وعدت القارئ في مقالي الماضي "مراجعة نقدية للعولمة" (نشر في 8 نوفمبر 2007) بالقيام بزيارة ثانية للعولمة! وعنيت بذلك على وجه التحديد أنني منذ اكتشفت المفهوم منذ بداية التسعينات وأنا في سياق إعادة صياغة إطار نظري لفهم العالم بعد سلسلة من التغيرات الكبرى التي لحقت ببنية المجتمع العالمي، كتبت ونشرت عديداً من الدراسات والكتب عن ظاهرة العولمة بتجلياتها المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية والاتصالية.
ولكن بمرور أكثر من خمسة عشر عاماً على هذه البدايات المبكرة في طرح الموضوع للنقاش، أحسست بحاجة إلى زيارة ظاهرة العولمة مرة أخرى، نظراً للثراء العلمي في الدراسات والبحوث التي نشرت وحاولت أن تتعمق فيها من ناحية، وبحكم كشف القناع عن عديد من المناطق المعتمة من هذه الظاهرة، بحكم تعدد وتنوع الممارسات في الغرب والشرق على السواء. غير أنني أصارح القارئ أن الزيارة الثانية للعولمة لم تكن سهلة ولا ميسورة، وذلك لصعوبة الخوض في آلاف الدراسات والأبحاث التي نشرت محاولة جلاء الطبيعة الحقيقية للعولمة، ونظراً لتراكم طبقات كثيفة من الخبرة العملية في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة.
وأياً ما كان الأمر، فقد تبين لي أن تطبيق منهج ثلاثي الأبعاد كفيل بأن يجعلنا نقترب من ظاهرة العولمة بشكل منهجي متكامل. وهذا المنهج -كما قررنا في مقالنا الماضي- يتمثل في دراسة الاشتقاق اللغوي لمصطلح العولمة. وبحث مختلف جوانبها باعتبارها عملية تاريخية، وأخيراً تحليل الخطابات الإيديولوجية المتعددة التي صيغت من قبل أطراف متعددة محاولة الكشف عن سماتها الفارقة. ولعل القارئ يتفق معي على أنه لا يمكن في مقال وجيز، له مساحة محدودة، أن نمارس ترف الدراسة التفصيلية للاشتقاق اللغوي لكلمة العولمة!
غير أنه يمكن القول إن اللغة الإنجليزية في استخدامها لكلمة العولمة globalization تختلف عن اللغة الفرنسية التي تستخدم كلمة أخرى هي "الكونية" la monadialisation وقد وجدت أن "الكونية" هي المرادف الأقرب لما تعنيه الكلمة الفرنسية، لأنها أوسع في معانيها من كلمة العولمة الإنجليزية لكونها تشير إلى عملية لانهائية تشمل العالم كله على المستوى الجزئي والمستوى الكلي، بالإضافة إلى كونها تشمل الأرض أيضاً والإنسانية جمعاء. وهذه المعاني في الحقيقة أشمل بكثير من المعاني المحددة لكلمة العولمة بالإنجليزية المشتقة من كلمة "العالم" globe. ونريد أن ننصرف عن هذه الملاحظة اللغوية المهمة والتي انعكست على اختلاف نسبي بين الدراسات الأنجلوسكونية للعولمة والدراسات الفرانكفونية، لكي نركز الحديث على العولمة باعتبارها عملية من ناحية وخطاباً من ناحية أخرى. يثير عدد من الباحثين الثقات (أبرزهم آنا ديموتروفا التي أشرنا من قبل إلى رسالتها المهمة للماجستير) إلى أن العولمة بحسبانها عملية تاريخية تثير خمسة أسئلة رئيسية:
متى بدأت العولمة، وهل هي تمثل ظرفاً جديداً، وما هي طبيعتها وأسبابها والقوى الدافعة وراءها، ومن هي الأطراف الفاعلة فيها، وأخيراً كيف ترتبط بعمليات تاريخية أخرى، والتي تشغل مكاناً في مسار تطورها؟ ومن الطريف أن نقرر -قبل محاولتنا في ضوء التراث النظري، الإجابة على هذه الأسئلة الحاسمة- أن بعض الباحثين يرون في ضوء تعدد المجالات والسياقات التي تؤثر فيها العولمة ونعني في السياسة والاقتصاد والثقافة، أنه قد يكون من الأفضل ألا نتحدث عن "العولمة بالمفرد" ولكن عن "عولمات" بالجمع! بمعنى أن لكل مجال من المجالات الثلاثة التي أشرنا إليها عولمته الخاصة، التي قد تتميز بسمات فارقة عن العولمات الأخرى!
ولكن لكوننا لا نريد أن نزيد تعقيد هذا الموضوع المعقَّد أصلاً، سنقنع بالحديث عن العولمة بصيغة المفرد إلى حين!
