مثقف يرى العالم بعين واحدة
لقاء ـ دجيتالتي ـ بين مثقف عراقي ذي عينين وطنيتين سليمتين، ومثقف امريكي مستاء من السياسات المتغطرسة لبلاده، له عيون تشبه عيون كاميرا مايكل مور، وجاذبية كالتي عند جين فوندا، وعمق انساني كعمق شخصيات همنغواي!
يحاول هذا الامريكي المشبع بالثقافة الانسانية ان يعبر عن المآسي التي تجترحها جحافل الشر الزاحفة على دواخل الانسان في بلاد العم سام والسائحة بهرولة قل نظيرها وبكل الاتجاهات الاربعة عموديا وافقيا، في الارض وما حولها من سماء، نحو حتفها او ذروتها او الاثنان معا، فالاثنان وجهان لعملة واحدة اسمها طريق النهايات المدورة!
هذا الضمير الامريكي الواعي والانساني يدرك عمق المأزق، عمق الزيف والوهم والخداع المغلف بحلم لم يكن مشروعا ابدا منذ ان صرخ اول هندي احمر من رصاصة انطلقت من منطلق البقاء والحياة للاقوى، لم يكن هذا الحالم يألف ما يفعله، فكان حلمه قاتل لكل الاحلام العذرية لسكان فيافي امريكا الاوائل والذين كانوا يمنون انفسهم بقوس قزح مذهل بسطوعه ومداه!
هذا الوعي الانساني العابر للحدود والمتشابك في جذور واصول المعرفة، يعرف ان جحافل الشر المنطلقة من بلاده كجراد بربري نهم للدماء والنفط والاصداء، قد اسرع لملاقاة حسابه، فاضلاع المثلث الذي يشكله العراق هي قفص نابض لقلب الحقيقة التي تكمن بها الحكمة والبداية والنهاية، وهو للعابثين مثلث يشبه برمودا، ثقب اسود لا يخرج منه شيء كما دخل او كما يريد ان يخرج، هذا اذا خرج!
هكذا وعلى مر الدهور والاحقاب والعصور، بلاد سرها هو بوصلة المسار، وهي لبه، ومن يدخل مجالها بحب تحبه وتمنحه بريقها، ومن لا يعرفها ولا يحبها ويأتيها شرا لا تحبه وتعمده بلعنتها والى يوم الدين، هكذا فعلت مع الاوئل وهكذا هي فاعلة مع المتأخرين، المتقدمين..!
يحمل هذا المثقف الانسان همه مرددا عبارات مدوية عسى ان تلقى صدى قبل فوات الاوان!
العراق يحتل امريكا! العراق يحتل امريكا! العراق يحتل امريكا!
ماذا تقول؟
اقول ما تسمع!
واخذ الامريكي يردد :
جئنا اليه ام جاء الينا؟
فضحناه ام فضحنا؟
تورطنا به ام تورط بنا؟
يختصر فينا كوابيسه ام نختصر فيه ما فينا؟
انتصر علينا ام انتصرنا عليه؟
معادلة لا يعادلها الا التجاوز :
خائف لكنه ليس بجبان، وجبان ليس بخائف!
المثقف العراقي ذو العينين الوطنيتين السليمتين، والضمير الانساني المعذب، يخاطب زميله الامريكي قائلا : تيقن يا زميلي ان الذين يأتونكم باثواب الثقافة الخانعة من العراق ليسوا سوى تجار، ومرابين بعراقيتهم وثقافتهم، وهم يحملون ما يدل عليهم وعلى عورهم الذي يفضحهم اينما ذهبوا!
تسائل معي كيف يتسنى لهم تسطير ما يدجلون به على الثقافة وهم يدوسون على الحقائق المشتعلة في مسقط الراس الذي هربوا منه وراحوا يحرضون عليه؟
الامر سيان بين امرين، احدهما العبور نحو التيه المعلق براحة السمسرة، والثاني هو الخواء لجفاف ينابيع جذورهم وتصحر ضمائرهم!
ان ثقافة النعام هي ثقافة غريبة عن العراق واهله، وثقافة الاستقواء بالاقوى والابطش هي مستحقره عند الاهالي!
