هل
لا يزال أبو مازن بفلسفته الداعية للتسوية السياسية،
ظاهرة منعزلة؟ لم يعد كذلك. إذ يتشكل وعي جديد
بالتسوية السياسية في الأرض المحتلة عموما وفي الضفة
الغربية تحديدا. لن تستطيعَ أن تلتقط اتجاهات جديدة في
الوعي بالتسوية، إن توقفتَ عند ظاهر الخطاب الإعلامي
أو الثقافي أو السياسي المذاع علناً. في العلن يصعب
على أي شخص تحدي تضاريس الوعي المتشعبة في أعماق
التاريخ المأساوي للقضية الفلسطينية. ومع ذلك
فالأطروحة التي أقدمها للمناقشة هنا هي أن التعامل مع
التسوية في الأرض المحتلة يُظهِرُ شيئاً جديداً
تماماً. فلأول مرة يقبِل قطاع كبير من النخبة
الفلسطينية فعلاً على المشاركة في عملية التسوية
وتأييدها بشيء من الاستنفار. اليوم يبدو أن ما كان
يشكل حرجاً شديداً في مناقشات التسوية ومفاوضاتها لم
يعد كذلك. بل هناك خطاب ينقل الهجوم الى العرب: يتهم
العرب بخيانة الشعب الفلسطيني والتخلي عنه بل
والمشاركة في فرض الحصار عليه وتعميق الطوق العازل
المضروب حوله. هناك خطاب يرفض استمرار رهن حياة ومصير
الشعب الفلسطيني بالعرب وبالدول العربية. وهناك أيضاً
رفض لربط قضية الشعب الفلسطيني بايران أو بمسار الصراع
الإيراني الأميركي. ويعتقد كثيرون أن محاولة أسلمة
القضية الفلسطينية من خلال ربطها بإيران لن تمثل نتيجة
أفضل من تعريبها أو ربطها بالعرب. ويرى هذا الخطاب أن
على الفلسطينيين أن يتعاملوا مع قضيتهم بأنفسهم ودون
تفويض أية دولة عربية بالحديث باسم الشعب الفلسطيني.
وهناك خطاب شائع بين الشرائح المثقفة في الضفة بالذات
يرى أنه آن الأوان للتخلي عن المثالية في الخطاب
الفلسطيني أو "طلب كل شيء أولا شيء".
يمكن القول إذن بأن ثمة تغيراً كبيراً في الوعي بالتسوية في الأرض المحتلة. فالوعي الأساسي في الأرض المحتلة ولدى الشعب الفلسطيني عموماً كان في حقيقته "وعيا مضادا للتسوية".
تكوّن هذا الوعي المضاد للتسوية من ثلاث سلاسل من المقولات: الأولى تؤكد حتمية التوسع الاسرائيلي ونوايا ابتلاع كل الأراضي المحتلة والهيمنة على الشعب الفلسطيني وعلى العالم العربي ككل, والثانية تؤكد استحالة قبول إسرائيل للتسوية السياسية العادلة أو لما سُمي بالحل الوسط التاريخي, والثالثة تنطوي على درجات مختلفة من "تخوين" التفاوض والاعتراف وخاصة لو تضمن "تنازلات".
إن الوعي المضاد للتسوية يتشكل في الواقع في بنية مقولاتية متماسكة للغاية وتكاد تتداعى منطقيا دون حاجة لأي تدليل أو إثبات. وعادة بالطبع ما تقود كل أطروحة لغيرها على نحو يجعل الوعي يطرد أي احتمال لتصديق إمكانية التوصل الى تسوية سلمية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وكل اطروحة تقود منطقيا الى تكريس نتيجة واحدة هي بؤرة الوعي الفلسطيني. تقول هذه النتيجة: لا التسوية ممكنة ولا هي في الواقع مرغوبة. الوعي الفلسطيني الأصلي يقول بأنه لا يوجد شيء اسمه تسوية سياسية عادلة لأن التسوية العادلة الوحيدة هي استعادة كامل الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وعدم مشروعية اسرائيل. وحيث أنه لن توجد تسوية تقوم على نفي مشروعية اسرائيل فلا هي ممكنة ولا هي مقبولة.
نحن نتحدث هنا عن القوالب الرئيسية التحتية للوعي والتي تكيف كل أنواع وكل مستويات النقاش حول أية تدابير عملية أو إجرائية.
