أول التغيير في العالم العربي هو اخراج مقولة التغيير نفسها من قيد الابهام، والعود بها الى حوض الدلالة. يكون ذلك بالتوقف عن اعتبار «التغيير» نعتاً سحرياً نخلعه على من نشاء، ونحجبه عمّن نشاء ساعة نشاء.
فالرائج عربياً قانونٌ يختزل حدود كل المفاهيم والتصوّرات ويمسخها الى محض نعوت تساقُ إما على سبيل بذل المدائح أو بغرض كيل الأهاجي. هذا في الوقت نفسه التي تحمّل فيه هذه النعوت المعجبة طاقة سحرية تخال أنها تغدق بالخوارق على الممدود وتنزل باللعنات على المهجو أو المذموم.
وحتى لو سلّمنا بأن الحركة التاريخية العالمية هي حركة «الانتقال» من النظم «الديكتاتورية» إلى النظم «الديموقراطية»، وأن التغيير يقاس على هذا الأساس، فإن هذه الحركة التاريخية المفترضة، والمفترض أنها تتم على دفعات أو موجات، ليست بالنفس الملحمي تستطلع، ولا بالغائية المفرطة أو بالحتمية الغالية تقرأ.
بكلمة أخرى، ليس التغيير في جميع حالاته هو سنّة السنن التي لا رادّ لها. والحمد لله أن التغيير ليس كذلك، وإلا ما كان بالمقدور القبض على حركته في مقولة، والشخوص الى الاشكالية التي يطرحها علينا راهناً، والتي ليست من البداهة في شيء.
1 ـ الحساسيات الحداثية الثلاث
فالتغيير، وتحديداً، صنفه السياسي، مقولة ـ اشكالية، ولها تاريخها. اذ هي طرحت في العصر الحديث في أعقاب الثورة الفرنسية والحروب النابليونية، وتوزعت من بعد مؤتمر فيينا بين ثلاث حساسيات أيديولوجية وسياسية متقابلة.
أولى هذه الحساسيات تقلب المعادلة الثقافية ـ السياسية للنظام القديم، فبدلاً من أن يكون التغيير هو الاستثناء والتقليد هو القاعدة أو الزمن الطبيعي لسير الأمور، اذا بنا نحيل على العكس. يجري «تطبيع» التغيير ويتكرس كقاعدة تلقائية ـ بديهية، قاعدة تنصح بالحفاظ على السريان التلقائي، في محاذرة للافراط، أو للمصادرة على الطبيعة.
في مقابل هذه الحساسية «الليبرالية»، انوجدت الحساسية «المحافظة». ليست تريد العودة فعلاً الى معادلة النظام القديم، انما تريد تغيير مقولة التغيير نفسها، بإدخال التقليد نفسه الى متنها. بحيث يكون التقليد محكاً عضوياً يلزم التغيير بأن يقدّم له أوراق اعتماده، كما يدفع التغيير الى التخصيص، بأن تتجزأ القضايا وتصير عينية تطرح الواحدة بعد الأخرى، فلا تؤدي الطفرة الى الضغط على الطاقة الاستيعابية للتغيير في المجتمع المعني.
من هنا، جاهرت هذه الحساسية «المحافظة» بأنها الأقدر على منح التغيير السياسي صفة «تقريرية» فاصلة، موجهة التهمة للحساسية «الليبرالية» بأنها تميّع مقولة التغيير عند تطبيعها، بل تسقط من التغيير دالّته السياسية.
ولم يتردّد العلامة الأسباني، المتفاخر بانتسابه الى سجل «الثورة المضادة» خوان دونوزو كورتيز (1809-1853) في ذم البرجوازية الليبرالية ـ البرلمانية، واتهامها بأنها مجرّد طبقة ثرثارة تسلب السياسة معناها التقريري، وتستعيض عن اللحظات التقريرية الحاسمة، إما بالتداول الخطابي الديماغوجي المبني على اللغو والابهار، وإما بالانصراف الى الجانب التسييري الاداري التقني البحت، واما بالزعم بأن ثنائية المزاحمة والتعاقد تسري في السياسة كما في عالم المال والاقتصاد.
ولم يتردّد دونوزو كورتيز، وفي معرض ذمّه عدمية الكائن الليبرالي، الذي يفرّغ الطبيعة من مضمونها حين يطبّع التغيير، من تقدير نبل المناضل الاشتراكي أو الفوضوي، الذي يعاديه بشرف.
