3 استحالة
التوفيق بين الإجماع الرسالي وبين
المنظومة الحقوقية للحداثة:
لأجل ذلك ربما كان ينبغي الانطلاق لا من
فكرة «الديموقراطية» بحد ذاتها، إنما من
فكرة «الدستور». قلما وجدت فكرة
الديموقراطية أنصاراً جماهيريين حقيقيين
لها في العالم العرب، وقلما وجدت أعداء
فعليين جادين معلنين كثراً، اذ غالباً ما
تكون الحجة هي دفع الزغل بالزيغ، والدعوة
قبل كل شيء للإجماع على «تعريف»
للديموقراطية، تعريف لن يجري الاتفاق عليه
قبل نهاية العالم.
بخلاف ذلك، فقد شكّلت فكرة «الدستور»، في
النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف
الأول من القرن العشرين محور استقطاب ما
بين القوى الاجتماعية والخيارات الكبرى في
هذه المنطقة.
فقد حققت قوى الإصلاح والتنظيمات في
الدولة العلية بدايات مواطنية عثمانية
حديثة في أثر قيام الجيش النظامي وتبديد
الانكشارية، اذ جاء إقرار خط كلخانة
الشريف عام 1839 ليكرّس هذا المنحى، وكان
شرط الانتقال من ثنائية الحاكم والرعاية
الى ثنائية الدولة والمواطن هو الإقرار
بالمساواة القانونية الشكلية بين جميع
الرعايا، الذين يصيرون إذاك مواطنين
بالقوة.
وقد كانت المواطنية العثمانية هي الإطار
القيمي والقانوني المتمّم لضرورات التمدين
والنمو السكاني، حيث أن أوّل وعي لتأخر
السلطنة أمام الأمم المحيطة بها شمالاً
وغرباً، والمكبدة إياها هزائم في أواخر
القرن الثامن عشر، هو الوعي بالعطالة
الديموغرافية، متقاطعاً مع الوعي بالتأخر
العسكري، كماً ونوعاً.
أما الوعي بضرورة انتهاج المسلك الدستوري
فقد جاء تتويجاً للتلاقح بين الوعي بضرورة
إقرار المواطنة العثمانية وبين الوعي
بضرورة ترسيخ وتوسيع الإصلاح الاداري
والعسكري للسلطنة.
وعلى هذا الأساس تطلعت القوى الدافعة
للتنظيمات الى قيام الدستور العثماني، وهو
ما تحقق عام ,1876 مع اقرار النظام
الأساسي، انما لسنتين يتيمتين. اذ أدت
الهزيمة الجديدة أمام الروس، والصلح
المخزي في ستان ستيفانو، الى تعليق
السلطان عبد الحميد الثاني العمل بأحكام
الدستور، وحله مجلس المبعوثان عام .1878
حتى العام ,1878 كانت القوى المؤيدة لفكرة
«الجامعة الاسلامية» (التضامن بين
المسلمين، التحديث كمساعد وحاث على هذا
التضامن) هي قوى مؤيدة للتحديث والدسترة.
كانت الحركة من أجل جامعة اسلامية هي
الحركة الدستورية. وكانت الجامعة
الإسلامية تتناقض في ذلك تماماً مع القوى
المؤيدة لفكرة «الصحوة الإسلامية»، أي تلك
التي تراهن على اعادة أسلمة المسلمين بحجة
أن إسلامهم ناقص نخرته البدع واختل فيه
ميزان الفطرة.
أما ابتداء من 1878 فقد تحولت الجامعة
الإسلامية للانقلاب على الحركة الدستورية
والإصلاحية، وسرعان ما بوشرت عملية ردم
الهوة الفاصلة بين الجامعة الإسلامية وبين
الصحوة الإحيائية أو السلفية. أما
الاستبداد الحميدي، فلم يكن بمقدوره أن
يعود للاستبداد التقليدي، ما قبل
التنظيمات، وانما تحول الى ضرب من «حالة
طوارئ مستمرّة لعقود»، ومسيرة بتفسير
تآمري فظ للعبة الكبرى التي تضرب السلطنة.
