لم يحقق المخرج الشاب المثني صبح نجاحاً يذكر في عمله الأول (مشاريع صغيرة) الذي مر مرور الكرام، وإن من دون إزعاج أيضاً... في حين أن مسلسله الثاني (علي حافة الهاوية) الذي عرض في موسم رمضان المنصرم علي قناة (دبي) وأعادت عرضه أخيراً قناة (إم. بي. سي) طرح اسمه بقوة كمخرج يستحق التشجيع والاحترام والاحتفاء النقدي.
(علي حافة الهاوية) دراما اجتماعية كتبتها المخرجة والكاتبة أمل حنا، وهي من المخرجات المقلات في الدراما التلفزيونية، فهي لم تتمكن سوي من تقديم عدد محدود جداً من الأعمال التي أنتجها التلفزيون السوري في ثمانينيات القرن العشرين... في حين أن نصوصها، تبدو ذات نظرة متأملة ومتفحصة، تبحث في ثنايا النسيج الاجتماعي، وفي تقاطع هذا النسيج مع أزمات الأفراد وهمومهم وتطلعاتهم.
وفي عملها الأحدث (علي حافة الهاوية) لا تحلق أمل حنا، خارج سياق هذه الدراما الاجتماعية التي اعتادت أن تكتبها، من حيث غياب الحبكة التقليدية، وانعدام عنصر التشويق، مقابل لمسة واقعية في المعالجة، تبتعد عن الفبركة التلفزيونية، والافتعال في بناء الأحداث، الأمر الذي يضفي نوعاً من الشفافية والصدق علي مقاربة هموم شخصياتها، وتصوير تفاصيل حياتهم، وأزماتهم التي تشكل في مجملها جزءاً من حياة مأزومة تلقي بظلالها القاتمة علي مصائر الأبطال وتحولات حياتهم الرتيبة!
ولعل العنوان الأبرز لدراما (علي حافة الهاوية) هو الخوف... ورغم أن الخوف دراما إنسانية يمكن أن تكون جزءا من حياة البشر في أي زمان ومكان... إلا أن أمل حنا تقدم الخوف في نكهته السورية... تلك النكهة التي تتبدي من خلال شخصية أب لفتاة مراهقة في المرحلة الإعدادية، نراه يعيش في قفص حديدي في زاوية من زوايا منزله بعد أن أصيب بمرض نفسي حاد، جراء تعرضه للتعذيب في أحد فروع المخابرات. لنكتشف فيما بعد أن هذه الضحية، لم يكن معارضاً ولا متورطاً في العمل السياسي الحر لا سمح الله... بل إن كل ذنبه هو أن اسمه وجد في مفكرة هواتف أحد المطلوبين السياسيين... فتم استدعاؤه والتحقيق معه، ثم عاد بعد شهر علي هذه الحال الاكتئابية الحادة... وقد سكن الخوف أعماقه... وإلي الأبد!
صورة أخري للخوف نراها من خلال علاقة بطل العمل، الشاب الجامعي (منصور) مع أبيه... فهذا الأب المتسلط... القاسي... الشحيح... الذي يخلق في بيته أجواء أمنية سورية بامتياز من خلال اضطهاد الزوجة، وتحويل ابنته الصغري إلي مخبرة تتجسس علي أمها وأخيها، وسحق شخصية الابن الشاب... ينجح أيضاً في أن يجعل الخوف جزءاً من جهاز نطق ابنه وليس من شخصيته وهواجسه وتفكيره وحسب... فينشأ هذا الابن الموهوب الحساس، وهو يعاني عاهة لفظية ونفسية... ويختزن في وجدانه مشاعر الألم والقهر والغيظ المكبوت... من حياة تبدو مهشمة وخالية من الفرح تحت سلطة أبوية قاهرة....