فقد نهضت في مقابل الحساسيتين «الليبرالية» و«المحافظة»، تلك الحساسية «الاجتماعية»، التي نظرت الى التغيير من طرف المباينة بين تغيير الأشكال والمؤسسات وبين تغيير البنى والعلاقات. فأنكرت أن تكون الرابطة بين التغييرين المؤسسي والهيكلي قائمة بالمباشرة، بل شهّرت بهذه المباشرة المزعومة، بوصفها «وعياً زائفاً»، أي بوصفها مانعة أو معيقة لتعميق وتسريع وتوسيع منحى التغيير.
في آخر الأمر، كان على الحداثة الغربية أن تعرف كيفية التأليف بين هذه الحساسيات الثلاث («الليبرالية» القائمة على تطبيع مقولة التغيير، و«المحافظة» القائمة على ربط حلقة التغيير بدائرة التقرير، و«الاجتماعية» القائمة على ردم الهوة بين التغيير المؤسسي والتغيير الهيكلي). ولم يتأمن التأليف بشكل شامل، الا بعد أن جرّبت كل حساسية بلوغ المدى القصوي لممكناتها النظرية والعملية. فكان علينا انتظار مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبالذات مجرى تطوّر الأوضاع في أوروبا الغربية أيام الحرب الباردة، لكي نشهد انبثاق مساحة وافية ومستقرة نسبياً من «الاجماع الديموقراطي ـ الليبرالي» من حيث هو الشكل السلمي المستديم لتنظيم عملية التناقض والتفاعل بين الحساسيات الحداثية الثلاث المرتبطة بإشكالية التغيير (الليبرالية والمحافظة والاجتماعية)، ومن وراء هذه الحساسيات تنظيم عملية التناقض والتفاعل بين مبدأ الاقتراع العام وبين مبدأ التمثيل.
المفارقة ان أثر هذا «الاجماع الديموقراطي ـ الليبرالي» بالنسبة الى شرقنا العربي ـ الاسلامي بقي يخضع لتصوّر آخر بشأن الاجماع وفحواه، أي للموروث الذي يفيد بأن الأمة لا تجتمع على خطأ أو على ضلالة، وبتتمة هذا الموروث، أي حديث «الفرقة الناجية».
بشكل أو بآخر، تقدّم التيارات السياسية والأيديولوجية العربية الرئيسية، تنويعة من عدّة أنواع تخليط ما بين الاجماع، برتبته ما قبل الحداثية، وبين الاجماع، بمفهومه الحداثي.
الاجماع ما قبل الحداثي، هو شكل تنظيم عالم لم يزل مسكوناً بالسحر، أو لعالم يبقى عرضة لاجتياح الغيب في أي حيّز أو لحظة. انه اجماع يتأمن في عالم يفتقد الى قائمية خاصة به.
أما الاجماع الحداثي، فبالاضافة الى كونه تربة مشتركة لرعاية الاشتباك بين حساسيات متقابلة، ليبرالية ومحافظة، واجتماعية، وبالاضافة الى كون الدولة ـ الأمة هي الشكل التاريخي الأمضى لتحققه، الا أنه يقوم أساساً وفقاً لصورة عن العالم نجحت في تحصين نفسها ضد اجتياحات الغيب الفجائية، كما نجحت في ترويض أسباب السحر داخلها، لأجل تأسيس قائمية خاصة بهذا العالم.
هذا التخليط بين «الاجماع» المنقول وبين «الاجماع» المعقول، هو الذي يعيد انتاج ثنائية التبديع والتأصيل كثنائية لم تزل مركزية في مقاربات وسلوكيات أغلب التيارات الفكرية والسياسية على الساحة العربية.
2 ـ اعادة انتاج ثنائية التبديع والتأصيل
اذا ما رجعنا الى شرقنا العربي ـ الاسلامي، المفترض فيه أنه الأكثر تأثراً بقربه الجغرافي والحضاري من الغرب، والمشارك هذا الغرب أصوله الثقافية الهلنستية والتشريعية الرومانية، بالاضافة الى تقاسمه أو «تنازعه» الارث التوحيدي الابراهيمي، فإن عقبة ذهنية ـ معرفية كأداء تصادر مسعانا عند أول منعطف.
تتمثل هذه العقبة في الاستعداد السريع لتقبل نتائج التغيرات الحادثة عند الآخرين، مع التبرّم أو الاحجام بإزاء سيرورة التغيرات بحد ذاتها.
