إلى كل من آمن بالحق و ناضل من اجله.
كل من قاوم ادلجة الدين باعتبارها منكرا.
كل من صمد على موقفه من اجل أن يصير الإنسان إنسانا و لا شيء آخر.
محمد الحنفي
مقدمة :
كثيرا
ما تملأ أسماعنا مقولة "الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر"
فنضطر إلى القول بأن الأمور ستسير في الطريق نحو سلامة
المجتمع من كل الأمراض الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و
المدنية و السياسية، لكونها تتنافى مع تحقيق كرامة الإنسان
التي هي الملاذ الذي تسعى البشرية إلى الوصول إليه . غير أننا
نسقط في متاهة اللاتحديد فلا ندري ماذا نعني "بالمعروف" ، ولا
ماذا نعني " بالمنكر" نظرا لعمومية اللفظين ولنسبية المدلول ،
كما لا ندري من هو " الآمر" ولا من هو الناهي ؟ وهل يمكن لكل
إنسان وكيفما كان مستواه أن يقوم بعملية الأمر وبعملية النهي ؟
إننا أمام إشكالية ستبقى قائمة – كما كانت – منذ وجد مفهوم "المعروف" و مفهوم" المنكر" وهذان المفهومان يقتضيان منا معالجة جديدة مخالفة لما ورد في التفاسير المختلفة للقرآن الكريم، وفي كتب الفقه وفي العديد من الكتب التي تسمي نفسها إسلامية ، نظرا لما لحق هذين المفهومين من تحريف يستهدف مصلحة الحكام من جهة ومصلحة فقهاء الظلام و مؤدلجي الدين الإسلامي ، لأنه حسب هؤلاء على تنوعهم وتلونهم , فالمعروف هو ما ناسب خدمة مصالحهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية . والمنكر هو كل ما ناهض تلك المصلحة وعرقل خدمتها . ولذلك نجد أن هؤلاء يوظفون كل أشكال الإرهاب المادي والمعنوي لتحقيق " المعروف" والمحافظة على وثيرة أدائه ، ولمنع المنكر الذي يعرقل أداء المعروف. وحتى نكون في عمق الصورة ، فإننا نتناول هذا الموضوع من خلال تشريح مفهوم المعروف ، ومفهوم المنكر , والغاية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ونسبية المعروف ونسبية المنكر، وعلاقة المعروف والمنكر بالقيم السائدة في المجتمع والغاية من ادلجة المعروف والمنكر ، ومعيار الادلجة ، وضرورة تحديد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و آفاق التوظيف الإيديولوجي للمعروف والمنكر .
وما العمل من اجل جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في خدمة المجتمع ؟
ونحن عندما نتناول هذه الفقرات فلأجل أن نقف بالتحليل الملموس لواقع" الأمر بالمعروف" و"النهي عن المنكر" حتى نتبين أن هذا المفهوم الذي استهلك كثيرا لقرون كثيرة لازال يراوح مكانه، ولازال لم يتحدد بعد حتى يأخذ طريقه إلى التمهيد لتجسيد القيم النبيلة التي تجعل الحاجة إلى الأمر"بالمعروف" والنهي"عن المنكر" غير واردة لالتزام الناس بالمسلكية الهادفة إلى تحقيق كرامة الإنسان . فتحديد المفهوم، لا إلغاؤه صار شرطا لتجنب الخلط والتضليل حتى يتبين للناس ما يجب عمله ، وما هو البرنامج الذي يجب اتباعه لتقويم المسلكية العامة، وما هي الأسس التي يجب اعتمادها لوضع ذلك البرنامج. لأن زمن الأمر والنهي الذي كان سائدا في المجتمع المتخلف والتقليدي ، والطفولي لم يعد واردا في زمن صار فيه التعلم يقطع أشواطا كبيرة ومتعددة المستويات ، ومختلفة النسب ، فما صار واردا هو الإعداد التربوي للأجيال وفق برنامج محدد وواضح المعالم والبنود ، والمراحل ، والأهداف الإجرائية والعامة ، والغايات الكبرى وعلى جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية.