عندكم كنعان مكية وعندكم ليث كبة، وتردد عليكم منذر الفضل وابراهيم الزبيدي وفالح عبد الجبار وغيرهم من اصحاب الثقافة العوراء، هؤلاء ليسوا منا وثقافتهم ليست ثقافتنا!
قال له المثقف الامريكي : اذن قل ما تراه انت، وقل ما تريد وبطريقتك، قل وافترض اننا هنا جميعا لا نعلم شيئا!
فتكلم ابن العراق قائلا :
ينظر المتسلطون فيكم الى العالم من منظار مركزي يحتقر العدل الذي يشكل جوهر الديمقراطية الحقة، ويستخدمون الساتر الديمقراطي ذاته لاغراض تجافي ابسط معاني الديمقراطية، واذا كانت تنظيرات كيسنجر ومنذ سبعينيات القرن الماضي قد بلورت خرائط لخطوط السير الامريكي على طريق أمركة العالم، ولجعل القرن الحالي قرنا امريكيا بامتياز، فانه قد عاد لاحياء تراث ليس بالغريب حيث لا فرق بين الماضي والحاضر فالجوهر هو ذاته جوهر النزعة التي حركت اصابع اليانكي الاول وجعلته يضغط على الزناد ليطلق اول رصاصة على صدر غير محارب من السكان الاصليين في الايام الخوالي!
ستراتيجيات عزل وتقطيع العالم وخاصة بلدانه المكتنزة بالخامات الحيوية، هي هي، ومهما تغيرت ازياء الادارات فالمضامين هي واحدة، لقد كان للانهيار السريع للاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي دوره في اطراد التسارع الامريكي لاحتواء العالم، وملاعبته على قرن واحد، وقطب واحد ونمط واحد، هذه الوحدانية التي هي من اللد اعداء الديمقراطية الانسانية، انها هي العقيدة المسيرة لجحافل الغزو والاستعباد المخملي!
صحيح ان هذه سمات اغلب الامبراطوريات المتوغلة بالانتشار وعبر التاريخ، لكنها جميعا لم تكن تمتلك هذه القدرات، فائقة الفتك كونيا، انها مدججة بقوى خارقة حارقة يمكنها ان تعيد تاريخ البشرية الى الوراء البعيد او الى دون الوراء وبلمح البصر، حتى انها قادرة على الاخلال بتوازن الطبيعة الارضية وما يحيطها ـ من اغلفة غازية ونسب تجاذب مع النجوم والكواكب ـ فالجرم الامبراطوري الامريكي هو جرم كوني، في حين ان كل جرائم الامبراطوريات السابقة هي ارضية محدودة التاثير!
ان الاناء ينضح بما فيه، وهكذا فان اناء الامبراطوريات السابقة كان محصورا وغير منفلت كما هو حال امبراطورية الانفلات غير الخلاق!
اذا اخذنا بقانون الفيزياء الميكانيكية، والقائل بان لكل فعل رد فعل يساويه بالمقدار ويعاكسه بالاتجاه، فانه سوف يتوقف عن العمل في مجال كهرومغناطيسي لحركة متوالدة من تفاعل اشكال محدثة بالحث والانشطار والتجريب البيوكيميائي الذي تتسع دوائره باطراد غير مسبوق، انه مناخ لشذوذ بمتوازيات بيلوجية وبالتالي اجتماعية بكل ما فيها من اجترارات وتشويهات غير مألوفة ويصعب بل يستحيل احيانا التحكم بعواقبها غير الانسانية، انها محكومة بمنطق ذاتي تتناقض فيه ارادات عمياء مع تجريب تسوده روح الاستحواذ المتهورة!
قواعد البقاء للاصلاح والاقوى، والازاحة البناءة، كلها مسلمات لم تعد مضمونة، فالطبيعة لا تحاصر بقرارات من البيت الابيض او مجلس الامن، ومن لديه شك في هذا عليه ان يتذكر فقط اعصار كاترينا!
نعم للراسمالية وظيفة تاريخية كطور بشري للمعاش الانساني، وظيفة لا يمكن ان تؤديها الا باعتمادها على المنافسة المدمرة بحدود المجتمع وطبقاته وصراعات الاسواق وحروبها التي ذاقت البشرية طعمها المر في الحروب العالمية الاولى والثانية، ولكن انحرافها نحو منافسة لا حدود تدميرية لها كونيا وبيولوجيا واجتماعيا امر يستدعي كبح جماح تلك المنافسة العدمية التي ترتقي لمنزلة الاوهام الكلية وهنا لا مكان للمنزلة بين منزلتين، فاما البقاء او الفناء، والفناء بطبيعته كما البقاء ليس مطلقا، وربما يكون للسلالة الانسانية الارضية فقط، وهذه بحد ذاتها ام الكبائر!!