بل ان هذه القسمة الضيزى بين التغيرات ونتائج هذه التغيرات وتبعاتها أو تداعياتها، تعود وتستتبع بقسمة «تأصيلية» توزع النتائج والتبعات نفسها بين تلك المضلّلة والمشبوهة، الضارة والمردودة، وبين تلك المستحسنة والمسموح باستيرادها.
بمعنى آخر، تستلب مقولة التغيير السياسي بثنائية التبديع والتأصيل، أي توزيع كل كبيرة وصغيرة بين بدع حسنة قابلة للتأصيل، أو قابلة للاحالة على أصول يقوم بها التراث، وبين بدع ضالة، ليس بالامكان احالتها على أي أصل له مقام في تراثنا.
لا بل ندّعي بأن ثنائية التبديع والتأصيل ليست تحصر في الثقافة السياسية لما يعرف بالتيار الديني أو بالاسلام الحركي أو الحزبي أو «السياسي». انما هي ثنائية تشمل بفيئها كافة الثنائيات التي راجت ثم توارت على وجه التتابع أو التتالي في العقود الأخيرة، من القسمة بين تيار علماني وتيار ديني، أو بين تيار يساري وآخر يميني، أو بين تقدميين ورجعيين، وقوميين وإقليميين أو قطريين.
ثم تراهم ينقسمون بعد ذلك بشأن تقييم التجربة الاستعمارية.
ثمة رهط يجعل من مناهضة المستعمر معياراً للتأصيل والأصالة. يجعل هذا الرهط من الاستعمار جوهراً واحداً في جميع أشكاله، كما يجعل من مواجهة الاستعمار جوهراً واحداً بصرف النظر عن القوة الاجتماعية التي تواجه، أو البرنامج السياسي الذي يؤهّل للمواجهة. وينقسم هذا الرهط بدوره بين فئة تستحسن بعضاً مما يطبّقه المستعمر في «حاضرته»، أي في بيته الخاص، في مقابل التشهير بما يطبّقه نفس المستعمر «ما وراء البحار»، أو في «العزبة الكولونيالية»، وبين فئة تميل الى تقزيم هذا الاستحسان أو الاحتراس منه، اما بالتأكيد بأن خير المستعمر كلّه انما جناه من النهب المتواصل للأقاليم البعيدة التي استباحها، واما بالتأكيد بأن المستعمر لم يكسب من استئساده واستكباره الى عذاب روحه وفقرها.
وثمة من الناحية الأخرى معشر «مزدوجي الموقف» حيال الاستعمار بحد ذاته، وبما يتجاوز مجرّد التمييز بين المستعمر كما هو في بيته، وبين المستعمر اذ يستبيح حرمات الآخرين. عند هذا المعشر الثاني أن آثار الاستعمار نفسها يمكن أن توزّع بين ضارة ونافعة، وأن الآثار الضارة لا ترد الا بالاتكاء على تلك النافعة.
بعد ذلك نصير، راهناً، أمام كتلتين برزتا هذا النحو مع نهايات الحرب الباردة، ثم مع قيام فتعطل عملية السلام في الشرق الأوسط.
احدى الكتلتين تصف نفسها بـ«الممانعة». وتتراوح بين دولة يتيمة للـ«ممانعة العربية» هي سوريا، وبين حركات منها الاسلامي ومنها القومي، ومنها الما بين بين. ظهرت أول الممانعة بعد مؤتمر مدريد على قاعدة الفصل الكيفي بين ما «للتسوية» وما «للسلم»، واستباق مجرى عملية السلام للتأكيد بأن التفاوض هو مواصلة للصراع بطرق أخرى، وأن التسوية، في أحسن أحوالها، لن تكون الا مواصلة للصراع بطرق أخرى، بجعله صراعاً ضد «التطبيع» و«الغزو الثقافي».
تنظر هذه الكتلة «الممانعة» الى التأثيرات الخارجية والأجنبية على أنها شهوات ينبغي أن لا تؤخذ الذات بها، بل أن تتمنّع، وتحبس شوقها الى الاغتصاب ما استطاعت الى ذلك سبيلاً، فتمتص الاغواءات قدر الامكان، وتظل تتحايل على موجبات الاصلاح، بافتراض أن الاصلاح عيب وكشف عورة، مع اقرارها الخطابي كذلك الأمر بأن عدم الاصلاح عيب وكشف عورة. في كل الحالات، ينبغي أن يغلب التمنّع التطبّع.