ومن الغريب أن الأب يتحول في سلوكه الديكتاتوري الظلام هذا، بعد أن يقرر الابن أن يزور مشاعره تجاهه في المذكرات التي يكتبها عنها، والتي يعلم أن أباه يسعي للوصول إليها... فبعد أن يقرأ (أبو منصور) تلك المذكرات التي تفيض بالمديح والثناء وتمجيد حكمته وقوته وحنانه غير الموصوف، إلي جانب لوم الابن لذاته وتقريعها علي تقصيرها في إرضاء هذا الأب المثالي... تتبدل العلاقة ويسري الدفء الأبوي في نسيجها، فتتدفق بالمشاعر والهبات والأعطيات... إلا أن المشكلة الحقيقية تبقي هي في هذا الخوف الساكن في طفولة مهمشة سحقت بعنف وقسوة... ولم يستطع (منصور) أن يتجاوزها وينسي آلامها، حتي حين يقرر أباه أن يكتب له متجراً بقيمة عشرة ملايين ليرة سورية باسمه!
ومن أمثولة الخوف من الأمن... والخوف من الأب... إلي الخوف من زوجة الأب لدي الفتاة (لوليا) التي تقرر أخيراً أن تتزوج شاباً من أبناء جيرانها، لا تحبه، ولا تبادله أي مشاعر... كي تتحرر من خوفها من زوجة الأب... التي تبدو بدورها ضحية مفاهيم تسلطية وعاطفية مريضة!
إلي جانب ذلك يعرض (علي حافة الهاوية) مجموعة من الخطوط الدرامية لأزواج يعيشون حياة رتيبة حيناً، ومحاصرة بالقهر والعذاب اليومي حيناً آخر... وفي هذا البناء الذي يتخذه المسلسل شريحة درامية، تجتمع النساء في سهرات خاصة في بيت إحداهن للترويح عن النفس، وبث الشكوي والهموم... ويجتمع الرجال في مقهي أو في بيت آخر يلعبون الورق... ويلوكون أحاديث معتادة حول السخرية من عبئ الحياة الزوجية... أو التغني بحياة العزوبية... فيما الخواء يحفر خندقاً عميقاً حول الجميع.... حتي وإن أصاب بعضهم نجاحاً مهنياً أو عاطفياً محدوداً أو استثنائياً!
وفي الشارع الخلفي لهذه الدراما تبرز شخصية رجل مسن، يتردد علي حديقة عامة، ويتعرف إلي إحدي ساكنات البناء... فيحاول أن يبث عجزه من حياته المعطلة والسكنية بكثير من الأمل والتفاؤل الكاذب... الذي يبقي مجرد فكرة جذابة لا تخلو من بريق وعزاء... إلا أنها تنهار أمام واقع رتيب ممل، مصادر ومكبوت... إلا أنه يقف علي حافة الهاوية بشيء من الثبات كي يخفي حقيقة السقوط والانهيار... الانهيار الذي يصنعه الخوف... والقهر والرغبة في استنشاق نسائم الحياة العامرة بالحب والعافية والتي لا تسممها ارتعاشة الخوف في المظهر أو في الجوهر!
لم يسع المثني صبح كي يحمل العمل أبعاده السياسية... إلا في لمحات خاطفة... وقد آثر أن يغلب الاجتماعي علي السياسي، وهذا هو توجه النص أساساً... إلا أن كان بالإمكان تعميق الخلفية السياسية أكثر... ولو تجرأ علي ذلك كنا أمام تحفة درامية لها شأن آخر... لكن مشكلة المثني أنه أمين لمدرسة أستاذه حاتم علي، في الرؤية الرمادية للقضايا الحارة، وتحويل الفن إلي قضية جودة تقنية وإخلاص مهني وتحاشي التعبير عن وجهة نظر!
لكن يجب أن أوضح هنا، أن المثني صبح لم يكن مخرجاً بلا وجهة نظر في هذا العمل، لكنه أخلص لوجهة النظر الاجتماعية علي حساب السياسية... ويبقي هذا خياره الفني وخيار النص ربما.
ولابد أن يشيد المرء بالنجاح الفني الواضح لهذا المخرج الشاب، وهو يحشد مجموعة من الممثلين النجوم (الذين تصعب إدارتهم)، في أماكنهم المناسبة... وفي الوصول معهم إلي سوية عالية من الأداء الفني، والعمل علي إبراز تفاصيل شخصياتهم المركبة ذات البعد النفسي...
