من المفترض أن تعقد اللجنة العربية للسلام اجتماعها على مستوى وزراء الخارجية العرب في 23 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري لاتخاذ موقف عربي موحد في شأن اجتماع " آنابوليس " الدولي للسلام. ويأتي هذا الانعقاد بعد تبنّي الوزراء العرب، في الدورة العادية لمجلس الجامعة في أوائل سبتمبر/أيلول الماضي، قرارا رحب بـ " العناصر الإيجابية " التي تضمنتها دعوة الرئيس الأمريكي، والتي " يمكن البناء عليها وخاصة ما يتعلق بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية ". ودعا إلى " تأييد عقد مؤتمر دولي بحضور الأطراف المعنية بعملية السلام كافة، وفقا للمرجعيات المتفق عليها، بهدف إطلاق المفاوضات المباشرة على جميع المسارات، والبناء على ما تم إنجازه في هذا الشأن ".  كما تضمنت وثيقة " اللاورقة "، التي توافقت عليها الدول الأعضاء في لجنة تفعيل مبادرة السلام العربية في اتصالات ديبلوماسية، اشتراط جدول زمني لا يتجاوز سنة من عقد المؤتمر لتحقيق تقدم ملموس في العملية التفاوضية وأن " يعالج المؤتمر جميع القضايا بما فيها المسائل النهائية "، وتشكيل " آلية لمتابعة تنفيذ النقاط المتفق عليها ".

وفي الجانب الآخر، ثمة مؤشرات عديدة على أنّ إسرائيل تريد تفريغ الاجتماع من مضمونه، إذ أنها لا تتحمل وجود دولة فلسطينية مستقلة على حدودها، لذلك فإنّ تصورها يقوم على أحد خيارين: أولهما، أن تأتي الدولة الفلسطينية مسخا مشوها، ليس لها ميناء مفتوح ولا مطار مستقل، ويستحسن أن تكون منزوعة السلاح محدودة التأثير مغلولة اليدين، ولا مانع من إعطائها بعض رموز الاستقلال الشكلي بعد ذلك في محاولة لتزييف الواقع وتمرير المشروع الإسرائيلي الخبيث. وثانيهما، إلقاء مسؤولية غزة على الجانب المصري ومسؤولية الضفة الغربية على الأردن.

كما أنّ بدعة الاعتراف أخذت منحى جديدا، مع إصرار الحكومة الإسرائيلية على أن تكون مرجعية الاجتماع، مع انطلاق المفاوضات، ضرورة اعتراف الفلسطينيين بـ " يهودية إسرائيل وهو ما يحمل في طياته مآسي من نوع آخر، فاعتراف كهذا سيؤدي إلى تهجير جديد للفلسطينيين ممن صبروا على ظلم المحتل الصهيوني ولأفظع صوره لأكثر من نصف قرن.

كما أنّ شبح الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران يبدو ماثلا في نتائج معظم التحليلات الاستراتيجية، مما يطرح سؤالا جوهريا: هل يمكن أن يؤدي اجتماع " آنابوليس " الدور في التفاعلات السياسية والاستراتيجية، فيغير النمط السائد في التفاعل بين المشروعين الأمريكي والإيراني والذي يؤدي إلى تفجير المنطقة ؟  وبذلك مطلوب من العرب أن يدفعوا الثمن مرتين: في شكل التطبيع مع إسرائيل، وفي الانجرار إلى مخطط الإدارة الأمريكية لضرب إيران، مع كل المخاطر الأمنية والاقتصادية والعسكرية المؤكدة جراء ذلك.

