ما قصدته ورمت إليه لا البحث في مفهوم الحرية ووجهات نظر المفكرين المتعددة حول مضامين التعبير والتطورات التي ارتسمت عليه عبر مراحل التاريخ، لكن اهتمامي ينصب على أهمية الحرية للثقافة، وقد ركزت سابقاً على عمادين أساسين لأية ثقافة هما اللغة والحرية. وحتى تبقى الثقافة في استمرارية نماء وديمومة عطاء، وتطوير للشخصية الإنسانية... وجدتني مضطراً لتعريف الثقافة، وتحديد مجالاتها  لقد اتفق جميع المفكرين على تمييز الثقافة عن الحضارة وبأنها الوعاء اللامادي للحضارة بينما الأخيرة شاملة للنوعين والمفكر "إدوارد تايلور" ركز على الجوانب اللامادية للحضارة بالثقافة، وهي كل مركب يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والعرف وغير ذلك من الإمكانات والعادات، وبعد هذا المفهوم برز المفهوم الثقافي الذي يربط الثقافة بنمط الحياة الكلي لمجتمع ما، وقد أضيفت إلى التعريف أعمال الثقافة والدراسات الإنسانية والإذاعة والتلفزيون والسينما ونشر الكتب، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم أشارت إلى أن الثقافة "تنظيم جماع السمات المميزة للامة من مادية  وروحية وفكرية وفنية ووجدانية وتشمل مجموع المعارف والقيم والالتزامات الأخلاقية المستقرة فيها وطرائق التفكير والإبداع الجمالي والفني والمعرفي والتقني وسبل السلوك والتصرف والتعبير وطرز الحياة، كما تشمل أخيراً تطلعات الإنسان للمثل العليا ومحاولاته إعادة النظر في منجزاته والبحث الدائم عن مدلولات جديدة لحياته وقيمه ومستقبله.

ومع أهمية تعريف الثقافة ودقته لكنه استرعت انتباهي كلمتان، إبداع وقيم والمبدع الذي يأتي أمراً على شبه لم يكن ابتدأه هو أو غيره وقال جل شأنه "بديع السماوات والأرض" أي مبدعها ومبتدئها، قال تعالى "قل ما كنت بدعاً من الرسل " أي ما كنت من أول الرسل، وفي "تاج العروس من جواهر القاموس" "فلان بدع في هذا الأمر أي أول لم يسبقه أحد، وفي حديث للرسول صلى الله عليه وسلم قال "تهامة كبديع العسل حلو أوله وحلو آخره"

وكان القصد تشبيه "تهامة" بزق العسل لأنه لا يتغير هواؤها فأوله طيب وآخره طيب، ومن أسماء الله الحسنى "البديع" وهو المبدع الذي أبدع الخلق ومن يكثرمن ذكره وتعبده يتجلى له نوره ويدخله الحق تبارك وتعالى في دائرة الإبداع.

والقيم هي في التعريف مجموعة المثل والتقاليد التي توافق أو سيتوافق عليها الجميع، ونجد من الاشتقاق اللغوي لها القيّم على الأمور صاحب المبادئ الراعي للشؤون المكلف بها، والأب قيم على أسرته والوالي قيم على المجتمع.

إذن يتبدى لنا أن الحرية تحديداً في المجال الثقافي إبداع والتزام قيمي وهي ضوابط التزامها وشروط عطائها، ودولة المفكر "روسو" في مدرسة العقد الاجتماعي هي دولة للفرد والمجتمع فهي دولة فردية عقلانية وفي كتابه -الليبرالية-  يقول "الحياة الديناميكية التي يتأكد فيها تفتح الأفراد وتفتح الفرد في ذات الوقت الذي يظهر فيه تقدم المجتمع، أن الحرية وحدها تقوم بها، فالحرية خلاقة ويجب أن تكون القوانين مراعية لنشر العدالة في المجتمع وليس لخدمة الأفراد بعينهم، كما يصبح عطاء الحرية عطاء خلق وإبداع وفعالية"

والمرحوم زكي الأرسوزي وفي حديثه عن الحرية يقول "انطواء النفس على العقل، وانطواء الجسم على الغريزة، والعقل مهمته معرفة الحقيقة والغريزة مهمتها تأمين اللذة، والصور المتمكنة في الذهن تبعث المعنى الذي هو بمثابة الروح من الجسد"

ود. منذر المنشاوي في كتابه – الدولة الديمقراطية – يحدد معالم الحرية "بأنها تعني أولاً حرية كل فرد أي أن الفرد يحدد سلوكه بنفسه، وتعني ثانية حرية المجموع، أي أن يحدد المحكومون بأنفسهم مصيرهم الاجتماعي، وان الديمقراطية تنشد تطابق الحكام والمحكومين وحرية الفرد ليست بمعزل كلي عن المجتمع"

إذن العقل مهمته معرفة الحقيقة، والحرية خلاقة لمعارفه وفيها عطاء وخلق وإبداع وفاعلية وهي الروح من الجسد، ولنرَ ماذا لو انتزعت هذه الروح فكما كان الإبداع من الله البديع، فإن العاصي لأوامر الله هو الشيطان في إعراضه عن الحق والعدالة، واسمه مشتق من الشطط، ورديفه الطاغوت من الطغيان والكلمتان تتضمنان معنى الاستبداد ويقول مفكر عربي "يحاول الطاغية أن يخضع الناس لمشيئته عن بلوغ الأهداف والمثل العليا إلى الجري لتأمين الحاجات المادية، والطاغية اشد خصومة للأفراد الأباة، ومثل سياسته من ذوي المواهب كمثل المدحلة التي تجعل الطريق طامساً لا نتوء فيه"

