ركزت
زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الأخيرة الى المغرب على
تجاوز البداية المتعثرة في العلاقة بين البلدين، وتوضيح رؤية
الرئيس الفرنسي الجديد لملف النزاع حول الصحراء الغربية.
واعادت التأكيد على استمرار الدعم الفرنسي للموقف المغربي في
قضية الصحراء، وطمأنة الحكومة المغربية مع انطلاق المفاوضات
بين المغرب وجبهة البوليساريو برعاية الأمم المتحدة. ربما كانت
الزيارة الأولى المتعثرة التي قام بها ساركوزي إلى الجزائر
وتونس قد دفعت الكثيرين في المغرب إلى التخوف من انتهاجه رؤية
اخرى للنزاع القائم بين المغرب والجزائر حول الصحراء. لكن
تصريحاته الأخيرة لم تترك مجالا للشك في استمرار الديبلوماسية
الفرنسية في دعم قضية المغرب الأساسية واقتراحه حول الحكم
الذاتي الذي تقدم به إلى الأمم المتحدة. ويؤكد بيان جبهة
البوليساريو مدى التذمر من الموقف الفرنسي.
لقد أخرجت مبادرة الحكم الذاتي، التي تقدم بها المغرب، هذا النزاع الذي طال أمده من عنق الزجاجة، ولو لوقت وجيز، وأعطت أملاً في فتح حوار بين الأطراف الفاعلة فيه. لكن على رغم التفاؤل الجديد، عاد النزاع الى نقطة الصفر نظرا لتصلب المواقف، الذي ظهر جليا خلال الجولتين الأولتين من المفاوضات، واستمرار تشبث الطرف الجزائري بمبادرة جيمس بيكر، التي رفضها المغرب بدعم فرنسي، وحاليا بدعم أميركي واضح. وحتى الآن لا نعلم إن كانت الجولة الثالثة من المفاوضات المقررة في الشهور المقبلة ستحدد معالم جديدة لتناول النزاع وإخراجه من الجمود الذي شابه لعقود طويلة.
ركزت الديبلوماسية الجزائرية في السنوات الماضية على كسب دعم دول افريقية كجنوب أفريقيا، وبعض دول الاتحاد الأوروبي كبريطانيا، في حين ركز المغرب على كسب دعم الدول القوية في مجلس الأمن ودول الاتحاد الأوروبي وبعض دول أميركا اللاتينية.
جاءت نقطة التحول في الديبلوماسية المغربية إثر رسالة بعث بها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في نهاية ايار (مايو) 2005، إلى زعيم جبهة البوليساريو بمناسبة ذكرى تأسيس الجبهة مهنئا إياه ومؤكدا «التزام الجزائر بتبني قضية الشعب الصحراوي حتى الاستقلال وإقامة دولته». وجاءت تلك الرسالة في أعقاب القمة التي جمعت العاهل المغربي محمد السادس وبوتفليقة في الجزائر بعد إنهاء أعمال القمة العربية. وكانت بمثابة صفعة غير منتظرة للمسوؤولين المغاربة، خصوصا أن التوقعات بعد الاجتماع كانت تؤشر الى امكانية الانتقال نحو مرحلة جديدة في العلاقات، تتسم بالشفافية، وترك ملف الصحراء للأمم المتحدة.
إضافة إلى هذا، وجدت الجزائر نفسها في ورطة ديبلوماسية حقيقية بعد وصول الحزب الإشتراكي إلى السلطة في إسبانيا وتبنيه أطروحة مغايرة لموقف الحزب اليميني الشعبي، ذلك أن الموقف الإسباني الجديد اقترب أكثر من الموقف الفرنسي (موقف شيراك)، وبالتالي أصبح يدعو إلى إيجاد حل بين المغرب والجزائر، بدل طرح قضية «تصفية الاستعمار» التي كانت وما تزال تنادي بها الحكومة الجزائرية. كما أن موقف إسبانيا، باعتبارها عضوا في الاتحاد الأوروبي والمستعمر السابق، سيضفي نوعا من الشرعية على خطاب «التسوية بين الجارين.» وهكذا فقدت الديبلوماسية الجزائرية حليفا قويا تمثل في نظام أزنار داخل المنظومة الأوروبية. وتزامن هذا الوضع مع ازمة الإدارة الأميركية في العراق ونهاية اطروحات مبادرة الشرق الأوسط الكبير.