إلا انه كنا نحتاج لمرحلة ما بعد ضياع
السلطنة لنرى فعلاً عملية «التأليف»
الأخوانية في مصر، بين فكرتي «الجامعة
الاسلامية» و«الصحوة الاسلامية»، وقد
كانتا في ما مضى فكرتين متواجهتين بل
متناحرتين. فكرتان عجز جمال الدين
الأفغاني عن التوفيق «النصف مسكوني، النصف
ارتجالي» بينهما، واستنكر محمد عبده مغبة
التوفيق بينهما، نظراً لتناقض ذلك مع فكرة
الإصلاح الديني التربوي المتدرّج. أما
محمد رشيد رضا فقد مهّد، في ظروف نهايات
السلطنة، للمسار التوفيقي بين فكرتي
«الجامعة الإسلامية» و«الصحوة الإسلامية»،
ما سوف يدشنه «حركياً» الإمام حسن البنا
عام 1928 بقيام جمعية الأخوان المسلمين
كجمعية مناهضة في الأساس، لا لفكرة
الديموقراطية التي «قد» يجوز تأصيلها،
وإنما لفكرة الدستور التي لا تأصيل لها أو
تسامح معها، كونها فكرة شريرة ضيّعت
الخلافة في تركيا، وضيّعت على مصر
العشرينيات، قصراً وأزهراً وأهلاً، الفرصة
المثلى لحفظ الخلافة في المسلمين.
منذ عام 1928 اذاً، بدأت مرحلة جديدة من
محاربة فكرة الدستور في الشرق العربي ـ
الاسلامي، على أساس أن «القرآن دستورنا»،
ولا شارع الا الله. لم يطل العهد كثيراً
قبل أن نرى نظيراً قومجياً، وبالتحديد
بعثياً للطرح الأخواني. فان لم يكن من
شارع غير الله في مقال الأخوان المسلمين،
فلا شارع بالمرة في مقال البعثيين.
المقابل البعثي للطرح الأخواني هو أن
للأمة رسالة تعلو وتستخف بكل دستور، وانه
وجب على جميع الدساتير أن تكون «مؤقتة»،
جاهزة لحذفها جملة متى كانت تدعو الحاجة
القومية الى ذلك.
المفارقة أنها دساتير يجب التأكيد على
طابعها «المؤقت»، وعلى الطابع «المؤقت»
للكيان الوطني أو «القطري» الذي هو اطار
لها، في حين يقرّ من خلال طابعها «المؤقت»
و«العابر» هذا، بالطابع «الأبدي» أو
«الخالد» لسلطة الحزب القائد، أو القائد
الحزبي، في المجتمع والدولة.
هكذا سدّدت للفكرة الدستورية طعنتان.
واحدة من موقع «السياسة الشرعية» التي
يمكنها تأصيل كل المقولات السياسية
«باستثناء» مقولتي الدستور والمواطنة،
وطعنة أخرى من موقع «الشرعية الثورية»، أو
«الشرعية الانقلابية»، التي أطاحت
بالتجارب البرلمانية في كل من سوريا ومصر
والعراق.
لا يعني ذلك أن الطعنتين مختلفتان جوهراً
من حيث القاعدة الذهنية ـ المعرفية لهما.
فكل من «السياسة الشرعية» المعاد إطلاقها
في «منار» محمد رشيد رضا، (بعد طي مغامرة
محمد عبده في إعادة تأسيس علم التوحيد أو
علم الكلام)، و«الشرعية الانقلابية» كما
أسس لها آباء القومية العربية، انما
تتشاركان في قاعدة ذهنية ـ معرفية مشتركة،
عنوانها «الإجماع الرسالي الأمة»، الإجماع
المسكون بالسحر، والمحترس من الجنّ،
والمحيل إلى الغيب.
والأمة بشرط «الإجماع ما قبل الحداثي» هذه
ليست الأمة بالمفهوم الحديث، كأمة عضوية ـ
طوعية أو كدولة أمة، وإنما بالمفهوم ما
قبل الحديث، كأمة رسالية، أمة «وسطى» بين
جميع الأمم، أمة موصولة رأساً بحقيقة
الحقائق، أمة يعتصم إجماعها بحبل الوحي.