والمفكر عبد الرحمن الكواكبي في كتابه -طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد-  نشر الكتاب عام 1910 يتحدث عن مساوئ الاستبداد ويجملها بما يلي: أثر الاستبداد في إفساد الدين يقول "الاستبداد ريح صرصر فيه إعصار يجعل الإنسان كل ساعة في شأن وهو مفسد للدين في أهم قسميه أي الأخلاق، أما العبادات فلا يمسها لأنها تلائمه في الأكثر ولهذا تبقى الأديان في الأمم المأسورة عبارة عن عبادات مجردة... صارت عادات، وفي انحطاط التربية، وفي إفساد الأخلاق، ويقتل الميول الطبيعية عند الإنسان مثل حبه الوطن و الأسرة والأهل والاستبداد يسلب الراحة الفكرية فيضني الأجسام فوق ضناها بالشقاء، فتمرض العقول ويختل الشعور على درجات متفاوتة بين الناس واثر الاستبداد في فساد الإدارة فهو يعتمد على المؤيدين الذين لا يهمهم جلب محبة الناس إنما غاية مسعاهم اكتساب صفة المستبد فيهم بأنهم على شاكلته وأنصار دولته وشرهون لأكل القطاف في ذبيحة الأمة .

ومن أجمل تعابيره يقول "لو كان الاستبداد رجلاً وأراد أن يحتسب وينسب لقال أنا الشر، وأبى الظلم و أمي الإساءة وأخي الغدر وأختي المسكنة وعمي الضر وخالي الذل وابني الفقر وابنتي البطالة وعشيرتي الجهالة ووطني الخراب"

وفي كتاب – بروتوكولات حكماء صهيون وتعاليم التلمود – وتحديداً في البروتوكول الخامس يقول " إننا سننظم حكومة مركزية قوية لكي نحصل على القوى الاجتماعية لأنفسنا وسنضبط حياة رعايانا السياسية بقوانين جديدة كما لو كانوا أجزاء كثيرة جداً في جهاز، ومثل هذه القوانين ستكبح جماح كل حرية، وكل نزعة تحررية يسمع بها الأمميون (غير اليهود) وبذلك يعظم سلطاننا فيصبح استبداداً يبلغ من القوة درجة يستطيع معها في أي زمان أو مكان أن يسجن الساخطين المتمردين من غير اليهود. سيقال إن نوع الاستبداد الذي نقترحه لن يناسب التقدم الحالي للحضارة غير أننا سنبرهن لكم على أن العكس هو الصحيح أن الناس عندما كانوا ينظرون إلى ملوكهم نظرتهم إلى إرادة الله كانوا يستسلمون في هدوء إلى استبداد ملوكهم.

ولا بد لي من التوقف هنا لأثبّت أولاً أن الأنظمة الشمولية في الوطن العربي أو في العالم ليست بالضرورة من صنع الصهاينة بل من صنع ظروف و إرادات وثانياً لقد درجنا في الزمن الرديء أن نهرب ونتهرب من كشف أخطائنا بل وإلقاء اللوم على الأعداء وتسمية ما يحصل بنتيجتها بالمؤامرة... صحيح بل مؤكد أن يتآمر أعداؤنا علينا، لكن صحيح أيضاً بل مؤكد أننا نبدع من العدم خيالات نقولها ونضخم من قدرات أعدائنا حتى بات واحدنا تراوده وساوس أن يكون المتآمرون دخلوا بيته بل وحتى غرفة نومه، وعندها على الدنيا السلام، لكن الحقيقة والعلمية والوطنية تجعلنا نقر أن أي استبداد في وطننا الكبير... نهر كبير يصب في سيل عرم للتآمر عل أمتنا أدرك ذلك المستبدون أم لم يدركوه.

لنتريث لتتوضح الأمور لنا بشكل جليّ بعد هبات العواصف الكبيرة علينا، سنرى كوابيس مزعجة تجعلنا نتمسك برؤيتنا للواقع ففي كتاب -استراتيجية الحرية ومشروعها الكبير–  لدوغلاس فيث، الأمريكي المعروف بعدائه للعروبة والإسلام، يقول فيه "يعرف (الرئيس ريغان) الديمقراطية بأنها ليست المحافظة على وحدة الشعب ضمن ثقافة موحدة، والرئيس بوش الحالي في خطابه - أمام برنامج المنح والهبات الدولية الديمقراطية- أثناء زيارته للندن أشاد بالأفكار والمشاريع التي طرحها الرئيس ريغان وحاول إسقاط تلك الأفكار على واقع الشرق الأوسط وعلى العالم الإسلامي.

ويعد مؤلف الكتاب الأسس الثلاثة لاستراتيجية الإدارة الأمريكية في حربها الشاملة ضد الإرهاب هي :

تدمير شبكات الإرهاب

حماية أمريكا وتوفير الأمن لها

تحقيق العناصر والمكونات الفكرية اللامعة والقادرة على خلق مناخ شامل يرفض الإرهاب ومكافئته  وهذا ما ندعوه (صراع المفاهيم)

وأذكر هنا أن أمريكا أعلنت وبصراحة بان المناهج التربوية التي لا تتماشى مع نظرتها للعالم تعتبر بمثابة إعلان حرب عليها.

