هناك قول للكاتب العربي خالد محمد خالد في أنه توجد مسافة شاسعة بين الإصلاح وبين النهضة والانبعاث. وفي اعتقادي أن اقتراب الإصلاح أو ابتعاده عن حالتي النهضة والانبعاث يحدده مدى توافر الشروط المطلوبة لكل عملية إصلاح، سواء أكان إصلاحاً عاماً أم إصلاحاً قطاعياً (في الصحة أو الاقتصاد أو التربية والتعليم مثلاً). ومن بين الشروط التي يجب أن تتوفر ما يلي:
أولاً: لا يمكن أن تصلح أي وضع أو حقل بتجاهلهما والقفز من فوقهما، عند ذاك تنقلب عملية الإصلاح إلى تمنيات وينبغيات نظرية لا جذور لها في الواقع، بل ستكون طبخة بلا طعم ولا مذاق ولا رائحة. ولعل أخطر تجاهل هو تجاهل تاريخ المحاولات الإصلاحية السابقة إن وجدت. إذ أن وجود تاريخ لإصلاح جدي وحقيقي سابق، خصوصاً إذا سبق وأن كان مماثلاً للمحاولة الجديدة في توجهاته ونظراته واستراتيجياته ومكونات أولوياته، سيحتم أن تكون العملية الإصلاحية الجديدة متممة للمحاولة أو المحاولات السابقة. إن المحاولة الجديدة عند ذاك لن تبدأ من الصفر، وإنما من حيث انتهت المحاولات السابقة بنجاحاتها وإخفاقاتها.
إن أي مشروع للإصلاح يحاول أن يقفز فوق التاريخ، سيعمل في الفراغ ودون استفادة من عبر الماضي. إن أفضل الإصلاحات هي التي تتكون من موجة تكبر عبر الحقب وتعلو على الدوام حتى تصل إلى أهدافها، وليس مجموعة موجات تبدأ كل واحدة منها من الصفر، أي بعد أن تتكسّر الموجة التي سبقتها على صخور المشاكل والصعوبات. وبمعنى آخر فإن كل عملية إصلاح جديدة يجب أن تكون إضافة أو تعديلاً أو تصويباً لما سبقها. وهي لا تبدأ من الصفر إلا إذا لم تسبقها في التاريخ أية محاولات مماثلة جادة وعميقة.
ثانياً: ولأن التاريخ، بما فيه تاريخ كل إصلاح، ليس سرداً لأحداث وإنما هو درس متعمق لأحلام وطموحات وجهود ونجاحات وإخفاقات بشر ومجتمعات، فإن فهمه سيكون مستحيلاً على من لا إلمام له بثقافة وعقائد وعلاقات وتقاليد أولئك القوم وتلك المجتمعات. من هنا فإن عملية الإصلاح، تشخيصاً واستراتيجية وتنفيذاً ومتابعة، لا يمكن أن يقودها أجانب، سواء أكانوا أشخاصاً أم شركات. إن هؤلاء الأخيرين يمكن أن يكونوا، في أحسن الأحوال، مستشارين في بعض الجوانب الفنية والتنظيمية، لكنهم حتماً لا يستطيعون أن يكونوا قلب ورأس وروح عملية الإصلاح المطروحة. نذكر تلك البديهة بسبب المرض الخليجي الجديد في إسناد محاولات الإصلاح، القطاعية منها على وجه الخصوص، إلى مؤسسات أجنبية، تارة باسم عدم الثقة في العنصر الوطني وتارة باسم متطلبات العولمة المشوهة وتارة بسبب سوء فهم الآمرين والناهين.
ثالثاً: الإصلاح الذي لا ينبت من داخل المؤسسة أو الحقل المراد إصلاحهما، ولا يتحمس له العاملون فيهما بحيث يصبح مشروعهم الذي يحتضنونه ويدافعون عنه... هذا الإصلاح لن يكتب له النجاح. إن دول مجلس التعاون ترفض إجراء أي إصلاح سياسي مثلاً مفروض من الخارج، ولكنها تمارس ما ترفضه بالنسبة لمؤسساتها ووزاراتها. ولا يستطيع الإنسان أن يفهم كيف أن مؤسسة حكومية يراد إصلاحها تدار عملية إصلاحها من خارجها، من شركة أجنبية أو من مؤسسة حكومية أخرى. فإذا كانت أية حكومة تشك في قدرة القائمين على المؤسسة المراد إصلاحها في القيام بعملية الإصلاح، فلماذا لا تستبدلهم بآخرين قادرين وراغبين بدلاً من الدوران في حلقة شد الحبال وكسر العظام؟
أشك أنه يوجد إصلاح، سواء أكان عاماً أم قطاعياً، ومسنود بإرادة سياسية، لا يمكن أن تقوم به قدرات علمية وتنظيمية محلية مسنودة بقدرات عربية من داخل الوطن العربي أو من المَهاجِر. ولو كان المسؤولون مطلعين بما فيه الكفاية على أدبيات الحقول التي يودون إصلاحها، لعلموا أن كل ما تفعله مؤسسات "الإصلاح" الأجنبية التي تدفع لها ملايين الدولارات، هو مجرد إعادة كتابة ما في الكتب والتقارير الدولية وتقديمه كمشاريع إصلاح. لكنه الطبع الرسمي العربي القديم: للحروب يؤتى بالمرتزقة الأجانب، وللإصلاح يمتد البصر إلى خارج الأوطان، بينما تبقى القدرات المحلية والعربية متقيحة بيأسها وإحباطاتها.
د. علي محمد فخرو