في حالتي إعادة إطلاق «السياسة الشرعية»
واندفاعة «الشرعية الانقلابية»، كنا أمام
مواصلة للانقلاب الحميدي على الحقبة
الوحيدة التي شهدت إصلاحاً سياسياً
تاريخياً شاملاً في التاريخ الحديث لهذه
المنطقة، أي حقبة التنظيمات العثمانية
(1839ـ1878)، هذه التنظيمات التي فشلت
لأنها أرادت تسخير فكرتي المواطنية
والدستور كسبيل لإعادة شحن إجماع الأمة
الرسالة التي تتوسط جميع الأمم، فكان ما
كان.
كانت مغامرة إعادة تأسيس الإجماع الرسالي
للأمة على قاعدة تظهيره كإجماع مواطني
ودستوري هي المحاولة التاريخية الأولى
والأخيرة لإخراج فكرة الاجماع الرسالي
للأمة من سجل النظم الاستبدادية الآسيوية،
ومن ثنائية الوحي أو الهوى، وما تجرّه من
ثنائية تأصيل وتبديع.
حسبت التنظيمات العثمانية، هذه المغامرة
الرائدة والمحبطة، أنه يمكن إنضاج «إجماع
رسالي بشروط دستورية» بمثل ما خبر
«الإجماع الرسالي للأمة»، مراحل مختلفة في
تاريخه. إذ هو تحوّل من الإجماع
الكاريزماتي للصحابة، أو «الجيل
الاستثنائي» (سيد قطب) الحاضن والحامي
للنص المؤسس والحافظ للمرويات النبوية،
الى الإجماع على قاعدة العصبية في العصر
الأموي من الملك العضوض، إلى الإجماع على
قاعدة الإجماع الفقهي، في أعقاب عصر
التدوين وقيام المذاهب، وهو الإجماع الذي
تتمثل زاوية نظره في إقفال الاجتهاد في
القضية التي صار عليها إجماع فقهاء في
مذهب معين. ثم صرنا الى «الاجماع»
السلطاني للسياسة الشرعية عند الماوردي
وامام الحرمين الجويني، على قاعدة تثنية
رأس الهرم بين خليفة وسلطان، بحيث يمكن
للسلطان أن يحجم سلطة الخليفة، لكن محظر
عليه أن يلغي الخلافة، أو يتخذها لنفسه،
فالأئمة من قريش.
ويضاف بعدها «الإجماع السلفي» أو
التنقيحي، الذي اجترحه ابن تيمية وابن
القيم على أساس نفي التناقض أو «درء
التعارض» بين العلوم النقلية أو السمعية
وبين العلوم العقلية، واعتبار هذا التعارض
اشكالية زائفة ودخيلة من أساسها، ودرؤها
من خلال «إعادة توحيد» الدين، من حيث أن
حجية الإسلام أنه دين للوحي (من فوق الى
تحت) ودين للفطرة (من تحت) الى فوق، في
آن، ولا مكان فيه، لثنائية «العقل
والايمان» اليهو ـ مسيحية، كما لا متسع
فيه لأي عرفان أو غنوص. قضى هذا الإجماع
التنقيحي بالوصل مع الإجماع الكاريزمي
لجيل الصحابة والتابعين، وباعادة تدوير
الاجماع الفقهي ـ التقليدي، على هذا
الأساس.
أسس هذا الاجماع التنقيحي لاحقاً لحركات
الصحوة الاحيائية، التي كانت تختزن في
ذاتها، في القرن الثامن عشر، وفي أشكالها
المتعددة من الهند المسلمة الى الجزيرة
العربية نجداً ويمناً، ما يمكن الاصطلاح
على تسميته بالمقدمات «الجوانية» البدئية
لاجتراح حداثة. حيث أن هذا الاجماع جاء
يكسر حدية ثنائية التبديع والتأصيل، على
اعتبار أن كل البدع ضلال، وان الاقتداء
بالسنن كافة يغني عن كل البدع.