مقاومة العراق استثارة للصحوة الانسانية
العصى والجزرة
ـ حصار شامل، قتل شامل، حرب شاملة، دمار شامل، بذريعة اسلحة للدمار الشامل، ثم احتلال شامل تقسيم شامل ونهب شامل ـ حتى الجزرة هي طعم لتلقي العصى!
في بلاد لا يخدعها الجزر لانها تزرعه، وفي بلاد تقرأ الطالع بماي كفي لامة الثقلين ويزيد، وفي بلاد هي حجر الزاوية لاحجار حارة الشرق الاوسط، وفي بلاد موشورها يحلل الاسود الى كل الوان الطيف الشمسي، يصعب ويصعب حتى الاستحالة بيعها الهراء والهذيان الامريكي!!
يا عزيزي الامريكي الانسان، قتل منا الملايين منذ حصار الطغمة الامريكية الجشعة البشعة والخاوية الوفاض من كل قيم الانسانية حيث لا حواجز لجرائمها، واصبح القتل وعن قرب منذ 9 نيسان 2003 وحتى الان، عشعش الخراب في كل شيء من بلادي، واخطر انواعه هو محاولة تخريب قيمه وهويته وعقله وثقافته!
طواعين وقتل عشوائي واغتصاب ويورانيوم منضب وغير منضب وسجون تهان بها ادمية الانسان وحتما قد سمعتم شيء عنها من خلال تسريبات الاعلام عندكم لفضائح ابو غريب، نهب فساد، حتى فر الملايين من تداعيات الجحيم الامريكي في العراق، وبعد كل هذا ورغم كل هذا فان شعبنا لم يخنع ويواصل مقاومته التي تعني بالنسبة له الحياة بكرامة وانسانية، فراحت امريكا تنتقم من فشلها بالايغال بتمزيق العراق وشعبه!
يتعاملون معنا وكأننا بشر محلل قتله واذلاله، لكنني اطمئنكم ان مقاومة شعبنا نكست راياتهم البربرية وكبدتهم افدح الخسائر وهي بتصاعد متواتر، وسنجعلهم يقرون ببطلان اسطورة تفوقهم الكاذب!
احبائي تريدون الحقيقة فاذهبوا الى مخيمات اللاجئين في سوريا والاردن، اذهبوا الى المستشفيات العراقية، اذهبوا الى المدارس العراقية، اذهبوا الى البيوت العراقية، اذهبوا الى المصانع العراقية، اذهبوا الى المقاهي العراقية، اذهبوا الى السجون العراقية، صدقوا بما تراه اعينكم ولا تصدقوا بما يقوله لكم مقاولو ثقافة الدولار!
بلاك ووتر، ماء اسود تمطره الاشباح الطائرة كالنسور على ساحات بغداد وعلى رؤوس المارة حيث تنثر قطراته رصاص اسود!
لا يريدون ان ينظر العراقي للسماء يريدوه ان يخفض بصره للارض والارض فقط!
شيوخ امريكا تشيخ على شكل ومحتوى العراق، فتشخ عليه قوانينا ما انزل الله بها من سلطان، مرة تحرره من الحياة، ومرة تقسمه، واخرى قد تضمه اليها كولاية من ولايات ما وراء البحار!
آلهتكم ايها الامريكيون عوراء!
ودولاركم صك غفران لجنة وهمية، خالية من الروح، ومعبدكم يهتز مع كل انهيار في اسعار البورصة بوصلة العبودية المطلقة!
لقد حلم يسوع بعالم خالي من الربا، واول ما حطمه بيده هو بورصة المرابين عبدة الشيطان، شيطان الجشع والجريمة والاستغلال!
فبأي نبي تعتصمون؟
لا تصدقوا المرابين، صدقوا الانسان فيكم، انقذوا انفسكم واولادكم من جحيم الطريق المسدود، واقتحموا الاسوار وانعتقوا بارواحكم من العابثين بها!
