيلية، لأنه رفض الحلول التي قدمتها الإدارة الأميركية له، فتحول في نظرها إلى عقبة في وجه "العملية السلمية"، ينبغي التخلص منها، فسارعت إلى إطلاق يد المجرم شارون كي ينفذ عملية التخلص من شخص أبو عمار وما يمثله في السلطة الفلسطينية.
والمفارق في الأمر هو أن محمود عباس الذي تحدث عن "الفرصة التاريخية" هو نفسه من أعرب للعاهل السعودي، خلال لقائهما الأخير، عن تشاؤمه من الاجتماع الخريفي، وبالتالي لماذا يخفي تشاؤمه ومخاوفه ويقول ما لا يقرّ به؟ وأين هي الفرصة التاريخية للسلام؟
من جهة أخرى، فقد سمع لعالم بأسره مطالبة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بأن يكون أساس المفاوضات في مؤتمر أنابوليس هو الاعتراف بإسرائيل بوصفها دولة للشعب اليهودي، الأمر الذي لا يترك مجالاً للتفاوض مع الفلسطينيين، كونها تعني قطع الطريق على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، أي تصفية قضيتهم عبر إسقاط حق العودة، وهو أمر يتنافى مع جميع المواثيق الدولية ومع المبادرة العربية للسلام، ومع أي حل عادل ومنصف.
إن هذه المطالبة مدروسة وتخفي أموراً خطيرة، فهي ترد على ما طرح قبل سنوات عديدة من قبل بعض الشخصيات والتنطيمات الوطنية الفلسطينية، واعتبره الصهاينة خطراً على وجود كيانهم العنصري، وتمثل في مفهوم الدولة "ثنائية القومية"، من خلال طرح شعار الوصول إلى "دولة لجميع مواطنيها"، أي دولة تشمل الفلسطينيين واليهود، وكتب وقيل الكثير عن الخطر الديموغرافي والبيولوجي العربي. لكن الخطير في هذا الطرح الإسرائيلي هو أنه جاء كي يلغي وجود الفلسطينيين داخل ما يعرف بالخط الأخضر، الذي يمثلون حوالي العشرين بالمئة من تعداد سكان الدولة الصهيونية، ولم يكفوا عن النضال والتضحية في سبيل الاحتفاظ بهويتهم العربية الفلسطينية، ومن أجل الاعتراف بهم وبحقوقهم المشروعة.
وتأتي المطالبة بيهودية الدولة الصهيونية كي تطلق العنان للدعوات العنصرية التي تطالب بترحيل وتهجير فلسطينيي الداخل، وتشريع ارتكاب المجازر بحقهم، قصد إكراههم ودفعهم على الرحيل من أرضهم، وكي تزيد من معاناتهم، إذ لا يكفي حرمانهم من حقوقهم الأساسية، ووضع مختلف القيود على حياتهم المدنية، واعتبارهم مواطنين مهمشين ومنبوذين. لا يكفي ذلك كله، لأن "يهودية إسرائيل" تعني التشريع لتطهير عرقي جديد ضد الفلسطينيين.
إن "الفرصة التاريخية" لتحقيق السلام، تعني توفر الإرادة والعمل لإيجاد حل عادل وشامل لمختلف قضايا الصراع العربي – الإسرائيلي، أساسه تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وهو أمر لا يمكن أن يوفره الاجتماع المزمع عقده في أنابوليس.
ومعلوم أن الدعوة إلى اجتماع أنابوليس هي دعوة أميركية، وردت على لسان الرئيس بوش، لذا فالخوف من أن المطالبة الإسرائيلية تخفي وراءها محاولة الإدارة الأميركية تسويق هذه الدعوة وجعلها هدف الاجتماع المزمع عقده، وبالتالي ستحاول الإدارة الأميركية فرضه على الفلسطينيين وعلى الدول العربية التي ستحضر الاجتماع، الأمر الذي يفضي حلّ إسرائيلي – أميركي، يستند إلى تحقيق أهداف ومخططات الدولة الصهيونية، ولا بأس من تجميله بـ"دولة فلسطينية" مجهضة وعاجزة وغير قابلة للحياة، وأشبه بمجموعة من الكنتونات الممزقة، أي تصفية القضية الفلسطينية، فهل سيتمكن الفلسطينيون والعرب الذاهبون إلى أنابوليس من مقاومة إملاءات وضغوطات الإدارة الأميركية والوقوف بوجه الدعوات والمخططات الإسرائيلية أم أنهم سيقبلون بما لا يمكن قبوله؟
__________
* كاتب ومحلل سياسي سوري - دمشق