بيد أن مطب الاجماع التنقيحي أو السلفي،
أنه بمراجعته للتقليد الكبير كما أرساه
الفقهاء من «ورثة الأنبياء»، وبالذات كما
أقام نظيمته الامام الشافعي، انما أعاد
اطلاق التوتر بين مرجعيتي القرآن والسنّة،
فصار تاريخ الإصلاح الديني في الاسلام الى
سلسلة تقطعات بين نزعات «إعادة اعتبار»
للقرآن تقابلها نزعات «إعادة اعتبار»
للسنّة، بعد أن ضربت «الوحدة النصية»
لهما، كما أقامها الإمام الشافعي.
أما من ناحية الصنيع التاريخي لبني عثمان
فأمكن اجتراح تنقيح إجماعي من نوع آخر،
بأثر من النموذج البيزنطي القيصري ـ
البابوي، césaro-papiste، حيث الامبراطور
هو رأس الكنيسة.
لم تكن وراثة العثمانيين لأسلافهم
البيزنطيين مباشرة، انما من خلال أخذها عن
تجربة نهوض الروس، في القرنين السابع
والثامن عشر، وبشكل واضح بعد هزيمة
العثمانيين أمام الامبراطورية كاثرين
الثانية، وتوقيع صلح كوجوك كاينرديه عام
,1774 اذ كانت أول مرة يجتمع فيها لقبا
السلطان والخليفة في توقيع معاهدة تلي
القانون الدولي.
بمعنى من المعاني، كان الاجماع التنقيحي
السلفي مناقضاً في الأساس للاجماع
التنقيحي المقتبس عن النموذج البيزنطي.
الأول ولّد دينامية «الصحوة الاحيائية»،
أي تفكيك التقليد الكلاسي الكبير للاتصال
مباشرة بالسلف الكاريزمي الصالح. أما
الثاني فولّد دينامية «الجامعة
الاسلامية»، التي احتضنت التنظيمات
الاصلاحية العثمانية، ثم عادت، فقتلتها في
مهدها.
المفارقة المأسوية ان فكرة الجامعة
الاسلامية المتصالحة مع المواطنة والدستور
لم تنقلب على نفسها شيئاً بعد شيء، انما
انقلبت رأساً على عقب بشكل فظ ومباشرة بعد
أن وصلت الى لحظة الذروة الدستورية. فبعد
سنتين من اعتماد الدستور العثماني جرى
تعليقه.
4 ـ دفاعاً عن الوراثة كحق
ما حدث لم يكن عارضاً. فالإجماع الرسالي
الحريص على دعامة أن لا شارع غير الله،
ليس يمكنه التوفيق بينه وبين المنظومة
الحقوقية والسياسية للحداثة، لأنه لا سبيل
في الأساس للتوفيق بينه وبين تفريع أصول
الحق إلى ثلاث، أي الى حق الهي وحق طبيعي
وحق وضعي.
الشكل الوحيد لإعادة إنتاج الإجماع
الرسالي على محك الحداثة هو التخليط
والتلفيق بين المصادر الحقوقية الثلاثة،
ومن هنا آية العجز ومنتهى الشطط.
بتوزيع فكرة الحق بين أصول ثلاثة، فقد
تمكن الغرب المسيحي من تأسيس الاستقلال
المتبادل بين الفضاءات الثلاثة، الإله
والعالم والإنسان.
لم يكن «انفكاك سحر العالم» مؤمناً إلا
على هذه القاعدة. تلك القاعدة نفسها التي
سمحت سياسياً، بالتسويغ لاستقلالية وتكامل
المرتكزات الثلاثة لأي حركة دستورية، أي
لمفاهيم «السلطة التأسيسية» (من حيث أنها
مستقاة من فكرة الخلق الالهي بعد أنسنتها
على قاعدة الاستقلال المتبادل للإله
والإنسان)، و«السيادة السياسية» (من حيث
هي التجسيد لفكرة الحق الطبيعي بعد
أنسنتها على قاعدة الاستقلال المتبادل بين
العالم، أو الطبيعة، وبين الانسان)،
و«العقد الاجتماعي» (من حيث هو الإطار
الميتافيزيقي الحداثي الذي استحله لنفسه
الحق الوضعي سبيلاً للمواءمة بين الحقين
الالهي والطبيعي، وسبيلاً لتجاوز أو «نسخ»
كل منهما).
