بعد
قرابة قرنين على
بدء النهضة العربية لا يمكن القول ان العرب هم اليوم ازاء دولة
حديثة، حتى في الحد
الأدنى من أشكال الحداثة ومعاييرها. فاشكاليات أواسط القرن
التاسع عشر وأسئلتها لا
تزال هي ذاتها تحاصر وعي النخب العربية وبصورة أكثر حدة مطلع
هذا القرن الحادي
والعشرين، من اشكالية السلطة الى اشكالية المواطنة الى اشكالية
الدين وموقعه في
الوجود الانساني. حتى ان الديموقراطية التي باتت من مرتكزات
الخطاب الحداثي
ومسلماته في عالمنا المعاصر لا تزال مشروعا وليدا طارئا على
الوطن العربي من حيث هو
فكرة ومن حيث هو ممارسة، ما يفسر في رأي برهان غليون لماذا
يسيطر الخطاب
الديموقراطي في الثقافة السياسية العربية في العقدين الأخيرين
أكثر من أي منطقة
أخرى في الوقت الذي تكاد الممارسة العملية فيه تبقى جامدة في
نقطة الصفر.
ثمة
محنة اذن تطاول البنية العربية في كل مظاهرها السياسية
والتنموية والاجتماعية
والثقافية والفكرية. فلا الانسان العربي استطاع ان ينتج بنفسه
مقومات وجوده المادي،
حتى في شكلها الأبسط، ولا هو استطاع ان يشارك في ثورة الحداثة
العلمية والتقنية،
ولا هو تمكن ان يبني دولته الوطنية الصلبة وغير المهددة من
داخلها بتكويناتها
القبلية او العشائرية او الطائفية.
أما الخلل المركزي البنيوي المؤسس لهذه
المحنة والذي لم يتم التعامل معه بما يعرّيه من أصوله وجذوره
ويكشف أثره المقيت على
مجمل حركة النهضة العربية، فيتمثل في رأينا في ثالوث اشكالي
قوامه موقع كل من الفرد
والمجتمع والدولة في العالم العربي وعجزها جميعا عن الارتقاء
الى الحالة الحداثية.
فللفرد موقع مركزي وأساسي وأولي في الحداثة التي مثلت وضعا
جديدا وثوريا في
تاريخ الانسانية انتزع معه الانسان نفسه من قيد الحتميات
الطبيعية والبيولوجية
والثقافية والتاريخية ليغدو سيد خياراته ومالك زمام مصيره
والفاعل في الكون
والطبيعة والمجتمع، وتحول من حالة الوصاية والقبول والعجز
ليتحول الى التمرد والرفض
والقدرة، بحيث بات هو صانع تاريخه والمرجعية الأولى والأخيرة
في كل ما يخص شؤونه
الدنيوية.
لكن الفرد في الواقع السياسي والاجتماعي العربي مغيب بأشكال
شتى بدءا
من
العائلة والقبيلة وصولا الى الأمة والدولة. فالفرد العربي منذ
نعومة أظافره يربى
على الخضوع والاستسلام التام لمشيئة عائلته والأعراف السائدة
في قبيلته بحيث يعد كل
خروج مروقا وشذوذا وانحرافا يجب قمعه بكل الوسائل لكي يرجع
المتمرد صاغرا الى بيت
الطاعة العائلي والقبلي، ويكون الموقف أشد وطأة وعنفا بالنسبة
للمرأة.
والفرد
في
المجتمع يجب ان يتقيد بالسائد من الأفكار والأعراف والتقاليد
والا اعتبر تصرفه
كفرا يستحق الاقصاء والابعاد والنبذ. ينطبق ذلك على الاجتماع
كما على السياسة
والفكر، فليس مقبولا ان يسلك الفرد سلوكا مختلفا في حياته
الشخصية او في علاقاته
الاجتماعية او في توجهاته الفكرية والدينية، كما ليس مقبولا
كذلك ان ينحو نحوا
متميزا في حال انخراطه في حركة سياسية او حزبية، والا اعتبر
موقفه تآمرا وتخريبا
يجب ان يواجه بالشجب والادانة والوضع موضع الشبهة والاتهام
انتهاء بالفصل او الطرد.
وليس مسموحا للفرد أن يذهب في تفكيره بعيدا عن الأطر الجاهزة
والمتوارثة والعقلية
المهيمنة، والا وضعت أفكاره في خانة «البدعة» و«الكفر» مع ما
يستتبع ذلك من نتائج
مدمرة معنويا وماديا.
وينزل الفرد في الخطاب السياسي العربي الى مرتبة هامشية
وثانوية، فهو في كل الحالات يجب ان يكون خادما أمينا للطوبى
وجسر عبور الى المثل
العليا المؤجلة، القومية او الاشتراكية او الدينية، ولو على
حساب فرديته وارادته
كفرد متميز ومستقل. وهكذا كان عليه دائما ان ينتظر تحقق الوحدة
القومية او انتصار
الطبقة القائدة او العقيدة الملهمة أملا بفردوس مفقود.