وهكذا يتبدى لنا بجلاء ووضوح أن الحرية الممنوحة لنا أن وجدت، في الشرق الأوسط كرم لسنا بحاجة له خاصة بمكوناته " الفكرية اللامعة والخلاقة "، والعوز والفقر والموت الفكري ارحم بألف مرة من رمي قذارتهم علينا سيما وإن كلام الرئيس ريغان والمقتنع والمعتنق بأفكار واحدة هو وخلفه الرئيس بوش ومؤيدهما المؤلف يدفعنا للتساؤل.

         أ‌-         ما معنى عدم المحافظة على وحدة الشعب ضمن ثقافة واحدة

        ب‌-       ما معنى إسقاط هذه الأفكار على واقع الشرق الأوسط وعلى العالم الإسلامي

        ت‌-       ما معنى تحقيق العناصر والمكونات الفكرية اللامعة والقادرة على خلق مناخ شامل يرفض الإرهاب و المقاومة والدفاع عن الأرض والكرامة والعرض والشرف ومقاومة الاحتلال جميعها تعتبر في عرفهم إرهاباً.

أدع الإجابة فهي واحدة لكن لنلاحظ كلمة تحقيق وهي تتضمن كل معاني الإلزام والإكراه وتسد كل الطرق على الحرية للرفض أو المحاورة أو حتى القبول بها، ولندقق في المكونات ولمعانيها و التي يريدون تطبيقها على امتنا العربية والإسلامية. هل المطلوب أن يكون الإسلام – لا سمح الله – وقيمنا كتقلبات الغرب المتغيرة؟!.. هل المطلوب أن يكون (موضة) كموضات الأزياء يتغير كتغيرها في الفصول الأربعة وحسب رغبات المصممين والراغبين. نتستر في الشتاء خوفاً من البرد ونكشف عن عورات لنا جزئياً أو كلياً في الربيع والصيف وحتى في الخريف... وعلينا أن نسير بانحناء وانثناء وغنج وند بّل عيوننا إغواء وإغراء وهم المتفرجون علينا، وبعد العرض وكلما تفننا بحركاتنا وتماشيناً مع مبتكراتهم الفكرية، زاد التصفيق لنا لإتقاننا فن الطاعة على مسرح الحياة.

ولنربط بين رغبات الحليفين الإستراتيجيين الأول يعد  في بروتوكولات حكمائه على كبح جماح كل حرية عندنا، والثاني يركز على تحقيق وليس محاولة التحقيق للومضات الفكرية الأمريكية وفي النهاية يحلمان بان نبقى مسلوبي الحرية ونمثل على مسرح اللامعقول

وقيل في الأمثال العربية "الحلم والمنى أخوان" وقال بشر بن أبى حزم: أحق ما رأيت أم أحتلامُ؟!...

وقال الميداني في تفسيره وهذا كما يقال:

إن المنى راس أموال المفاليس

وعلينا أن لا نستغرب هذه الثوابت الفكرية لقد سبقهم وفي عام 1974 وبعد حرب تشرين التحريرية، بريجينسكي مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون ليقول وتحديداً عن منطقتنا "نحن ليست لنا أهداف سريعة في المنطقة لكن سنسعى من أجل إجراء تغييرات هيكلية عميقة تثبت على مدى أربع أو خمس سنوات، وكانت بعدها حروب لبنان واعترف، كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية يومها بالدور الأمريكي في خلقها، واليوم نرى حروب أزياء جديدة يلبسها البعض مبرزاً (مفاتن الفكر المنحرف وعري العهر).

تعابير فيها كل شيء إلا الله والوطن... إنها الحرية الأمريكية وعبر التاريخ القديم والوسيط كانت البشرية يتناوبها الاستبداد ردحاً من الزمن وردحاً من الحرية، ولنعقد لأحداث الماضي ووقائعه لأنها الراية المرشد وفيها الدروس الهادية إلى نتائجها... قديماً كان نيرون " وروماه " المحروقة وكان جينكيز خان وهولاكو وهتلر وبوكاسا وشاه إيران، لقد امتد تخريبهم وتدميرهم للحرث والنسل واتسع ليشمل ساحات واسعة من العالم مخلفين وراءهم المآسي والدمار.

الحرية في الذهن العربي:

في كتاب – الجديد حول الشرق القديم – لمؤلفه بونفار ليفين – والمترجم من قبل السيد جابر أبى جابر ونقل عنه السيد توفيق المديني في كتابه – المجتمع المدني و الدولة السياسية في الوطن العربي – يقول المؤلف "المنطقة العربية تعتبر أول المناطق في العالم التي عرفت العمل الاجتماعي والوعي الاجتماعي المتجسد في الأسطورة والدين. ويعتبر أن الثورة النيولوتيه والتي ظهرت في العصر الحجري الحديث قد حققت انقلاباً عظيماً على صعيد حياة الإنسان باهتدائه إلى الزراعة وعملية توسيعها وتدجين الحيوان حيث أن هذا القطع التاريخي مع ما سبقه  فقد تم في المنطقة العربية سوريا – العراق ومصر بالدرجة الأولى ومهد لتطورات اجتماعية وسياسية وفكرية على غاية في الأهمية عاشتها هذه المنطقة في تاريخها القديم، فقد كانت هذه المنطقة مهداً ومركزاً للديانات السماوية.