ثم أن هذا التثليث على صعيد مصادر الحق،
عاد وانعكس تثليثاً على صعيد استقلال
وتكامل السلطات الدستورية، بين تشريعية
وإجرائية وقضائية، وفقاً لمبدأ مونتسكيو
في وجوب أن تحد السلطة بالسلطة.
يقوم الإجماع الرسالي، المنقلب تلفيقاً
وفصاماً ساعة يصطدم بمحك الحداثة، على
أساس إنكار أي قائمية للعالم بذاته، وأي
قائمية للإنسان بذاته.
لأجل ذلك، فإن كل التماس «لانفكاك سحر
العالم» على قاعدة احترام منطق الإجماع
الرسالي المسكون بقسمة الخلق إلى أنس وجن،
إنما هو التماس محكوم بشكل قبلي، بإنكار
قائمية أو واقعية هذا العالم بحد ذاته،
وقائمية أو واقعية الانسان في هذا العالم
بحد ذاته.
بمعنى آخر، اشتركت التيارات «السلفية» كما
«النهضوية» في تنازع قاعدة مشتركة من
العوائق الذهنية ـ المعرفية، التي ترسي
على المفارقة التالية: أن أي إنكار لكون
العالم مسكوناً بالسحر، سيؤدي، في حال عدم
الخروج على الإجماع الرسالي للأمة، إلى
إنكار حقيقة هذا العالم نفسه، كما سيؤدي
كل إنكار لسطوة السحر على العالم إلى
محاربة السحر بشعائر من السحر نفسه.
والمشكلة تعظم لأنه غالباً ما يحاول
التفلت من سطوة «الإجماع الرسالي» على
قاعدة تغييب الحجر الأساس في تفكيك سحر
العالم، أي فكرة الحق الطبيعي.
وفي هذا الصدد، كل ما في مستطاعنا قوله
الآن، هو أن ما يميز هذا الشرق العربي ـ
الاسلامي، تاريخياً وانثروبولوجياً
(اناسياً) ليس طغيان مبدأ الحق الطبيعي
بالوراثة بوصفه منفذ الى فكرة الحق
الطبيعي بعامة. إنما العكس تماماً، أي
امتناع الوراثة من أن تدوّن حقاً بذاتها،
واستمرار تصويرها على أنها اما أمر واقع
حادث بالقوة، واما هي مرهونة بالإجماع، أو
شكل من أشكاله، أو كفالة له.
وهذا يصح في السياسة والمُلك، كما في
التملّك والاقتصاد. فعلى الرغم من أن
الخلافة الإسلامية انتقلت من الراشدين الى
الملك العضوض، إلا أن ما جرى كان أبعد من
تكريس الوراثة بما هي حق طبيعي. إنما جرى
تكريس مبدأ العصبية كشرط لازم لتحقيق
الإجماع، وفي حدود الإجماع. لم يتأمن الحق
الطبيعي بالوراثة السيادية لا في الخلافة
والسلطنة، وحتى عندما جمع العثمانيون
بينهما، لم يتمكنوا من إقرار الوراثة كحق
طبيعي. بل كانت وصية الأب لابنه البكر بأن
اقتل أخوتك ما أن تُولّى.
كذلك الملكية العقارية، ما كانت لتعرف
حقاً نظراً لامتناع الوراثة كحق طبيعي. بل
كانت المزرعة الضريبية (التمار أو
الالتزام) تقتطع اما على أساس الاستحقاق
العسكري أو الحظوة السلطانية، ولا تنتقل
بالوراثة كحق طبيعي مكتسب، الا في فترة
متأخرة من التاريخ العثماني.