اما نحن فسنكذب المعورين من مثقفينا بإشهار الحقيقة حتى لا ندعهم يخدعوا الناس والعالم!
نماذج من ثقافة الدولار الاعور في بلادنا
- ثمن كل مقالة تجمل الاحتلال الامريكي في العراق من 100 ـ 500 دولار وحسب اهمية الاسم وحجم المقال ومكان نشره!
- كل وسيلة اعلام تفضح المحتلين مصيرها، الغلق، ومصير اصحابها القتل او الملاحقة، بتهمة مساندة الارهاب! فمن هو الارهابي الحقيقي هل هم اهل البلد الذين يقاتلون المحتلين ام جحافل المحتلين ومرتزقتهم التي تقتل وتقتل ودون حسيب ورقيب؟
لقد حاول المحتل الامريكي تسعير حياة العراقي الذي يقتل عن طريق الخطأ بمبلغ وقدره 1000 دولار كتعويض يقدم مباشرة لعائلة الضحية، وقبل هذا اصدر المحتل قانونا يمنع محاكمة اي امريكي عن اية جريمة يرتكبها في العراق، فبربكم هل هناك اكثر حرية يمكن ان يبثها الامريكي في العراق من هذه؟؟
- لا يسمح لاي وسيلة اعلام اجراء تحقيقات ميدانية في السجون والمعتقلات اوفي مرافقة للمداهمات والاستجوابات!
- لا تمنح رخص عمل محطات التلفزة والاذاعات والصحف والاصدارات الا للمسايرين للاحتلال وحكوماته!
- لا يوجد جهاز قضائي حقيقي ومستقل في العراق، وفضيحة قضية القاضي راضي حمزة الراضي واحدة من الحالات التي تعكس اكذوبة استقلال القضاء في العراق، فهذا القاضي قد تم اعتماده كقاضي مستقل ورئيس لواحدة من اهم اللجان واخطرها ولعموم قضاء العراق، انها لجنة النزاهة العليا، وبعد ان فضح هذا القاضي الفساد الشامل لعناصر الحكومات المتعاقبة وبمبالغ فلكية تقدر بحوالي 18 مليار دولار ولاكثر من 3 الاف حالة فساد كبرى جرى التحقيق بها واثباتها، انقلبت الاية على القاضي ذاته وتم التشهير به باتهامه شخصيا بالفساد وتهديده من قبل الجهاز التنفيذي التابع للحكومة ذاتها فهرب بجلده معترفا بفشل القضاء بالكامل وشلله في العراق الفوضوي!
لقد قال السيد كنعان مكية في احدى ندواته في امريكا : ان مكونات العراق قد ظلمت به ومن الفضيلة بمكان انسحابها منه حتى يتهالك طغيانه!
يا سيد مكية مهما كن الطغيان الذي عناه العراق في السابق مرا فان طغيان الاحتلال افضع واشد وفوضته لا تقود الا للخراب الشامل، فلا تنظر للامر بعين واحدة، تغذيها الاهواء والمصالح الضيقة!
كما قال قبله كاتب اخر هو السيد جرجيس فتح الله في مقالة مطولة ومحشية بكل اصناف النكهات والتوابل والخرادل ماراً على التاريخ مرة من فوق واخرى من تحت، ومملحة بما يقال من قيل وقال حتى انه حملها بما لا تحتمله من فصال حيث زاد في دسمها بمقدار ما دخل جيوبه من عملات فتفوه وقال ما لم يقله غيره حتى من الامعات : للكويت حقوقا اغتصبها العراق وللكويت حق تاريخي به فالكويت كيان قائم قبل قيام كيان العراق الحديث وعليه يمكن للكويت ان تطالب بضم العراق اليها وليس العكس!
(من مقالة له تم نشرها باحدى الصحف الخليجية اثناء فترة حرب الكويت)
الامثلة على كتاب العين الواحدة والبعد الدولاري الواحد عديدة وكثيرة بكثرة وتزايد انتعاش الكتابة التكسبية وكثرة قاطعي طريق الثقافة الاصيلة والحرة، وتعدد حالات دوران وتوهان كتاب اليسار الامبريالي وليبراليي الفندقة والسياحة في شمال العراق واوروبا واسرائيل وامريكا!