متى بدأت العولمة؟ سؤال مهم اختلفت الإجابات بصدده وخصوصاً لدى هؤلاء الذين يميزون بين "العولمات" المختلفة، وقد ذهب أحدهم وهو مارتن آلبرو في كتاب منشور له عام 1996 إلى "أن العولمة الثقافية بدأت الفترة من عام 300 إلى عام 800 بعد الميلاد حين أسست الديانات الكبرى وانتشرت على أوسع نطاق". أما العولمة الاقتصادية والإيكولوجية المعاصرة فيمكن ردها إلى الوراء خمسمائة سنة على الأقل حين كان كريستوفر كولمبس وفاسكو دي جاما هما رائدا العولمة، بالإضافة إلى أن التوسع الأوروبي أرسى أسس النمو في الشمال ومارس النهب المنظم المدمر للجنوب! وقد تكون في هذا الاتجاه الذي يرتد بالعولمة الثقافية إلى تاريخ نشوء وانتشار الأديان الكبرى مبالغة، ولكن الأهم من ذلك هو التساؤل: هل كانت هذه العملية عولمة ثقافية حقاً؟ غير أنه بالنسبة للعولمة الاقتصادية فقد يكون صحيحاً أنها بدأت مع الاكتشافات الغربية الكبرى لأنها كانت رمزاً على فتح أبواب العالم على مصراعيه. غير أن هذه العودة للتاريخ القديم، وإن كانت صحيحة، إلا أنها قد تصرف أذهاننا عن الحقيقة التي مؤداها أن العولمة لم تشهد ازدهاراً وانتشاراً إلا منذ عقود قليلة.
وهناك في مجال "تحقيب" Periodization العولمة تفصيلات متعددة لن نخوض فيها لضيق المقام.
وننتقل إلى السؤال الثاني: هل تمثل العولمة ظرفاً جديداً؟ نعم وبالقطع، وأهم نواحي الجدة أنها قلبت بشكل ثوري مفهومي الزمان والمكان. أصبح الآن -نظراً لثورة الاتصالات الكبرى التي هي إحدى السمات البارزة للعولمة- إحساس مختلف بالزمان، لأننا أصبحنا نتحدث عن قدرتنا كبشر على ملاحقة الأحداث في الزمن الواقعي لها Real time أي لحظة حدوثها، وهذه مسألة جديدة في تاريخ البشرية من شأنها أن تؤثر تأثيراً بالغاً، وخصوصاً في مجال بلورة وتنمية "وعي كوني" من شأنه أن يوحد بين المشارب والاتجاهات والقيم إزاء مسائل الحرب والسلام على سبيل المثال. كما أن الإحساس بالمكان أصبح مختلفاً لأننا أصبحنا نتحدث عن "الواقع الخائلي" Virtual Reality وعن الفضاء المعلوماتي Cyber Space وهذه لغة جديدة مستحدثة غير مسبوقة.
وإذا حاولنا الإجابة عن السؤال الثالث: من هم الأطراف الفاعلون في العولمة؟ لقلنا إنها الدول القومية، والأفراد، والشركات المتعدية الجنسية، والمؤسسات الدولية، ومؤسسات الاستثمار، والشركات غير الحكومية، بل وحتى المنظمات الإجرامية بالإضافة إلى أجهزة "الميديا" المتنوعة، وكل طرف من هذه الأطراف يؤثر على العولمة بطريقته. والسؤال الرابع: ما هي المبادئ والعمليات التي ترتبط بالعولمة؟ لكل عملية -كما هو معروف- دينامياتها الخاصة بها وكذلك العولمة. ويمكن القول إن أفقها لا يمتد إلى نقطة محددة باعتبارها نهاية الطريق، لأن لها انعكاسات شتى على الزمان والمكان، كما أسلفنا. ومن ناحية أخرى يمكن القول إن التغيرات العولمية global تؤدي إلى توسع في الزمن وامتداد في آفاق الأمكنة. ولعل مصداق ذلك يبدو في سرعة تدفق البشر والسلع ورؤوس الأموال والمعلومات. كل شيء يتدفق ويتجاوز كل أنواع الحدود. وكنتيجة لذلك فإن دلالة الإقليمي والمحلي قد ضاق نطاقها. ولم تعد للمسافات قيمة، بعد أن أصبح العالم كله متصلاً ببعضه بعضاً.
وهناك مشكلة ينبغي إلقاء الضوء عليها. هل صحيح أن العولمة -بحكم آثارها الممتدة في كل أركان المعمورة- تستطيع أن تلغي الأبعاد المحلية local، أو بعبارة أخرى، هل العولمة ضد المحلية في السياسة والاقتصاد والثقافة؟ هناك من يرون ذلك، غير أن الرأي الراجح يرى -في ضوء الشعار الشهير- "فكِّر عولمياً ونفِّذ محلياً" أنه لا مجال للتعارض، ولذلك ابتدع بعض الباحثين مصطلحاً جديداً هو glocalization أي المزج بين ما هو عالمي وما هو محلي.
وننتقل إلى نقطة بالغة الأهمية تحتاج إلى دراسات متعمقة، وهي هل العولمة فعلاً عالمية أم أن آثارها الإيجابية تقتصر فقط على الدول المتقدمة اقتصادياً والتي تقود عملية العولمة على حساب دول العالم الثالث من ناحية، بل وعلى حساب الطبقات الفقيرة في هذه الدول ذاتها؟ ومن هنا الحديث عن التهميش الاجتماعي وإقصاء بعض الدول المتوسطة والصغيرة عن الاستفادة من إيجابيات العولمة. وهناك بعض الباحثين الذين يرون أن العولمة مرادفة لـ"الأمركة" أي فرض القيم وأساليب الحياة على العالم، وفي تقديرنا أن هذا الحكم ليس صحيحاً لأن العولمة عملية تاريخية متعددة المصادر في الواقع. وأخيراً يمكن القول إن القوى الدافعة وراء العولمة هي الانتقال من اقتصاد السلع إلى اقتصاد المعلومات، ومن هنا نشوء ما يطلق عليه "مجتمع المعلومات العالمي" الذي يتقدم -ببطء وإن كان بثبات- لكي يتحول إلى مجتمع المعرفة.


