سيمضي
وقت – طويل أو قصير - قبل أن نتعرف على الأسباب الحقيقة
للهزيمة التي منيت بها الحركة الإسلامية الأردنية في
الانتخابات النيابية الأخيرة، وأحسب أن السقوط المدوي لغالبية
مرشحي الحركة وبعض رموزها الكبار، كان مفاجأة المفاجآت في
انتخابات ظننا مخطئين، أنها ستكون بلا مفاجآت.
هزيمة الإخوان ومرشحي حزبهم في الانتخابات، جاءت مركبة
بامتياز...فهم من جهة لم يحصلوا سوى على ثلث المقاعد التي كانت
لهم في المجلس السابق، بعد أن خسروا أحد عشر مقعدا منها،
وقائمتهم من جهة ثانية، لم يفز منها سوى ستة مرشحين بعد أن
عاند الحظ 16 منهم، وبعض الفائزين من قائمة الستة الناجحين،
يعد فوزهم أقرب إلى الخسارة، بعد أن حظي بأقل عدد من الأصوات
على مستوى المحافظة برمتها تقريبا (عمان).
بعد العشرين من تشرين الثاني / نوفمبر، لم يعد ممكنا الحديث
عمّا يمكن وصفه بمعاقل الحركة الإسلامية في عمان والزرقاء
وإربد، بعد أن حل الوافدون الجدد في المقاعد المضمونة
للإسلاميين في المجلس.
لا تكفي اتهامات الحركة للحكومة بالتزوير والتدخل والتغاضي عن
نقل الأصوات والصمت عن شرائها، فهذه العوامل جميعها، وبافتراض
أنها صحيحة بهذا القدر أو ذاك، تكفي لتفسير سقوط مرشح أو اثنين
أو ثلاثة، وفي دوائر معينة، ولكنها لا تكفي لتفسير ما يشبه
الانهيار الشامل الذي أصاب الحملة الانتخابية للحركة
الإسلامية.
وقبل الدخول في عرض التفسيرات المقترحة لهذه الظاهرة، تجدر
الحاجة لنقد نظرية "الطريق ذي الاتجاه الواحد" الذي روّج لها
بعض كتاب الظاهرة الإسلامية والتي تقول بأن شعبية هذه الحركة
ونفوذها تسير تصاعديا وفي طريق ذي اتجاه واحد، بخلاف المنطق
الذي يحكم مختلف الحركات الحزبية والإيديولوجية، فقد ثبت أن
الحركات الإسلامية هي حركات سياسية وحزبية بدورها، ومسألة
نفوذها وشعبيتها، تخضع لتقلبات السياسة والمزاج والبرامج
والظروف، وهي تسير في طريق ذي اتجاهات عدة، فيه منحدرات
ومرتفعات، منعطفات ومنحنيات وتحويلات، صعود وهبوط، تقدم
وتراجع، وخطوة للأمام وخطوات للوراء.
أما التفسيرات المقترحة لقراءة ظاهرة تراجع حتى لا نقول
انهيار، شعبية الحركة، فتبدأ بالإشارة إلى فقدان الحركة
لهويتها وموقعها ودورها، فالحركة في الأردن – شأن حماس في
فلسطين – تجلس فوق مقعدين، فلا هي قادرة على ممارسة دورها
الجديد المعارض، ولا هي قادرة على التخلي عن ذكريات التحالف
والشراكة الإستراتيجية مع النظام السياسي الأردني، لا هي قادرة
على الحفاظ على "مشية" الحمائم التي درجت عليها لسنوات وعقود،
ولا هي قادرة على تقليد قفزات "الصقور" التي طرأت عليها في
المنقلب الثاني من تسعينيات القرن الفائت، وكانت النتيجة أن
خاضت الحركة الانتخابات بقدمين، واحدة للأمام وأخرى للوراء،
وكانت المراوحة وبالا على الحركة ومرشحيها.
وفي ظني أن ترجع الحركة الإسلامية في الأردن، غير المسبوق منذ
انطلاقة ما يسمى بـ"الصحوة الإسلامية" هو جزء من تراجع عام،
شهدنا نتائجه في انتخابات المغرب، وفي أداء حماس المكلف
للإخوان في مختلف أماكن نفوذهم، وفي أداء الحركات الإسلاموية
المدمر في العراق، وفي دورها الطوائفي والمذهبي في لبنان، وفي
تداعيات أنشطة القاعدة والسلفية الجهادية في كل مكان، وما يسمى
بـ"الصحوة الإسلامية"، يبدو أنها بلغت ذروتها، وأخذت تتدحرج
على منحدر الهبوط والتراجع الذي انزلقت عليها من قبل حركات
قومية ويسارية وماركسية.
ولا يمكن تفسير تواضع النتائج التي حصلت عليها الحركة
الإسلامية، من دون العودة إلى التحولات التي يشهدها "مجتمع
الأردنيين من أصول فلسطينية"، حيث النفوذ الأساسي لهذا الحركة،
وقد تميّز هذا "المجتمع" بالابتعاد أكثر فأكثر عن العمل العام،
والتصرف بعقلية "الجالية" لا المواطنين، بعد سنوات من التهميش
السياسي وضعف التمثيل، بحيث انتهينا إلى تعريف جديد لدور بعض
الدوائر وبالأخص المخيمات، باعتبارها خزانات احتياطية للأصوات
القابلة للتجيير والنقل والبيع والشرائع لمن يمتلك الواسطة
والنفوذ والمال.
كما لا يمكن تفسير الهزيمة التي منيت بها الحركة الإسلامية،
بمعزل عن الدور المتزايد الذي أخذت تضطلع به فئة جديدة من
المرشحين الذي يهبطون إلى العملية الانتخابية بالمظلات، مدججين
بمئات ألوف الدنانير، ومن دون أن تكون لهم أي خلفية من أي نوع،
هؤلاء وبقليل من التسهيلات وغض النظر وسد الآذان وإغماض
الأعين، أصبحوا قوة "تدخل سريع" أو "رأس جسر" قادر على إلحاق
الهزيمة برجالات السياسة والفكر بصرف النظر عن مرجعياتهم
ودوائرهم، ومن الآن وصاعدا، سيتصدى هؤلاء عن وعي أو من دونه،
باستقلالية أم بالتنسيق مع بعض دوائر الدولة، لإحباط مرامي
القوى السياسية – خصوصا المعارضة – في الوصول إلى قبة
البرلمان، وستكون لديهم الفرصة لذلك، من دون أن تضطر الحكومة،
أي حكومة، لتلويث يديها أو سمعتها بشبهة التدخل في الانتخابات
أو ممارسة التزوير لإرادة الناخبين.
هي محاولة أولية لفهم ما جرى، أحسب أنها بحاجة لمزيد من
التنقيح والتوضيح


