مع بدء العد التنازلي للاجتماع الدولي المتوقع في 26 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، يبدو أنّ أكثر ما يمكن توقعه من هذا الاجتماع هو أن يطلق عملية سياسية تتبعها مفاوضات محددة بجدول زمني، على أن يتم حصر النقاش في الاجتماع بشروط إقامة الدولة الفلسطينية من خلال إعادة إحياء خارطة الطريق التي تختزلها إسرائيل في الاستحقاقات الفلسطينية الواردة فيها، وفي مقدمتها " محاربة الإرهاب وتفكيك المنظمات المسلحة ".

وإذا كان الحديث في بداية الاتصالات للتحضير لاجتماع " آنا بوليس " قد دار حول " اتفاق إطار تفصيلي "، ثم اختُزل الأمر إلى " بيان مشترك دون وضع جداول زمنية ملزمة لإقامة الدولة الفلسطينية وغيرها من قضايا الصراع الجوهرية. فإنّ البند الأول من خارطة الطريق، سيشكل، كما كان عليه الأمر سابقا، نقطة انطلاق لخارطة الطريق الشاملة. إذ يبدو، من الناحية الواقعية والعملية، أنه يُراد للاجتماع الدولي أن يكون بديلا عن كافة المبادرات والرؤى السابقة، وربما محاولة للجمع بينها كلها بشكل انتقائي، بحيث تتشكل " خارطة طريق 2 " تنبثق من " خارطة الطريق 1 "، والمبادرة العربية، وتحفظات شارون الأربعة عشرة وورقة الضمانات الأمريكية لإسرائيل. بحيث نكون أمام خارطة طريق أمريكية - إسرائيلية بتوافق عربي، ولعل هذا ما يوفر انطلاقة تفاوضية تبدأ مع بداية العام المقبل، وتستمر حتى الخريف المقبل.

لقد صرحت وزيرة الخارجية الإسرائيلية، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزيرة الخارجية الأمريكية في القدس، بأنّ الفلسطينيين " في حاجة إلى أن يفهموا أنّ تنفيذ الاتفاقات المستقبلية سيتم فقط طبقا لمراحل خارطة الطريق "، بمعنى أنّ "  الأمن بالنسبة لإسرائيل يأتي أولا ومن ثم إقامة دولة فلسطينية، لأنّ لا أحد يريد دولة إرهابية جديدة في المنطقة ". وتابعت أنه " يتحتم عليهم أن يدركوا أيضا أنه حتى لو توصلنا إلى أرضية توافق، فإنّ تطبيق أية تفاهمات مستقبلية لن يتم إلا وفقا لمراحل خارطة الطريق "، مما يترك الباب مفتوحا لاحتمال عودة الحديث عن الدولة الفلسطينية " المؤقتة " التي تضمنتها المرحلة الثانية من خارطة الطريق.

والسؤال هو: كيف يمكن تحقيق الأمن الإسرائيلي أولا ؟ في ظل استمرار الاحتلال والعدوان العسكري بكل أشكاله، وتكثيف الاستيطان وتسمينه وبناء بؤر استيطانية غير شرعية وتبييضها باستمرار، ومواصلة بناء الجدار العنصري، والحصار وتقطيع الأوصال وتشديد الخناق على قطاع غزة، والتهديد باجتياحه بعد اجتماع " آنا بوليس "، ومع حملة الاعتقالات الإسرائيلية اليومية، وتردّي الحياة الاقتصادية والمعيشية الفلسطينية إلى معدلات غير مسبوقة. في ظل هذه الأوضاع كلها وغيرها، كيف يمكن تحقيق الأمن الإسرائيلي ؟

من جهتها، حاولت وزيرة الخارجية الأمريكية في زيارتها الثامنة الأخيرة " المناورة بين الطلب الإسرائيلي بأن يسبق الأمن سائر القضايا، وبين الطلب الفلسطيني لأفق سياسي وتحديد سقف زمني لبدء المفاوضات ونهايتها ". حيث أقنعت رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الفلسطيني على قبول مجموعة أسس اقترحتها للوثيقة السياسية، في مقدمتها إعلان انطلاق مفاوضات الوضع النهائي لتشمل جميع القضايا العالقة منذ اتفاق أوسلو، وتتضمن هذه الأسس أيضا تعهدا ثنائيا بتطبيق المرحلة الأولى من خارطة الطريق. ولعل أبرز ما تبدى من خلال الجهود  الأمريكية هو جنوح كوندليزا رايس نحو إحياء وتجديد خارطة الطريق، وتحديدها مبدئيا في القضايا الواردة في المرحلة الأولى، ومعظمها أمني محض.

وبالرغم من ذلك، فإنّ الجانب الفلسطيني أبدى استعداه لتنفيذ كل ما يتوجب عليه تنفيذه بموجب خطة خارطة الطريق، خصوصا في مرحلتها الأولى التي تنص على حل المجموعات المسلحة وجمع سلاحها. ولكنه اشترط أن تقوم إسرائيل بتنفيذ متطلبات تلك الخطة، خصوصا في مرحلتها الأولى التي تنص على وقف الاستيطان، بما فيه النمو الطبيعي وإزالة البؤر الاستيطانية، وإعادة فتح المؤسسات الفلسطينية في القدس، وإعادة الأوضاع في الضفة الغربية إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الانتفاضة في 28 سبتمبر/أيلول 2000.

على ضوء ما سبق، فإنّ أقصى ما يمكن أن يتوصل إليه الاجتماع الدولي، هو تحديد موعد نهائي لإنهاء التفاوض، والاتفاق على القضايا الجوهرية، دون الاستناد إلى أسس تتفق مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، فبدلا من وضع جدول زمني لتطبيق الاتفاق، الذي من المفترض أن يتحقق في الوثيقة المشتركة، سيتم الاستعاضة عنه – في أحسن الأحوال -  بتحديد سقف زمني للتوصل إلى اتفاق.

لقد حان الوقت كي يضع المجتمع الدولي، وخاصة الإدارة الأمريكية، النقاط على الحروف وإفهام إسرائيل أنها لا تستطيع التمتع بالأمن والسلام والاستقرار وفي الوقت نفسه مواصلة الاحتلال والاستيطان والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني. أما الفلسطينيون فهم بحاجة إلى وحدة وطنية راسخة مستندة إلى استراتيجية موحدة، لا إلى سراب سلام لن يُعطى، ولن يمكن تطبيقه في ظل موازين القوى الحالية.

ولأنّ الطريق إلى السلام كان عربيا دائما، فمنذ لحظة افتتاح هذا الاجتماع الدولي على العرب أن يؤكدوا على " إننا لا نريد تنازلات فنحن أصحاب حق ولا نريد إلا هذا الحق "، ردا على حكاية " التنازلات المؤلمة " التي اعتاد الإسرائيليون على إغراق كل مفاوضات إيجاد حل لأزمة الشرق الأوسط وللقضية الفلسطينية بها. إنّ العرب والفلسطينيين قبلوا بـ " المساومة التاريخية " على أساس قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338، وخارطة الطريق، ومبدأ " الأرض مقابل السلام وهذا مطلب حق وليس طلب تنازلات مؤلمة أو غير مؤلمة.

 

تونس  في 11/11/2007                   الدكتور عبدالله تركماني

                                       كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 15/11/2007.