تاريخياً، يمثل تكريس الوراثة كحق طبيعي،
مرحلة رئيسية في التاريخ الحقوقي
والقانوني، هي مرحلة يمكن أن تمهد لاحقاً
لتجاوز حد الوراثة نفسه، من بعد تجذير
«الحاضنة الوراثية» لمعنى الحق، وتطويره
إلى درجة يفيض فيها، منها وعليها.
إنما العكس ليس صحيحاً. اذ لن يؤدي
استتباب الوراثة المناطة بحد الإجماع،
والقائمة بالتغلب، الى تكريس التوريث في
حق طبيعي مستقل بذاته، بل لن يؤدي التغلب
التوريثي المتمسح بقاعدة الإجماع الا الى
مزيد من التمنع أمام المنظومة الحقوقية
الحداثية جملة.
بهذا المعنى، يمكن المخاطرة بالقول مثلاً،
إنه، في اليوم الذي يكرّس فيه مبدأ وراثة
الابن البكر لأبيه في المملكة العربية
السعودية بموجب قانون للتوريث، سنكون قد
خطونا خطوة جبارة نحو قيام الملكية
الدستورية فيها. النموذج النظري لا يحصر
طبعاً في النموذج السعودي وحده.
أما في الجمهوريات العربية التي تبدو
مقبلة على التوريث، والتي تخير شعوبها
والعالم بين التوريث والفوضى، أو بين
التوريث والمجاعة، من سوريا الى مصر، ومن
ليبيا الى اليمن، فإننا أمام «جنوح
توريثي» ليس يمكن تأطيره في حق. انما هو
حالة متقدمة من تآكل شرعية النظم
الجمهورية ونضوب مواردها السياسية،
مقروناً بالتعطل شبه الكامل لآليات خلعها.
فالشرعيات الانقلابية ـ الجمهورية، وان
قضت على البرلمانيات العربية السورية
والمصرية والعراقية في الخمسينيات، إلا
أنها كانت تبقي مجالاً لنوع تعسفي وفظ من
«التداول على السلطة»، هو الانقلاب
العسكري نفسه. حيث لم يكن «الحكم مدى
الحياة» وارداً أو ميسّراً.
المنحى الذي تتخذه الشرعيات الانقلابية
سيجنح إلى العكس بعد هزيمة 67 وأفول
الناصرية. فصار الحكم مدى الحياة أكثر من
وارد، في كذا جمهورية عربية، وصرنا أمام
تجارب «ختم التجربة الانقلابية»، ليس
بالعدول عن الثقافة الانقلابية، انما
باجتراح الانقلاب الأخير، في سوريا ومصر
والعراق كنهاية للتاريخ. ولم نكن أمام
نموذج «الحكم مدى الحياة» ممنوحاً لآباء
مؤسسين. اذ مَن مِن هؤلاء يمكنه أن يقارن
بالغازي مصطفى كمال (أتاتورك) أو بالمجاهد
الأكبر الحبيب بورقيبة؟!
هذا الحكم مدى الحياة جاء من فرط امتناع
أسباب الشرعية، وليس من فرط توفرها كشرعية
تأسيسية نابضة. ان هذا الحكم مدى الحياة
من دون انجازات تأسيسية هو عينه الحكم ما
بعد الحياة، أو ما يمكن الاصطلاح على
تسميته بـ«حالة طوارئ متواصلة الى فترة ما
بعد الموت» Etat d"exception posthume،
سواء تحقق ذلك بالتوريث البيولوجي الصرف
(سوريا)، أو بحظر «ترويج اشاعات عن صحة
الرئيس» (مصر). وهذه في عرفنا أبعد نقطة
عرفها النظام السياسي العربي لجهة التخلف
عن مسيرة الإصلاحات التي عرفها عهد
التنظيمــات العثمانية في القرن التاسع
عشر.
([) نص المساهمة المقدمة يوم الأحد 4
تشرين الثاني 2007
في اطار ندوة:
التي نظمها المركز الإقليمي لمنع النزاعات
في الأردن بالتعاون مع مؤسسة كونراد
اديناور.