أما الكتلة الثانية، فتنادي «بالاعتدال». بعضها أفراد لكن أكثرها أنظمة متسيّدة في كذا دولة عربية. ابتدعت لها الأيديولوجيا المسيطرة عالمياً نظرية خاصة، يمكن الاصطلاح على تسميتها «نظرية التطور اللاديكتاتوري»، استيحاء من نظرية نيكيتا خروتشيف في «التطور اللارأسمالي». مع ذلك فإن بعض هذا الاعتدال يزاول لعبة الممانعة بأشكال متوارية، أو هو يعتقد بأنه شكل فطن أو لبق من أشكال الممانعة.
إذا كانت المدرسة السوفياتية قد نظّرت في الستينيات لتجويز تطوّر الأنظمة الوطنية التقدمية في العالم الثالث بشكل لا رأسمالي، حتى من دون تولية الطبقة العاملة، فإن المدرسة الأميركية باتت ترى أنه في البلدان التي لا داعي فيها للتدخل العسكري المباشر، ولا داعي لا لعلاج الكي ولا لكفالة أمة، يمكن المراهنة الديموقراطية على العلاج بالمراهم، والتسليم «بتطور لا ديكتاتوري» يسقط الأساس من فكرة الديموقراطية، عنينا الارادة الشعبية العامة، أو الشعب كمصدر للسلطات، وبالذات، الشعب كمصدر للتشريع، علماً أن المقولة الأخيرة هي تلك التي تواجهها الحركات الشعبوية، القومية والاسلامية، بشكل عات.
وسواء في حالة «الممانعة»، نظاماً وتيارات، أو في حالة «الاعتدال»، أنظمة وأفراداً، فإننا نشهد القسمة نفسها، القائمة على معاودة التفريق بين البدع الحسنة والبدع الضلال. كما لو أنه يمكن التكيف مع مفترضات التحديث، أو تكييف التحديث مع طبيعة وتاريخ المجتمعات العربية والاسلامية بمثل هذه القسمة بين «اعتدال» و«ممانعة».
مع ذلك ليست تعدم موجبات المفاضلة بين «الممانعة» و«الاعتدال». ليس شرط هذه المفاضلة الاقرار بالطابع «الديموقراطي» لأنظمة «الاعتدال» في مواجهة الطابع «الشعبوي» أو «التسلّطي» للممانعة، فالديموقراطية ليست سلفة معنوية تعطى على هذا النحو.
انما قوام المفاضلة أن الممانعين ذهبوا أشواطاً غير مسبوقة على طريق اشاعة مناخات التدمير الذاتي، وانكار الهزيمة القومية والحضارية. فالممانعة شكل من أشكال العدمية بمجرّد أنها تعتبر، وخصوصاً في حال تعميم مشهدية الانفصال الانقلابي ما بعد حرب تموز في لبنان ومشهدية الانقلاب الانفصالي لحماس في غزة، بأن عهد الهزائم قد ولى، وأقبل عهد الانتصارات.
أما «الاعتدال» فإنه ليس يعي كافة أبعاد ومستتبعات الاعتراف بالهزيمة، خصوصاً اذا ما احتسبنا حالات «متطرفة» منه، تحسب أن الهزيمة القومية والحضارية هي شكل مازوشي من أشكال الانتصار، وأن العقل كان يتبختر على صهوة جواد يوم سقطت بغداد. بيد أن «الاعتدال» جملة، أنظمة وأفراداً، يبدو أقدر على الدعوة للاعتراف بالهزيمة القومية والحضارية كأمر واقع ليس من مجال الا لتحسين شروطه أو الحد منه، بدل المكابرة عليه وجعله يتعاظم.
المفاضلة تستدعي اذاً ايثار «الاعتدال» بكل ما فيه من ركود وفساد، على «الممانعة» بكل ما فيها من عدمية وشطط، من فوق ما فيها من ركود وفساد.
أما اذ تجاوزنا المفاضلة الآنية، فسيطالعنا الأساس الذهني والمعرفي المشترك والمختل، الذي اما أن يتوزّع المقولات السياسية واما يشطرها على نفسها، في لعبة فصام لا يظهر لها من آخر.