والمؤكد أن الديانات السماوية كانت تجسد بعضاً من القيم الإلهية المطلقة على الأرض ومنها الحرية والإبداع لقد كانت الحضارة مزدهرة عند مطلع الألف الثالثة قبل الميلاد وهجرة الشعوب العربية إلى بلاد الرافدين –بلاد السومريين– القادمة من الصحراء العربية وبادية الشام إلى الهلال الخصيب على شكل موجات عديدة ومتلاحقة طوال ثلاثة آلاف سنة  منضمة إلى أسرة الشعوب السامية  ,  والمعروف أن اللغة والكتابة والتدوين قد تم اختراعها في بلاد وادي الرافدين بذلك اضطلعت "سومر" بمركز الطليعة الفكرية والحضارية في بلاد الشرق الأدنى وسبقت مصر في خلق أول حضارة مزدهرة . وكانت مدينة  -الوركا- (اوروك) من اقدم المدن السومرية وتقع شرق الفرات من ناحية السماوة ويسمى عصر ازدهار الحضارة السومرية بعصر الوركا نسبة إلى (أوراك) الشهيرة المعروفة بالتوراة تحت اسم (أريخ)

وفي كتاب "تاريخ العراق القديم" للسيد طه باقر إن جاك بيران في نظرية نشوء الكون والحياة في نيبور يقول: "إن تطور القانون الدولي الذي جعل العلاقات الاقتصادية والسياسية ممكنة بين المدن هو مرتبط ارتباطاً وثيقا ًمع نظرية نشوء الكون والحياة في –نيبور– توجد جميع العبادات المحلية في نظام ديني واحد، وكما في مصر كذلك في (سومر) ومن كل ذلك نشأ ت  نظرية أن العالم منبثق من عدم بدئي سائل مكون من عنصرين ذكر خالق هو (أبسو) مبدأ الخير والثاني أنثى هي (نيامة) مادة كونت منها المخلوقات وهي أصلها، وفي نفس الكتاب يقول "كانت الإمبراطورية السرجونية انتصاراً للحضارة السومرية ولم يقدم             (سرجون الأكدي) إلا فكره السياسي والقومي ولغته العربية الجميلة التعبير ودولة سرجون المركزية لم تكن نزوعاً توسعياً عسكرياً بقدر ما كانت تريد تحقيق الصلاح وتحرير الإنسان، ودولة سبأ في اليمن وازدهارها والحضارة التي شملت جميع مظاهرها جعلت الطبري يقول في كتابه –تاريخ الطبري– بأن أفرادها كانوا يأكلون بصحائف من ذهب وفضة نتيجة ازدهار زراعاتهم وصناعاتهم وكذلك الدولة الحميرية ومثلها تدمر لقد كان سكانها يحتلون المركز الأول في النشاط الاقتصادي بالإضافة الى المهمات العظمى داخل المدينة مثل الكهانة والسدانة وعضوية مجلس الشيوخ وعامة الأحزاب الدينية، ومكة قبل الإسلام والمعروف أنها كانت مدينة تجارية عريقة و أهلها لم يكن لديهم ملك له تاج أو عرش ولا رئيس واحد ولا مجلس رئاسي يحكمها غير أنها قرية تتألف من شعاب كل شعب لعشيرة، وأمر كل شعبة من رئيسها وهم أهل الحل والعقد، وكان الرؤساء الحكام الناصحون عقلاء الشعب.

وتتعمق ركائز الحرية في الفكر العربي سيما بعد ظهور الإسلام واعتماده مبدأ الشورى لذا شملت الاستشارة جميع المستويات ففي كتاب - المستطرف من كل فن مستظرف -  يروي أن نوح بن مريم قاضي مروان أراد أن يزوج ابنته فاستشار جاراً له فقال سبحان الله الناس يستفتونك وأنت تستفتيني قال أريد أن تشير عليَّ قال "إن رئيس الفرس كسرى كان يختار المال، ورئيس الروم قيصر كان يختار الجمال، ورئيس العرب كان يختار الحسب، ورئيسكم محمد كان يختار الدين فانظر لنفسك من تقتدي

ولإبن المعتز قول "المشورة راحة لك وتعب على غيرك" وعن الحسن رضي الله عنه قوله "ما استشار قوم قط إلا هدوا لأفضل ما بحضرتهم ثم تلا وأمرهم شورى بينهم" وفي كتاب التذكرة الحمدونية يقول عن ابن إسحاق "فان الشورى نتاج العقول، والمباحثة رائد الصواب، واستظهار المرء على رأيه من عزم الأمور واستنارته بعقل أخيه من حزم التدبير" وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال " نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعباد الاستبداد" والرسول صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما "لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما "وفي رده صلى الله عليه وسلم على علي بن أبى طالب رضي الله عنه وقد سأله "يا رسول الله الأمر ينزل بيننا بعدك لم ينزل فيه قرآن ولم يسمع منك فيه شيئاً فأجابه اجمعوا له العابد من أمتي واجعلوه بينكم شورى ولا تقطعوه برأي" وللشاعر العربي المصري أحمد شوقي قوله:

والدين يسر والخلافة بيعة

والأمر شورى والحقوق قضاء

ومن حكم العرب قولهم فلان "خير شيرِّ " أي يصلح للمشاورة.

ويتوجها جميعها قوله تعالى "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون " – الشورى 38

من هذا التطواف يتبين لنا أن الحرية وتسميتها في عصر الإسلام بالشورى والأخذ بها على كل المستويات التي تطلب فيها لصحة الرأي ومصلحة الأمة ومنذ القدم تشكل ركيزة أساسية وثابتة في الذهن العربي وعبر التاريخ، وان شاب التطبيق حيدان عن هذا النهج كبر أم صغر .