مفهوم المعروف ومفهوم المنكر :
إننا إذا أردنا آن نقف على حقيقة مفهوم المعروف ومفهوم المنكر علينا أن نفرغهما من مضمونهما الديني الذي حكمهما منذ نزول القرءان والى يومنا هذا. ذلك المضمون الذي اكسبهما إمكانية استغلالهما عن طريق ادلجتهما من قبل مؤدلجي الدين الإسلامي سواء كانوا مسيطرين على أجهزة الدولة أو كانوا يسعون إلى السيطرة عليها.وسواء عاشوا في الزمن الماضي أو في الحاضر . كما يجب أن ننطلق من كون مفهوم المعروف ، ومفهوم المنكر هما مفهومان نسبيان ، وليسا مطلقين حتى نتبين أن مدلولهما يختلف من زمن إلى زمن آخر ، ومن مكان إلى مكان آخر . بالإضافة إلى أن مدلولهما لا يرتبط بالممارسة الفردية المعزولة، بقدر ما يرتبط بها في علاقتها بالممارسة العامة للمجتمع.ولذلك نجد أن مفهوم المعروف يستدرجنا إلى القول بأنه كل ما تعارف الناس على قبول فعله والقيام به انطلاقا من الشروط الموضوعية القائمة في بلد معين وفي زمن معين، فادا تغيرت الشروط ، وتغير المكان و الزمن ، فان ما يصطلح على تسميته بالمعروف قد يصير غير معروف ، إن لم يصر منكرا.وحسب هذا الفهم الذي نرجحه فان المعروف لا يكون واجبا، و لا يقوم به الناس استجابة لأمر معين... بل يقومون به باختيارهم انطلاقا مما هو سائد من عادات وتقاليد و أعراف في بلد معين، وفي مجتمع معين، وفي زمن معين لان العادات والتقاليد والأعراف تختلف باختلاف البلدان والمجتمعات و الأزمنة .
و المعروف يعتبر معروفا أيضا لكونه يخدم مصالح المجتمع، ويلبي حاجاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية كما هي متعارف عليها انطلاقا من الشروط الذاتية ، والموضوعية لمجتمع معين ، وفي بلد معين وفي زمن معين حتى يلعب دوره في عملية التطور الشاملة لمجمل حياة الناس، ويساهم في عملية الانتقال من تشكيلة اقتصادية اجتماعية إلى تشكيلة اقتصادية اجتماعية أخرى قد تختلف فيها علاقات الإنتاج التي تؤدي إلى اختلاف العادات والتقاليد و الأعراف ، فيتغير مضمون المعروف لان ما كان يناسب التشكيلة الاجتماعية السابقة لا يناسب التشكيلة الاجتماعية اللاحقة.
أما المنكر فهو اسم مفعول من أنكر ينكر إنكارا بمعنى اقر بعدم معرفته بشيء معين ، ولعدم صلاحيته للوجود ولذلك فالناس لا يقومون إلا بالأفعال التي يعرفونها ، أما الأفعال التي لا يعرفون عنها شيئا، فيتجنبون القيام بها . وبالنسبة للمفهوم المتداول فالمنكر كل ما اتفق الناس على عدم القيام به لعدم مناسبته لهم، أو لكونه يقف وراء إحداث أضرار اقتصادية و اجتماعية معينة في مجتمع معين و في بلد معين و زمن معين. و انطلاقا من العادات و التقاليد و الأعراف السائدة في ذلك المجتمع. و انطلاقا من هذا التحديد فالمنكر مسألة نسبية كما هو الشأن بالنسبة للمعروف، لأن ما كان منكرا في بلد معين و في زمن معين قد لا يكون كذلك في زمن آخر في نفس البلد لاختلاف الشروط الموضوعية التي تحكمت في قيام ذلك المفهوم، و في تحوله.
أما المفهوم الديني للمعروف و المنكر فيتصف بالاطلاقية و لا يعترف بتغير الأمكنة و الأزمنة. كما لا يعترف بالشروط الموضوعية، فما ناسب ما جاء في النص الديني فهو معروف أو منكر، و ما لم يناسب ما جاء في النص الديني فهو ليس معروفا، أو ليس منكرا. فهو يخضع لدينامية أخرى إنها دينامية التجربة. و النص الديني الذي أريد له أن يكون مطلقا، هو نفسه الذي يعترف بنسبية الأشياء، و إلا فلماذا أسباب النزول؟ و لماذا الناسخ و المنسوخ ؟ لماذا نجد في القرآن مثلا : قول الله " و من الثمرات و النخيل و الأعناب تتخذون منه سكرا و رزقا حسنا" و قول الله " لا تقربوا الصلاة و انتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون" و قول الله "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون" فالنسبية في هذه الأقوال حاضرة و لا ينكرها إلا متعصب.