في هذا السياق ربما يأتي التغيير الأخير الذي طرأ على موقف الإدارة الأميركية، والذي اتسم بالغموض لسنين حول ملف الصحراء، وأصبح أخيراً داعما لموقف المغرب واقتراحه للحكم الذاتي الذي ترفضه الجزائر. وخير دليل على هذا التوجه الجديد الاهتمام المتزايد بشمال إفريقيا، من خلال الزيارة التي قام بها السيناتور ريتشارد لوغار مبعوثا للرئيس الأميركي جورج بوش إلى الجزائر لإطلاق سراح معتقلي الحرب المغاربة هناك.
جاءت المبادرة الأميركية تحث الجزائر والمغرب على تجاوز المأزق السياسي الحالي وتحسين الأجواء المحيطة بالعملية السياسية، لأن في ذلك، كما صرح السيناتور لوغار، «مصلحة البلدين، كما نعتقد أن فيه مصلحة الولايات المتحدة».
جاء الرد على هذه التصريحات من قبل الجزائر كالمعتاد، بأنها ليست طرفا في النزاع وأن «قضية الصحراء نزاع بين المغرب والشعب الصحراوي الذي تمثله جبهة البوليساريو» والدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر يقتصر على «محاولة التقريب بين الصحراويين والمغرب في إطار تطبيق قرارات الشرعية الدولية». فالطرف الجزائري كان قلقاً من مبادرة الإدارة الأميركية ولم يكن واثقا من أنه لن يتمخض عنها موقف سياسي يمكن أن يصب في اتجاه ما. كما أن الديبلوماسية المغربية استمرت في نهجها التصعيدي غافلة توظيف الخطاب الأميركي الجديد لمحاولة فتح ثقب في العلاقات المغربية الجزائرية وإعادة الدفء لهذه العلاقات.
ها نحن الآن بعد مضي 8 سنوات تقريبا على مجيء محمد السادس وبوتفليقة إلى سدة الحكم، نجد أن العلاقة بين البلدين تزداد فتورا، مما يقلل حظوظ الوصول إلى حل للنزاع القائم. في أي نزاع، يكون العمل على ايجاد تسوية بين أطرافه رهناً بمدى «نضج» النزاع ومدى استعداد وقبول أطرافه البحث الجدي عن حلول لا تعرف منتصراً ومهزوماً. لكن الوضع الحالي جد متأزم بين الجارتين إلى درجة أن التفكير في تقديم تنازلات من أي طرف غير واقعي. لذا على كل الاطراف إعادة النظر في منهجية العمل الراهنة والبحث عن ظروف يمكن أن تساعد على خلق مناخ مغاير يساعد في الخروج من المأزق الحالي. وعلى الأمم المتحدة تعيين مبعوث جديد يحظى بثقة كل الأطراف، ويعمل فقط على تدبير النزاع في الوقت الراهن، وتجنب أي ظروف يمكن أن تؤدي إلى التصعيد. ويمكن الوصول إلى هذا عبر العمل من خلال خطوات صغيرة بين المغرب وجبهة البوليساريو، تمكن مع الوقت من إعادة بناء علاقات جديدة وخلق نوع من الثقة، كالتشجيع على الاستمرار في الزيارات العائلية من دون تسييسها، وتليين الخطاب والتصريحات الصحافية بين كل الأطراف، والنقاش حول القضايا الجوهرية. أما على المدى القريب فيتعين على المغرب والجزائر الدخول في حوار مباشر خارج قضية الصحراء، لإعادة بناء الثقة بين البلدين.
باحث مغربي