وفي علم النفس بحث الغرائز ثمة حشرة تدعى "سيفكس" تغرز إبرتها في الجملة العصبية لفريستها كأبرع جراح فتشلها ولا تميتها بحيث تستطيع أن تضع عليها بيضها حتى يفقس البيض ثم تترعرع الفراخ من جسدها كذلك الاستعمار والاستبداد يشلان فعالية الشعب لوضع البيض الملقح مرة من هذا وتارة من ذاك وفي عصرنا الحالي بدأ تسويق جديد لفكرة التشكيك بقدرة المجموع على تحمل عبء الحرية والتعامل معها، ولذا لابد من التأهيل لراغبيها والتدرج في مسالكها، وكلما كانت الأمة قاصرة، ولم تصل سن البلوغ والرشد يحدد الأوصياء عليها زمن الرشد والذي سيكون طويلاً مديداً، والغاية من كل ذلك تكريس للبعد وتعميق الهوة بين الأمة وبين أفق رغباتها المترامي أبداً. ويكرس ذلك عبر جميع الوسائل المتاحة... لكي يتنامى العجز والإحساس بعدم الأهلية والقدرة.

جميعنا سمعنا عن عجائب الدنيا السبع وعندما نعيدها إلى ذاكرتنا نحس وندرك جماليتها لكن أن تضاف أعجوبة ثامنة إلى تلك العجائب ففيها الغرابة خاصة وأنها على عكس سابقاتها  تتضمن القبح الشديد الكائن فيها إنها وسم الشعوب بعدم الأهلية الفكرية جميعها دون استثناء ولا حتى للقلة منها وتقصدت كلمة " وسم " لأن الوسم على الغالب للحيوانات لتحديدها ومعرفتها وتحديد مالكها أيضاً وبعد أستغرب أن لا تتفجر العقول والرؤوس وهي ترى وتسمع ما تنعت به . . . لقد هرب المنطق وذهب يطلب إجازة طويلة .

ولنسر مع الأحكام الجائرة، ولفرض استسلام بعض المحكومين لدورات التأهيل والتدريب، أليس من حقهم السؤال عن المناهج والمراحل التعليمية، ومتى التخرج للحصول على شهادة اللياقة الفكرية ومن هم المدرسون والى أي مستوى يجب الوصول إليه، وربما خطر بالذهن نيل شهادة الدكتوراه في الديموقراطية والحرية فمن يضمن نوعية المحاضرين، ومن يضمن نوعية اللجنة الفاحصة وبالتأكيد سيكون جميعهم من ذوي الاختصاصات الرفيعة والعالية في تحريف الوجدان والبهرجة والتزييف لأنهم عماد الاستبداد والمنتفعون منه، وهنيئاً لمن سيحصل على هذا اللقب العلمي... لأنه سيكون جديراً باللحاق بمدربيه ذوي الاختصاصات العالية...

إنها حلقة دائرية ندور فيها نبحث عن الخلاص، وخلاصنا نحن نصنعه

حقيقة أخرى نراها ونحن نسمر عيوننا على شاشات التلفاز، ونوسع صيوان آذاننا لسماع ما يقال عبر المذياع، ونباعد ما بين أجفاننا لقراءة الأخبار فلا نجد إلا تكرار الإشادة بالمنجزات الهائلة على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية...

ونطرب ونكاد أن نغني من الفرح، لكن يصدمنا الخبر الثاني والذي يلي خبر الإنجازات انه خبر الإصلاح في فروع الإنجازات، بل والسعي الجدي لرفع المستوى المعاشي للمواطن ومحاربة الفساد والتطوير والتحديث وتكتمل السلسلة، ويتوقف الفرح وتدمع العين لقد أصابنا الذهول والضياع من كثرة المتناقضات ومن طول عمرها، لكن تأكد في ذهن المواطن العربي أن عليه أن يقتات من غنى التعابير وان يشبع إلى حدود التخمة من أوراق المشاريع والخطط. لقد ثبت في عقله وذهنه وحتى قلبه أن بديل مراكز البحوث العلمية تبنى مراكز لاعتقال الفكر.

وكتلخيص لهذه الآراء والرؤى نجد أن الاستبداد والأنظمة الشمولية تصب جميعها في تيار يعاكس أماني الشعب وتطلعاته. إنها البيئة الملائمة للنموات غير الطبيعية وغير الأصيلة في جسم الأمة وهي المرتع الخصب لأماني الأعداء ومؤامراتهم إن فلسفة الإقصاء والإبعاد للمجموع والتركيز على الفردية واختلاق التعابير والمحاولات الجادة لخلق إبداعات لغوية تلحق بها. وهي ليست وليدة عصرنا لكن عمرها من عمر الاستبداد ولنستدع مع الذاكرة ألقاب وصفات جميع من استأثروا بالسلطة عبر التاريخ فسيسبق الاسم ويليه ضروب المدح والتقديس والغرض من كل ذلك تعويد المشمولين بالرعاية على ترداد هذه الألقاب لتصبح جزءاً من قاموس حياتهم اليومية ولا شيء غير ذلك. في البداية الإقصاء ويليه الاستمرار في وضع حدود ضيقة للتفكير لا تخرج عن قواميس التهليل وموشحات الغزل ورجاءات الرضا والعطاء والكرم.