و الاطلاقية التي أريد للنص الديني أن يتصف بها هي التي تعطيه إمكانية التحول إلى سلطة قاهرة على يد من ينصبون أنفسهم رجالا للدين، و الذين يختلف فهمهم للنص الديني من زمن إلى آخر و من مكان إلى آخر مما يؤكد تلك النسبية و يكرسها.
و تلك السلطة التي صارت سلطة مطلقة هي التي اعتمدها بعض الناس فحولوا مفهوم المعروف و مفهوم المنكر إلى تعبير عن المصالح الطبقية لطبقة معينة، أو لمجموعة من الطبقات الاجتماعية حتى يرتبط المعروف بما يخدم مصالح تلك الطبقة أو هذه ، و المنكر هو ما لا يخدم تلك المصلحة. و المعروف في النص الديني يرتبط بالأمر ، والمنكر يرتبط بالنهي . فما هو الأمر ؟ و ما هو النهي ؟
إن الأمر بصفة عامة هو مجرد صيغة يمكن أن تفيد معاني مختلفة باختلاف السياق الذي وردت فيه، و يذهب الأصوليون (علماء الأصول ) الذين يشتغلون على علم أصول الفقه أن الأمر إذا ورد في القرآن أو في النص الديني يفيد معنى الوجوب، و الوجوب حسب هؤلاء هو كل ما يجازي القائم به و يعاقب تاركه.
و كذلك الشأن بالنسبة للنهي، فهو مجرد صيغة يمكن أن تفيد معاني مختلفة بحسب السياق الذي يرد فيه و يرى الأصوليون أن النهي في النص الديني و في القرءان يفيد معنى وجوب عدم القيام بالفعل موضوع النص و حسب هؤلاء الأصوليين فالنهي هو كل ما يجازي المرء على تركه و يعاقب على فعله.
و نظرا لطبيعة الأمر و النهي في النص الديني حسب ما يراه الأصوليون، فإن الذين ينصبون أنفسهم "رجال الدين" يستغلون هذه الطبيعة لفرض سيادتهم على المجتمع باسم الدين الأمر الذي يحول الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى مجرد وسيلة لتحقيق مصالح طبقية معينة، و لفرض التقرب من الحاكمين المؤدلجين للدين الإسلامي، فيتحول الأمر بالمعروف و النهي و المنكر إلى وسيلة لتكريس الاستبداد بالمجتمع. و إرهاب الناس بواسطة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، الذي يتحول إلى مجرد تعبير عن مصالح الطبقة الحاكمة. و بالنسبة لمؤدلجي الدين الإسلامي يصير الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر تعبيرا أيديولوجيا مساهما بشكل كبير في تجسيد المصلحة الإيديولوجية لمختلف التيارات المؤدلجة للدين بصفة عامة، و المؤدلجة للدين الإسلامي بصفة خاصة . و لتصير ادلجة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وسيلة لانتاج استبداد يميني متطرف بالمجتمع.
و حتى نتجاوز إشكالية تحديد المفهوم ، فإن الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها تتحدد في :
1) أن مفهوم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مفهومان نسبيان.
2) أن مفسري النص الديني يعملون على تكريس إطلاقية المفهومين، و كأن الواقع ثابت لا يتغير.
3) أن هذين المفهومين يستغلان لبسط سلطة رجال الدين في المجتمع، و لاستغلال تلك السلطة لحماية المصالح الطبقية، و تنمية تلك المصالح.
4) أن هذين المفهومين يصيران وسيلة لتكريس الاستبداد بالمجتمع.
5) أن مؤدلجي الدين الإسلامي يحولون مفهومي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى ممارسة أيديولوجية تستغل لنسج استبداد متطرف بديل بالمجتمع.
و في نظرنا فالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يجب أن يتحول إلى ممارسة تربوية على حقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في إطار مجتمع حر و ديمقراطي و عادل تشرف على تدبيره دولة الحق و القانون، فيصير مفهوم المعروف هو كل ما تلاءم مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و المنكر هو كل ما لم يتلاءم مع تلك المواثيق من دستور و قوانين اجرائية تشرف أجهزة الدولة على تطبيقها في الحياة العامة، باعتبارها دولة الحق و القانون. لتنتفي بذلك الحاجة إلى الأمر و الحاجة إلى النهي، لأن المتشبع بالتربية على حقوق الإنسان يعرف ماله فيسعى إلى التمتع به، و ما ليس له فيعمل على تجنبه. و لأن دولة الحق و القانون تشرف على تطبيق القوانين المتلائمة مع المواثيق الدولية.