أما المجتمع فهو في شكله
الحداثي «المجتمع المدني» المرتبط بنشأته ومضمونه بالثورة
الحداثية، حيث أعيد تشكيل
الفضاء الاجتماعي على أساس «العقد الاجتماعي» المبرم بين أفراد
الهيئة الاجتماعية
أنفسهم، وليس بينهم وبين أية قوة خارجة عنهم متعالية عليهم.
وقد حدث هذا التحول في
سياق تطور تاريخي في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة
والفكر، حيث تم تجاوز
المرجعية اللاهوتية لمصلحة المركزية البشرية، وقام مجتمع
المواطنة، وتكرست حقوق
الانسان في الحرية والنقد والمساءلة، وانهار الحكم المطلق
لمصلحة المجتمع المدني.
ولم يكن ذلك ممكنا لولا التصور الحداثي للفرد والحرية الفردية
باعتبارها حقا طبيعيا
ملازما للوجود الانساني، فثمة تلازم في المرجعية الحداثية بين
المجتمع والفرد
وحقوقه الطبيعية وقراره المستقل عن أية مرجعية خارج «العقد
المدني» الذي يؤطر
الأفراد في علاقات اجتماعية تتحدد بـ «المجتمع المدني».
لكن المجتمعات العربية
في
شكلها الراهن ليست مجتمعات «مدنية» بالمعنى الحداثي، اذ ان ثمة
معوقات أساسية
وجوهرية تربك تطورها وتعيق تأطرها في علاقات مدنية عصرية.
فالتركيب القبلي العشائري
الاتني الطائفي العميق الجذور في تناقضاته والمرتكز أصلا الى
أساس تاريخي معقد،
أعاق قيام المجتمع المدني في العالم العربي وأدى الى طغيان
الولاء الطائفي والقبلي
على الولاء الوطني والقومي والمدني، وتحكّمه شبه الكامل بما
يسمى تنظيمات المجتمع
المدني، وكون هذه التنظيمات في الغالب واجهات لعصبويات ما قبل
حديثة وما قبل مدنية
على رغم تسمياتها المدنية والعصروية المخادعة.
كما أن تريّف المدن العربية على
نحو متصاعد أربك ولا يزال يربك هو الآخر تحول المجتمعات
العربية الى مجتمعات مدنية،
حيث هيمن العقل الريفي بأنماطه السلوكية وأعرافه اليدوية
المتخلفة، حتى في
المجتمعات المدينية، ما أبقى العلاقات الاجتماعية في غالبيتها
علاقات شخصانية،
فئوية، تراتبية على عكس العلاقات التعاقدية التنافسية المدنية
القائمة في المجتمعات
الحديثة.
على قاعدة هذا الخلل الديموغرافي الاجتماعي قامت الدولة
التسلطية
العربية، ثالث أكبر وأهم الاشكاليات المؤسسة لمحنة الحداثة
العربية. فاذا كانت فكرة
المواطنة والمساواة والمشاركة مصاحبات ضرورية لفكرة الدولة
الحديثة كي لا تستبد
بالمجتمع او تنفصم عنه، بما يؤكد الارتباط الشرطي بين مؤسسة
الدولة والديموقراطية
في
المفهوم الليبرالي الحداثي، فان الدولة التسلطية العربية
بانفصالها الكامل عن
المجتمع وقصور تمثيلها لتكويناته وممارساتها الفوقية والعدائية
ازاءه، كرّست العقل
الرعوي الاستبدادي وأسهمت في تأخير الوعي المدني الحديث، وكان
ان أخليت الساحة أمام
العقل الأصولي التكفيري الذي يهدد برد المجتمعات العربية الى
القرون الوسطى وتسعير
العصبويات الأهلية ما قبل المدنية وتعبئتها، حيث لوحظ في
السنوات الأخيرة تقدما
ملحوظا للفئات الأصولية والأحزاب ذات التوجه الديني والطائفي
في المجالس النيابية
والهيئات النقابية والشعبية في غير قطر عربي.
نخلص من ذلك كله الى الاستنتاج ان
محنة الحداثة العربية مرتبطة أصلا وأساسا بذلك الثالوث
الاشكالي المتمثل في موقع كل
من
الفرد والمجتمع والدولة في العالم العربي، وما لم يتم تقدم
جذري وشامل على صعيد
هذا الثالوث، فلن يحصل في رأينا أي تطور جدي وجوهري على صعيد
تحديث العالم العربي،
تطور يتغير معه توجه العرب التاريخي وموقعهم في العالم الحديث.
([)
كاتب لبناني