فالأجنحة «المعتدلة» تؤول الى التفريق التعسفي بين مرحلة «التربية على الديموقراطية»، وبين مرحلة «ممارسة هذه الديموقراطية بالفعل». مرحلة تربوية ثم مرحلة فنية جمالية. أو كما لو أن المسألة مماثلة لتعلّم قيادة مركبة آلية. كما لو أنه يتوجب على جيل أو أكثر «زرع» أسس الديموقراطية، بشروط غير ديموقراطية، وبالكاد ببذار ديموقراطية، في حين سينعم جيل مستقبلي افتراضي بـ«الحصاد»، دون أن يزرع.
هكذا يعهد «بتدريب» الناس على الديموقراطية، اما لأجهزة مبنية على تأبيد حال الطوارئ، وتحتاج هي لمن يدرّبها على الديموقراطية، ان لم يكن لمن يقتلعها من جذورها، واما لمنظمات أهلية غير حكومية، تنسى أن التعددية المفترض أن تقوم هي بين أحزاب سياسية بدرجة أولى، لا بين حركات اجتماعية ومؤسسات مجتمع مدني، وهذا مذهب من ينتقد «محدودية» الديموقراطية «التمثيلية»، فيقترح أن «يعوّض» علينا بالديموقراطية «المحلوية» أو «بالرشاد الاداري» أو بـ«الحكمية الصالحة»، من حيث هي قبسات جزئية من ديموقراطية «مباشرة».
أما في حال العدول عن هذا الفصل بين مرحلة «يتربى» فيها الجمهور وبين مرحلة «يبدع» فيها هذا الجمهور ممارسة ديموقراطية «تمثيلية» لائقة أو ناضجة، فإننا سنتواجه مع المقلب الآخر من الفصام ذاته. حيث سيجري اختزال الديموقراطية الى لحظة انتخاب وإلى صندوق انتخاب. ويمكن على هذا الأساس أن تتواجه قوى ديموقراطية وقوى غير ديموقراطية في الانتخابات، ويمكن أن تفوز القوى الأخيرة، وأن تقلب الطاولة متى أرادت أو استطاعت.
ان اختزال الديموقراطية الى لحظة انتخابية فحسب هو يعدم كل ميزة تفاضلية بين من ينشط بالفعل من أجل الديموقراطية، وبين من ينشط بالفعل ضدها. ولطالما عرفنا حركات جماهيرية تعاني القمع لكنها تناهض الديموقراطية في الوقت نفسه، لا بل تطالب حيث لها حضور وشأو بمنع ما لا يرضيها من حريات عامة وخاصة.
وهذه هي بعض من مفارقات التيار الاسلامي، التي مهما تمايزت تلاوينه تعود وتلتقي على قاعدة مشتركة، تقضي بإعادة أسلمة المسلمين أنفسهم بحجة أن تأسلمهم غير كاف أو لم يعد كافياً.
فحين تروق «لعبة» الديموقراطية للتيار الاسلامي أو يجد أنه لا بدّ منها كمرحلة أو كملاذ لهبوط اضطراري، تراه يحبّذ «تأصيلها»، بل تمسي الديموقراطية عنده رديفاً للشورى، بضاعة المسلمين وقد ردّت اليهم. أما حين لا تعجب هذا التيار اللعبة الديموقراطية أو يضجر منها، فلن يتأخر حتى يرميها بالشرك، ويجعلها مسلكاً جاهلياً، يذكر بدار الندوة أو بملأ قريش.
وانك تجد أن معشر من يصفون نفسهم بالديموقراطيين أو بالليبراليين العرب يعودون هم أيضاً ويقعون في المطب نفسه، ولو بشكل أقل فدحاً.
فهؤلاء الليبراليون، وعلى الرغم من كونهم أقل أخذاً من حيث المبدأ بالتعليل على قاعدة الخصوصيات الانطوائية أو الفرادات الثقافوية، وأكثر تمسكاً بالمشتركات الوضعية والكونية، الا أنهم سرعان ما يتراجعون عن تقديم «الديموقراطية» كصنو للسياسة بالدرجة الأولى، للاكتفاء بها «ثقافة ادارية» ينبغي تنميتها من النخب ووصولاً الى القواعد، مع امكان أن تكون القابلة القانونية غير ديموقراطية، بل غير قانونية بالكامل.
([) نص المساهمة المقدمة يوم الأحد 4 تشرين الثاني 2007
في اطار ندوة:
Global Challenges and Regional Trends - the Arab
World in Times of Change.
التي نظمها المركز الاقليمي لمنع النزاعات في الأردن بالتعاون مع مؤسسة كونراد اديناور.