للجميع الحق كل الحق في اخذ ما كتبته واستشهدت به من قصص الماضي وعبره أن يحملوها طابع الرأي الشخصي، والرأي الفردي يخطئ ويصيب والتاريخ لا يعيد نفسه، لكن التاريخ حقيقة وهو لا يعيد ذاته كوقائع صحيح ذلك ولا غبار عليه لكن المعتقدات الفكرية على تنوعها غثها وثمينها تتكرر بوقائع متجددة. إن الحرية معتقد فكري والاستبداد نقيضها والتاريخ مزدحم بصراعهما. أما عن الرأي الخاص... فأنني أحب أن أؤكده من خلال أيام عاشها البعض وأيام عاشها الجميع منا، إنها وقائع من تاريخنا القريب.

قيل " في نهاية يوم الأحد المصادف لتاريخ 16 جمادى الثانية عام    1338 وليلة الاثنين التالي الموافق لتاريخ 7 آذار 1920 انعقد المؤتمر السوري العام الذي يمثل الأمة السورية العربية في مناطقها الثلاث الداخلية والساحلية والجنوبية وفلسطين تمثيلاً تاماً اتخذ القرار التالي:

"إن الأمة العربية ذات المجد القديم والمدنية المزدهرة لم تقر جمعياتها وأحزابها السياسية زمن الأتراك بمواصلة الجهاد السياسي ولم ترق دم شهدائها الأحرار وتثر على حكومة الأتراك إلا طلباً للاستقلال التام والحياة الحرة الكريمة بصفتها أمة ذات وجود مستقل وقومية خاصة لها حق في أن تحكم نفسها بنفسها أسوة بالشعوب الأخرى التي لا تزيد عنها مدنية ورقياً ويكمل المؤتمر بعد عرض للأحداث وتتابع "وثيقة إعلان استقلال سوريا عام 1920م" ولما قضت التدابير العسكرية بجعل البلاد السورية ثلاث مناطق أعلن الحلفاء رسمياً أن لا مطمع لهم في البلاد وانهم لم يقصدوا من مواصلتهم الحروب في الشرق سوى تحرير الشعوب من سلطة الأتراك تحريراً نهائياً و أكدوا أن تقسيم المناطق لم يكن إلا تدبيراً مؤقتاً لا تأثير له في مصير البلاد واستقلالها ووحدتها، ثم إنهم قرروا ذلك رسمياً في الفقرة الأولى من المادة الثانية والعشرين من معاهدة الصلح مع ألمانيا اعترفوا بها باستقلالنا تأييداً لما وعدوا من إعطاء الشعوب حق تقرير مصيرها. ويتابع النص وقد مضى نحو عام ونصف والبلاد لا تزال رازحة تحت الاحتلال والتقسيم العسكري الذي ألحق بها أضراراً عظيمة وأوقف سير أعمالها ومصالحها الاقتصادية والإدارية، وأوقع الريبة في نفوس أبناءها من أمر مصيرها فاندفع الشعب في كثير من أنحاء البلاد فقامت ثورات أهلية منتفضاً على الحكم العسكري الغريب.

نحن أعضاء هذا المؤتمر رأينا بصفتنا الممثلين للامة السورية في جميع أنحاء القطر السوري تمثيلاً صحيحاً نتكلم بلسانها ونجهر بإرادتها وجوب الخروج من هذا الموقف المحرج استناداً على حقنا الطبيعي والشرعي في الحياة الحرة وعلى دماء شهدائنا المراقة وجهادنا المديد ونشاهد كل يوم من عزم الأمة الثابت على المطالبة بحقها ووحدتها، فأعلنا بإجماع الرأي استقلال بلادنا السورية بحدودها الطبيعية ومنها فلسطين استقلالاً تاماً لا شائبة فيه على الأساس المدني النيابي وحفظ حقوق الأقلية ورفض مزاعم الصهيونية في جعل فلسطين وطناً قومياً يهودياً. ولما كانت الثورة العربية قد قامت لتحرير الشعب العربي من حكم الترك وكانت الأسباب التي يستند إليها في إعلان استقلال القطر السوري هي ذات الأسباب التي يستند إليها استقلال القطر العراقي.

وبما أن بين القطرين صلات وروابط لغوية وتاريخية واقتصادية وطبيعية وجنسية تجعل كلاً من القطرين لا يستغني عن الآخر، فنحن نطلب استقلال القطر العراقي استقلالاً تاماً على أن يكون بين القطرين الشقيقين اتحاد سياسي اقتصادي.

في تلك الأيام من بواكير القرن الماضي كانت المعاني الرائعة والأسس القيمية للشعب العربي في سوريا -بلاد الشام بأقطارها– كان النضال والوحدة والتواصل وما يضيف هالة من الروعة إنه بإجماع مندوبين عن مدن سورية بحدودها الحالية ومندوبين من حدودها الطبيعية، كانوا من بيروت، الكرك، صفد، عجلون، إنطاكية، المتن، عكا، الهرمل، طرابلس، السلط، طبريا، حيفا، صور، حاصبيا، بعلبك، الكورة، الطفيلة، طول كرم، نابلس، الناصرة، معان، الخليل، راشيا.

كان عدد أعضاء ذلك المؤتمر 86 عضواً وبإجماعهم رفضوا الانتداب وشددوا على النظام البرلماني وعلى رفض فكرة الوطن القومي لليهود وأيدوا استقلال العراق وإقامة الاتحاد معه.