وعليه، فإنّ العرب أحوج ما يكونون لإعادة صياغة موقفهم التفاوضي على أساس المبادرة العربية للسلام، لأنّ إسرائيل لا تحقق أهدافها ولا تنفذ مخططاتها بسبب تفوقها فقط، ولكن لأنها تستغل أخطاءنا وتتسرب عبر ثغراتنا، كما أنها أصبحت تفهم جيدا طريقة تفكيرنا وتتوقع ردود فعلنا، بل إنها تشعر أننا تعودنا على ارتكاب الأخطاء وابتلاع الهزائم. هناك ضرورة عربية للتمسك بالمبادئ الأساسية للتسوية، وفقا للشرعية الدولية المتمثلة في القرار 242، وأن تكون حدود 1967 هي الأساس الذي تقوم عليه هذه التسوية، وتأكيد تفكيك المستوطنات، وتنفيذ المبادرة العربية بمنطلقاتها المحددة، والاتفاق على الشكل النهائي للتسوية.

ويبدو أنّ الطريق الوحيد المفتوح أمام العرب هو أن يعودوا لتشكيل قوة عمل مستقلة في السياسة الإقليمية، بما يسمح لهم بتغيير الموقف الاستراتيجي في المنطقة على نحو يفكك الموقف المتفجر ويضغط على الإدارة الأمريكية لتبنّي صيغة مقبولة للسلام العادل في المنطقة. ولا يمكن للعرب الأخذ بهذا الطريق إلا بإعادة بناء التوافق الاستراتيجي العربي، وخاصة على المحور المصري - السوري - السعودي - الفلسطيني، مع إسناد قوي من جانب بقية الدول العربية.

وفي هذا السياق، فإنّ بعض الأطراف العربية، وتحديدا سورية، يجب أن تعيد النظر بشكل جذري، في أسلوب تعاملها مع الشرعية العربية، ويجب أن تكف عن أسلوب " المناكفة " وأن لا تستخدم " تحالفات " ضارة ضد المحيط العربي، إذ يجب أن يرتبط الأمن السوري بالأمن العربي.

كما من المفيد أن نلاحظ التردد العربي تجاه مسألة حضور الاجتماع، والحديث عن احتمال تأجيله إلى وقت آخر تتوفر فيه ظروف أفضل. فالعرب لا ينبغي أن يكونوا جزءا من مظلة تريدها أمريكا وإسرائيل، بل جزءا أساسيا من حل شامل يعرف الجميع شروطه، ولكنّ إسرائيل، بالدعم الأمريكي، تواصل الهروب من استحقاقاته. وحتى تقطع القيادة الفلسطينية الطريق على الكمائن الإسرائيلية، فإنها تستطيع أن تعلن، بدعم عربي واضح، أنها سوف لن تحضر الاجتماع إلا إذا أعلنت إسرائيل وقف كل أعمال الاستيطان وتشكلت لجنة دولية لمراقبة الالتزام بهذا القرار.

كما أنّ فهم العرب لطبيعة المتغيّرات الدولية وإدراكهم للأبعاد الإقليمية ينبغي أن يكونا دافعا للمرونة المبدئية، إذ أنّ إسرائيل لم تشهد من العرب، طوال ما يزيد عن نصف قرن من الصراع، سوى التراجع بحجة التقدم، والتنازل بحجة الاعتدال، والتخلي عن مصادر القوة بحجة قوة السياسة والديبلوماسية، حتى خسروا معظم أوراقهم أو كادوا.

ومن المؤكد أنّ جوهر الموضوع هو تحرير الأراضي العربية المحتلة، وليس تسجيل نقاط جديدة حول الطبيعة العدوانية لإسرائيل،‏ كما أنّ أصل المشكلة هو تحقيق الاستقلال الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية‏.‏

إنّ الطريق إلى " آنابوليس " هو فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار لكرامتنا القومية ولمكانتنا الإقليمية، فالتطورات الإقليمية المحيطة  لايجب أن تكون بلا فعل عربي، بل يجب أن تكون تحت واقع التأثير العربي إذا ما أردنا ألا نكون " شهود زور " على تصفية قضية وطن و حضور أمة.

 

تونس  في 18/11/2007                   الدكتور عبدالله تركماني

                                       كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

( * ) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 22/11/2007.