والواقع أن هذا الوعي المضاد للتسوية كان سائدا حتى أثناء التفاوض مع الإسرائيليين في "أوسلو" عام 1993 وبعدها في "كامب ديفيد-2". فطوال هذه المرحلة لم يصدق أحد أن إبرام صفقة تسوية سياسية أمر ممكن ولم يكن أحد راغبا في البرهنة صراحة على أنها أمر مرغوب. وربما يكون هذا الوعي المضاد للتسوية أحد الأسباب وراء فشلها المستدام. فلم يكن أحد يصدق أنها ممكنة, وكان من المنطقي لذلك أن يشعر المتفاوضون أنفسهم بنوع من العار لمشاركتهم في المفاوضات. فالشعور بالحرج كان يسم جميع التبريرات والشروح الخاصة بالاتفاقيات الي عقدت بالفعل أو التي كان يؤمل في إبرامها.
ورغم استمرار هيمنة الخطاب السائد، يبدو أن ثمة انقلاباً في الوعي يحدث في الضفة الغربية تحديداً. الانقلاب يمكن تصويره كما يلي. ثمة بروز لفكرة أن التسوية السياسية صارت ضرورة موضوعية ربما مطلقة لانقاذ المجتمع الفلسطيني من واقع مدمر على كل المستويات.
يصعب أن نتحدث عن أغلبية أو اقلية, ولكن يمكن القول بثقة إن هناك قطاعاً كبيراً من النخبة السياسية الفلسطينية يدفع نحو الاشتباك مع دعوة بوش الراهنة لمؤتمر دولي في أنابوليس, ويدعو لتطوير الدبلوماسية الفلسطينية الى عملية تفاوضية جادة وشاملة وتفصيلية تقود الى نتائج جوهرية يمكن ترجمتها الى واقع في المدى المنظور والمباشر.
يتسم هذا الوعي بالطابع العملي أو العملياتي. لم يعد من المقبول افتراض استحالة التسوية أو القول بجوهرانية ثابتة للمشروع الاسرائيلي ولا حتى للنضال الوطني الفلسطيني. الحركة الوطنية الفلسطينية عليها أن تؤمّن أفضل شروط ممكنة للتحرر ولمواصلة الصراع من أرضية أفضل ضد المشروع الصهيوني وهو ما قد يغير المسار المادي لهذا المشروع نفسه. ليس هناك من لا يلاحظ جبروت المشروع الاسرائيلي وعنفه الخارق, وليس هناك بين الفلسطينيين من هو على استعداد حقيقي لمنح اسرائيل مشروعية كاملة أبداً. الوعي الجديد في الأرض المحتلة يفهم الصراع على ضوء التاريخ المادي, ولا يفترض نهاية محددة أو قطعية للصراع. نتائج الصراع مفتوحة في كل مرحلة. ويجب أن يحصل الفلسطينيون على أفضل ما يمكنهم الحصول عليه ولو لم يكن هو العدالة.
ما يميز هذا الوعي المستجد بالتسوية هو التجربة: أو الاستعداد للانخراط في المفاوضات الفعلية وفي بحث مختلف البدائل والاحتمالات.
الهدف الفلسطيني في هذا الوعي ليس العدالة وإنما أقصى ما يمكن الحصول عليه موضوعياً. ولأن العدالة مستحيلة في النظام الدولي القائم فالهدف يجب تحديده بصورة عملية ليعني ظروفاً أفضل لبناء وتطوير المجتمع السياسي الفلسطيني وتثبيت مقاومته. فهناك أولاً الحاجة الملحة لتأمين شروط حياة طبيعية للشعب الفلسطيني، وهو أمر يجعل هدف الدولة بذاته محورياً بل وحاكماً. وهناك ثانيا الحاجة لتوفير موارد وآليات عمل تنقذ الشعب الفلسطيني من الدمار الذي حاق باقتصاده ونسيجه الاجتماعي وقدرته على تحمل الأعباء اليومية في سياق الاحتلال لاسيما في سنوات الانتفاضة. وهناك ثالثا شعور حاد للغاية بضرورة وضع نهاية للانفصال الحادث بين غزة والضفة وبين "حماس" و"فتح". ويرى كثيرون أن تجسير الهوة لن يكون ممكناً بدون تحقيق طفرة كبيرة في الوضعية السياسية للشعب الفلسطيني وهو ما يفرض التعامل مع دبلوماسية التسوية السياسية بصورة عملية.
ولهذا سوف يذهب أبو مازن لانابوليس رغم التحريض الواسع في غزة تحديداً ضد صيغة مؤتمر بوش, وسوف يذهب هذه المرة وهو مؤيد من جانب قطاع كبير من النخبة الفلسطينية. بل إن التحريض على المستوى العربي ضد هذا المؤتمر، وخاصة في المؤتمر المزمع تنظيمه في دمشق، قد يعزز موقع أبو مازن وسط قطاع مهم من الرأي العام الفلسطيني، وربما تكون غالبية الشرائح العليا من الطبقة الوسطى الفلسطينية.
هناك وعي عملي جديد بالفعل وهو مدفوع بالحنق والغضب من الدول العربية وموقفها من الشعب الفلسطيني.