واستمرت تلك الحقبة التاريخية عقوداً زمنية. نعم الشعب العربي في أغلب أقطاره بالحرية، وإن حاول قتلها الاستعمار أو كانت على المستوى التنظيمي اقل من رغبات وطموحات الجماهير لكنها تواجدت وبها ومن اجلها تحررت الأقطار العربية من الاستعمارين الانتدابين الإنكليزي والفرنسي، كان الجنرال (كلوب) الإنكليزي قائداً للجيش الأردني فطرده الأحرار وتجمع الأحرار من كل الوطن العربي على ارض فلسطين لمقاومة الغزو الصهيوني، ويوم أمم القائد، عبد الناصر القنال واعادها ومعها ريعها إلى مصر لبناء السد العالي عادت إنكلترا وفرنسا ثانية ومعهما إسرائيل للعدوان على مصر عام 1956 وكانت صور البطولات العسكرية والشعبية في بور سعيد تبهج كل عربي وتفرحه وهو يرى الأشقاء المصريين يصوبون بنادقهم باتجاه المظلين الأجانب، وكان مشروع حلف بغداد الاستعماري المدعوم من أمريكا بحجة ملء  الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات الأجنبية من الأرض العربية، وبتعاون الأحرار في سوريا ومصر لدفن الحلف، وكانت الثورات في العراق ضد الأنظمة العميلة، ودفن عملاؤها، وكانت ثورة الشواف ، وأمام المد الجماهيري خاف الغرب في تلك المدة  على مصالحه فنزلت القوات الأمريكية في لبنان والإنكليزية في الأردن لحماية أنظمة البلدين...

وكانت ثورة المليون شهيد في الجزائر واستقلال الشعب العربي الجزائري، وتلتها بسنوات ثورة اليمن ضد الملكية، وبدأت طلائع تكوين المقاومة الفلسطينية وذلك في عام 1956 وجاءت القمة الحقيقية في وحدة عام 1958 بين سوريا ومصر ثم تلتها ثورات في أقطار عربية عدة.

قد يختلف الباحثون في تحليل هذه الأحداث ويرى بعضهم سلبيات شابتها وتلك حقيقة فالأماني الكبيرة لا تولد كاملة إنها كالكائن الحي، تزداد نضجاً عبر الزمن لكن مهما اختلفت الآراء حولها فإنها تبقى كلها إشراقات في حياة أمتنا.

كان العربي يفخر أيامها باسمه وبانتمائه حتى عندما كان يزور البلاد الغربية، لكن وحقيقة تاريخية لا نختلف على تحليلها ومنذ عقد الستينات من القرن الماضي بدأت هيمنة الأنظمة الشمولية فغابت اللوحات الشعبية الجميلة وبدأت ستائر الظلمة والعتمة تنسدل على واقعنا

كان الانفصال بين سوريا ومصر وكانت هزيمة عام 1967 وعاد الاستعمار بهيمنته من نوافذ جديدة فولد بولادات قيصرية عسيرة   القواعد والمعاهدات منها التنازل عن الحقوق في فلسطين ومنها "الكويز" أو التكويز مع العدو الصهيوني ومنها اتفاقيات التجارة الحرة والتي تلغي المقاطعة لبضائع العدو، لقد تنادى كما بينت في عام 1920 أعضاء المؤتمر التأسيسي إلى وحدة الأرض السورية واتحاد مع العراق وأن الأمة السورية جزء من الأمة العربية... وبدأ الطموح ينزل رويداً رويداً بل تسارع في هبوطه وانحداره فكان شعار التضامن العربي بدل الوحدة وهبط به إلى التضامن العربي في حده الأدنى...

كانت أحداث لبنان واجتياحه واحتلال جزء من أرضه بل محاصرة أول عاصمة عربية، وكان احتلال العراق، ومحاولة تجزئة السودان. وهنا لابد من الإقرار بان إشراقة حرب تشرين التحريرية عام 1973 كانت ولا غير سواها في عمر تلك الحقبة المستمرة ومع ذلك دفنت اتفاقية " كامب ديفيد " نتائجها.

وفي حقبة الازدهار والحرية رافقت الثقافة الأماني والرغبات وسارت إلى جانب التطلعات الشعبية معبرة عنها أليس المثقف هو المتبني لقيم أمته يعيش معها وصفا وعطاءً، ويقدم معها ولأجلها ولأجل مستقبلها الأفكار.

كانت الأغنية الوطنية "دع سمائي فسمائي محرقة" لفايدة كامل وكانت أغنيات وطني حبيبي الوطن الأكبر، والنهر الخالد، ويا إلهي انتصرنا بقدرتك، لمحمد عبد الوهاب وأغنية أصبح عندي الآن بندقية لام كلثوم، وغنت فيروز للقدس مدينة السلام وسنرجع يوماً إلى حينا ولمكة المكرمة  , كثيرة الأغاني الوطنية واليوم وفي ظل الشموليات توقف بث أغنية – الحلم العربي – وهي ليست أكثر من حلم، لقد منع الحلم عنا ومنع الغضب أيضاً فعندما تبث أغنية فيروز عن القدس مدينة السلام يتوقف البث فجأة عند مقطع الغضب الساطع آت... ، لقد هبت رياح الثورة الوطنية في تلك الحقبة وتجسدت في الأعمال االشعرية والروائية والتي صورت الواقع والنزوع إلى الحرية والعدالة الاجتماعية، فكان على المسرح حكايات "الناس اللي تحت" لنعمان عاشور  وسليمان الحلبي لألفرد فرج والمهزلة الأرضية والفرافير ليوسف إدريس وفي السينما كانت أفلام ميرامار لكمال الشيخ  والسمان والخريف لحسام الدين مصطفى والقاهرة لصلاح أبو سيف وثرثرة فوق النيل لحسين كمال والكرنك لعلي بدر خان وفي بيتنا رجل لاحسان عبد القدوس وكان الشعراء في تغاريدهم وشعرهم كان سليمان العيسى ويوسف الخطيب ومحمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي ومحمد الفتيوري واحمد عبد المعطي حجازي وشوقي بغدادي وكان رديفهم الكتاب يوسف إدريس وزكريا  تامر وتوفيق يوسف مقداد وحنا مينة...

