منذ متي صارت بلادنا عبئا لا خلاص منه؟
حين كنت استعد للسفر الي باريس من اجل المشاركة في التظاهرة الثقافية الكبري، التي ينظمها المركز الوطني للكتاب، والمخصصة هذا العام للأدب اللبناني، كنت فرحا لفكرة ركوب الطائرة، ومغادرة بيروت الغارقة في انقساماتها السياسية الحادة التي لا علاج لها. لكن ما ان وصلت الي باريس حتي ضربني الحنين الي بيروت. لا ادري كيف يمكن وصف شعور كهذا، مزيج ملتبس يعصف بالروح، وشعور بالحزن والخوف، وحال من اللاجدوي. كأن بيروت استولت علي القلب، وجعلتني عاجزا عن مفارفتها.
هناك، اي في المدينة التي استعادت نكهة القرن التاسع عشر، حيث القناصل والسفراء ووزراء خارجية دول العالم، يسعون الي انقاذ بيروت من اهوال الحرب الأهلية، يشعر المرء بالعجز المطلق. لقد فعل اللبنانيون كل شيء من اجل ان يستحقوا وطنهم. قاوموا الاحتلال الاسرائيلي ونجحوا في طرد الجيش الاسرائيلي من بلادهم عام 2000، كما نجحوا في بهدلة الجيش الذي لا يقهر وقهروه عام 2006. ومن جهة ثانية نجحت انتفاضتهم الاستقلالية في آذار (مارس) عام 2005 في اجبار النظام السوري علي سحب جيشه واجهزة مخابراته من لبنان.
فعلوا كل شيء، كي يجدوا انفسهم للأسف علي حافة اللاشيء.
ما هذه المفارقة الغريبة التي تجعل من كل شيء مساويا للاشيء؟ والتي تنجح في تحويل البطولة عبئا والانتصار اشبه بالهزيمة؟
غادرت بيروت في الحادي عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، وكانت تظاهرة الغريبات الجميلات في انتظاري. لكن بعد يومين علي وصول اثني عشر كاتبة وكاتبا لبنانيا الي فرنسا، بدأ اضراب القطارات في فرنسا، وصار تنقلنا بين المدن الفرنسية بالغ الصعوبة. صار السفر من مكان الي مكان عبئا وارهاقا، واكتشفنا فضائل القطارات التي لا وجود لها في بلادنا منذ انهيار خط الحجاز بسبب سايكس بيكو ثم بسبب انشاء دولة اسرائيل.
القلق والتعب لم يأتيا بسبب غياب القطارات، واضطرارنا الي التنقل بالسيارات بين المدن الفرنسية، بل اتيا من صعوبة مواجهة جمهور فرنسي متعاطف، والاجابة علي اسئلته.
عندما ينتهي الكلام النظري عن ولادة الرواية اللبنانية المعاصرة بسبب نجاح الحرب في كسر المحرمات اللبنانية، وينتهي الكلام حول الاعمال الادبية، تأتي الأسئلة الصعبة عن لبنان، ونبدأ في التلعثم.
نستطيع ان نقول ان البنية السياسية الطائفية اضاعت او تكاد ان تضيّع انجازي التحرير والاستقلال الثاني، كما نستطيع ان نتكلم عن واقع لبنان كبلد صغير وسط عاصفة الصراعات الاقليمية والدولية التي تجتاح المنطقة، لكننا لا نستطيع ان نشرح للناس هنا لماذا عجز الوطنيون والديموقراطيون، عن بناء افق سياسي لا طائفي، يستثمر الانجازين من اجل بناء الدولة، وطرح افق نهضوي عربي يقاوم الاحتلالين الاسرائيلي والامريكي.
هنا نصاب بما يشبه الخرس، ونصير كمن يتخبط في الكلام، نحاول العودة بالأسئلة الي الجانب الأدبي، لكننا نبدو غير مقنعين، ويصير تلعثمنا احد علامات مأساة العجز التي تتخبط فيها بلادنا.
لا اريد ان اقول انني متشائم، وانني لا اري سوي افق مظلم. الحقيقة انني لست متشائما لأنني اتمني للمجلس النيابي، الذي من المفترض ان يلتئم بعد يومين، ان ينتخب رئيسا توافقيا لا طعم له ولا لون، لأن اي شيء افضل من الحرب الأهلية.
لا اري افقا مظلما لأنني لا اري الأفق، فاللبنانيون نجحوا في جعل بلادهم مرآة المشرق العربي، وهم في مقاومتهم للاحتلال الاسرائيلي البغيض والهيمنة المخابراتية السورية، عكسوا افضل ما في هذا المشرق. لكن ما ينقصهم هو القدرة علي الجمع، وهذا ما عجزوا عنه في اطار المشرق العربي الذي لم يعرف سوي سياسة الطرح واضاعة الفرص منذ غياب جمال عبدالناصر عام 1970.
هذا العجز المزمن عن الجمع حوّل بيروت، خلال العام الماضي، ملعبا للانقسامات الحادة، التي كادت تصل بنا الي حرب طائفية سنية شيعية، كما سمح لآلة الموت المخابراتية الرهيبة، في تحويل لبنان ملعبا للاغتيالات التي اودت بمثقفين وصحافيين ومناضلين واعضاء في المجلس النيابي.
فجأة اكفهر الأفق بالخطاب الطائفي الأحمق، وصارت بيروت مكانا مثقلا بالحزن وغير صالح للاقامة والعيش.
الاغتيالات كانت تحديا وطنيا يمكن مواجهته والانتصار عليه، لو لم تدمر الهستيريا الطائفية كل المعاني.
نجح الديكتاتور العربي في محاصرة نبض الحرية في لبنان، ونجحت امريكا في تسفيه معني هذه الحرية. لكن من سمح للاثنين بالنجاح هو نحن، عبر بقاء المجتمع اللبناني اسير البني الطائفية الحمقاء.
لكننا حين نبتعد عن بيروت نشعر بالوحدة واللاجدوي. فقدنا الكلام في مدينتنا، لكننا فقدناه ايضا خارجها، نشعر اننا محاصرون بالصمت ولا نملك سوي الانتظار. ننتظر مناسبة كي نغادرها من اجل ان نتحرق شوقا للعودة اليها. نغادرها لأنها غادرت نفسها، ونعود اليها لأننا بعضها، ولأنها ربطتنا الي حلم قد لا يتحقق.
نحاول ان نقول تجربتنا فيها فنكتشف انها تجربة ناقصة، وانها لن تكتمل الا بولادة جديدة للنهضة العربية.
ننتظر الولادة التي لا تأتي، ونصير اسري الانتظار.