ويأتي في مقدمة هؤلاء دون شك (باسل خياط) في أدائه الرائع لشخصية منصور... إلا أن نجاح باسل في أداء شخصية مركبة بتقنية تمثيلية ماهرة، لا يجب ان يحجب عن أعيينا البساطة الرائعة التي كانت سمة أداء كل من قيس الشيخ نجيب وديمه بياعة... إلي جانب حساسية مرهفة وأخاذة لكاريس بشار، وحضور معتق بنكهة العراقة لسمر سامي في شخصية لعبتها بمزاج... وحضور حياتي متمكن لجمال سليمان، فضلا عن الأداء الممتاز للفنان حسن عويتي في واحد من أهم أدواره التمثيلية.
طبعاً لا يخلو (علي حافة الهاوية) من عيوب فنية عدة، لعل أبرزها حالة الترهل والتثاؤب التي تنتابه في الوسط... بسبب إصرار العقلية الإنتاجية التلفزيونية علي مسلسل من فئة الثلاثين حلقة، أو سوء توظيف الموسيقي التصويرية... التي بدت مزعجة ومشوشة في أحيان كثيرة... إلا أن المثني صبح، يقدم ـ خلا ذلك ـ أداء فنياً عذباً، ينطوي علي ذائقة واضحة من دون زخرفة بصرية نافلة ومجانية، ويقدم حلوله الإخراجية بإحساس عميق بالمعني والمشهدية الدرامية، وبقدرة واضحة علي صياغة عناصر الكادر التلفزيوني بانسجام وبتوازن واهتمام بالتفاصيل المؤثرة.
ويبقي (علي حافة الهاوية) عملا فنياً يسجل في رصيد مؤلفته ومخرجه والكثير من ممثليه... ويتحلي بشرف الاقتراب الصادق والشفاف من واقع يعيش ويترنح فعلا علي تخوم الهاوية!

دراما الصراع الإقليمي!

يجب أن يشكر صناع برامج تلفزيون الواقع في المحطات العربية، الاستعمار القديم والحديث علي أنه كرس واقع التجزئة والحدود السياسية والجغرافية في الوطن العربي... إذ لو كنا ـ لا سمح الله ـ أمة عربية واحدة... نحمل جواز سفر عربي موحد... لفشلت هذه البرامج فشلاً ذريعاً، ولما أمكن لهذا البرامج أن تظهر بهذه الحيوية والحماس القائم علي التعاطف القطري والإقليمي بين المتسابقين وأبناء بلدهم من المصوتين!
وأيضا... لما أمكن لنا أن نري في برنامج (الرابح الأكبر) علي قناة (أم. بي. سي) متسابقاً مصرياً يقول لزميلته السعودية (مخك زي الجاموسة) فترد عليه (إنت مصري معفن... وأنا بنت ناس) ويتوعد متسابق سعودي آخر لزميله المصري انتقاماً لإهانة ابنة بلده المشاركة في فريق الفتيات!
(الرابح الأكبر) حول سباق التنافس علي إنقاص الوزن... والإرادة في تحدي السمنة المرضية المعيقة للحياة... وهو تسابق يفترض أن يكون رابحاً بالفعل... إلي تنافس إقليمي قطري خاسر بكل المقاييس اللازمة ـ ليس للوحدة العربية ـ بل لبناء مستقبل عربي خال من السموم والأحقاد!

استحقاق الكفر بالديمقراطية!

أصدق وصف لما يحدث في لبنان اليوم، من مماحكات سياسية باتت مضجرة حقاً، ما قاله الإعلامي مارسيل غانم الذي استضافته وفاء كيلاني في برنامج الناجح (ضد التيار) علي قناة (روتانا) حين عبر عن اشمئزازه من ترهات السياسيين اللبنانيين... وتمني أن يقدم برنامجاً غير سياسي التوجه...
مارسيل غانم كان يتحدث بغضب وألم... وهو محق في ذلك... إذ لأول مرة تشعر الشعوب العربية التي لا تنتخب رؤساء جمهورياتها، وتتوافق بتلقائية تامة علي استفتاءات 99% وفواصلها... أنها تعيش في راحة بال... بل وفي نعيم وهي تشاهد ما يحدث في معركة الاستحقاق الرئاسي في لبنان... يعني بالمختصر المفيد: اللبنانيون خلونا نكفر بالديمقراطية... فليسامحنا وليسامحهم الله!
ناقد فني من سورية
mansoursham@hotmail.com