ولكي لا نغبن الشعب العربي ورغم كل الصعاب الداخلية منها والخارجية في الأيام الأخيرة لبؤسنا كانت المقاومة الشعبية في لبنان وحررت جزءاً من جنوبه وانتصرت على عدوان العام الماضي ، والمقاومة في فلسطين وهي من الدوافع الرئيسية لتحرير غزة، وكانت المقاومة العراقية والتي بانت بوادر انتصارها على القوة الغاشمة ورحنا نسمع أحاديث وأخبار عن انسحابات ستكشف فضائح الأهداف.

كانت جميعها شعبية، بينما هربت المواقف الرسمية منها وابتعدت عنها، بل وحاولت وتحاول الحد منها – ماذا تعني كلمة الإرهابيين- نزع سلاح المقاومة -تعزيز الخيار السلمي.

شواهد وآراء من ماضينا عن الحرية وأصالتها في الذهن العربي وعرضنا طبائع الاستبداد وأساليبه التحريفية، ورغبات الأعداء التي يريدونها لنا، وأخيراً المقارنة بين عصرين عشناهما، عصر حرية الشعب وعصر الشموليات وآمل أن أكون وفقت في تثبيت ضرورات الحرية وأهميتها لغدنا.

ومن أجل الأيام القادمة ولتحقيق طموحات امتنا ورغباتها علينا الالتزام بـ:

رفض فكرة التأهيل والتدرج إن الحرية ممارسة تتطور من خلال الإيمان والعمل في أجوائها، والعمل وحده الكفيل بتعريفنا بالأخطاء وتجنبها، ففي العمل التأهيل كله... ورفض أية وصايات وهيمنات إلا وصاية الضمير وهيمنة القيم  

رفض فكرة الاستيراد، والأفكار لا تستورد فهي ليست سلعاً للبيع أو منحاً تقدم أو مساعدات تعطى، هي ورود وأزهار محلية تنبت في تربتها الأصلية، لكنها وفي فترة ريعانها تعطي من غبار طلعها وتأخذ من غبار طلع الأخريات إنها عمليات تزاوج وارتقاء للنوع، ففكرة الاستيراد مرفوضة هذا إن حسنت المقاصد فكيف إذا غلفت المقاصد الخبيثة وسترت النوايا الشريرة وعودة إلى الذاكرة يوم فازت جبهة الإنقاذ في الانتخابات التشريعية في الجزائر وجرى ما جرى من انقلاب عليها، أكد مصدر رسمي جزائري إن الانقلاب كان لا بد منه لكنه ليس دستورياً وخالفه المصدر الرسمي الأمريكي الرأي فأكد على أهمية الإجراء و بأنه دستوري ومن كنه الدستور،  وسؤال غريب  بطرح أيعرف أهل الجزائر دستورهم أكثر من أمريكا؟!. واليوم قامت قيامة الساعة الديمقراطية على الشعب الفلسطيني الذي عانى ومنذ اكثر من نصف قرن من الاحتلال وعانى من تنازل وفساد بعض من مسؤوليه واختار ممثلين له من المناضلين والشرفاء، وبدأ الصراخ الأمريكي وتبعه  "الإسرائيلي " وجوقة الحلفاء الغربيين وهددوا وتوعدوا بقطع المساعدات بل قطع العدو عنهم أموالهم المستحقة وقطع الجميع المعونات التي كانوا يقدمونها ومعهم أنظمة عربية استجابت للأمر وتوقفت جميع الاتصالات معهم واشتد الحصار عليهم  والسبب انهم مارسوا حريتهم وعرفوا من يختارون لقيادتهم. لكن ذلك صدم مصدري الحريات، والتآمر عليهم مازال مستمرا  فديمقراطيتهم لها قياسات محددة تناسب مصالحهم وأي بعد عن تلك المقاسات ليس ديموقراطياً، الديموقراطية عندهم في التخلي عن الأرض والعرض والسلاح والتنازل وتسليم الأمور لذوي المواهب في الفساد والإفساد وتقديم التنازلات... هل سنعتمد بعد ذلك على الاستيراد أم الاكتفاء الذاتي بمنتجنا الأصيل.

ثابت أن الحرية تنبع من الذات ولا تعطى وعلينا أن نمارسها لكنها تبقى محدودة التأثير بل شبه معدومة إن كانت حرية فردية لذا لابد من تجميعها وتوحيدها في إطار المجتمع المدني ومن خلال التنظيمات السياسية والتجمعات النقابية والمهنية والفكرية وحتى في إطار التكتلات الخدمية الإنسانية (الجمعيات الخيرية).

إنه الوطن به نشأنا وفوق أرضه عشنا والى ترابه سنعود فلنرفع شعار الوطن شركة مساهمة يبتاع الواحد أسهماً منها وفق  قدراته وعطاءاته ليزيد الشركة ثروة والوطن شموخاً وعزة. والفرد المساهم يزداد اعتزازه بذاته وبأمته وكلما قدم المزيد توسعت شرايين جسمه فيرتفع رأسه ويصبح عصياً على الخفض والرايات ترتفع بارتفاع الرؤوس.

 



محمد علي الحلبي