يسألني صاحبي، أثناء لقاء فكري، بتوتر ملحوظ، عن مفهومي للدولة، وكأنه يريد أن يسجل اعتراضه الشديد على ما أفهمه بهذا المصطلح. وأرد عليه بالقول: لا داعي لهذا التوتر، كي لا يفسد للود قضية ولا تتحول المناقشة إلى مماحكة.

ثم أقول له، إن الدولة هي بحسب ما تفهمه أنت منها، وأضيف في السؤال: أي دولة تريد؟ ولكنه يواجهني مرة أخرى غاضباً بتأكيده أن مشكلتنا هي مع الدولة. وأرد عليه مداعباً، إذا كنت لا تريد الدولة، فلتذهب الدولة إذن إلى الجحيم، لكي أضيف، أن مشكلتنا الأولى هي في عقولنا ومع أفكارنا، أي في طريقة تعاملنا مع الأشياء والأحداث.
ثم أعود إلى الموضوع لأقول: لعل الدولة هي الشر الذي لا بد منه, لأنه إذا كان ثمة شأن عام أو مشترك بين البشر، فلا بد من وجود مؤسسة ترعى هذا الشأن وتديره. ولذا فالدولة هي إدارة الشأن العام. وكلمة “إدارة”، كما تستخدم اليوم، ترمي إلى إخفاء أو تخفيف الطابع السلطوي للدولة، بما هي أمر ونهي.

وأياً يكن تعريفنا للدولة، فهي على أنواع مختلفة، باختلاف أنماط الحكم وأشكال السلطة، وهذا الاختلاف هو مبعث الالتباس في التعريف والتعيين.
هناك الدولة التيوقراطية الدينية التي يدعي أصحابها أنهم يحكمون باسم الله أو يخلعون على أنفسهم صفات إلهية، على ما يدعي الآن السلفيون الجدد والأصوليون القائلون بالحاكمية الإلهية أو الحكومة الإسلامية. ولأن القول يخفي دوماً ما يتأسس عليه، فإن القائل بالسلطة الإلهية، لا يفعل سوى أن يخفي سلطته البشرية، بما هي عليه حال البشر من النقصان والتغير والفساد، الأمر الذي يفسر كون الحكومات الدينية لا تحسن سوى انتهاك ما تحكم باسمه.

وهناك الدولة الاستبدادية وهي التي يحكمها طاغية، يسوس الأمور بغير عقل، على حد قول المعري في ساسة عصره، أي بمنطق الهوى والغريزة أو العصبية والنعرة. وهذه الدولة تقع على النقيض من الدول ذات الحكومة الشرعية التي تسير الأمور بحسب شريعة معينة دينية أو وضعية. ومن المفارقات الفاضحة، في عصرنا، أن الطغاة لا يحكمون فقط بمنطق الاستبداد، بل إنهم يحولون الدول الشرعية أو الديمقراطية إلى أنظمة استبدادية. ولأن أنظمة الاستبداد أفادت في العصر الحديث، من أشكال التنظيم للحشود والجماهير، بمنطق التعبئة الأيديولوجية تحت (أقنوم) ديني أو عرقي أو سياسي، فإنها تتحول إلى أنظمة شمولية ساحقة.

مقابل ذلك هناك الدولة الديمقراطية، سواء أكانت جمهورية أم ملكية، وهي تحكم بموجب القوانين، وفيها يجري انتخاب الحكام بالاقتراع العام، من قبل الكافة رجالاً ونساءً. ومع أن الديمقراطية صيغة قديمة للحكم، ابتكرها اليونان، إلا أنها ما زالت مطلباً أو مثالاً، ولاسيما بالنسبة إلى البلدان التي تحكمها أو تتحكم فيها سلطات وأنظمة تيوقراطية أو استبدادية أو شمولية.
طبعاً لا يعني ذلك أن المجتمعات الديموقراطية، هي الفردوس الموعود. فلم يعد ينتظر المواطن صندوق الاقتراع لكي يعبر عن رأيه أو يشارك في صناعة القرار على مستوى من مستوياته.
من هنا فإن الديموقراطية، شأنها شأن سائر الشعارات الحديثة، تعاني أزمتها بقدر ما تستنفد صيغها التقليدية في ضوء التحولات الحضارية والتقنية، الأمر الذي يحمل الدول على إجراء إصلاحات جذرية أو بنيوية تطول هياكلها ومؤسساتها وتشريعاتها وآليات عملها وطرق تعاطيها مع المجتمع ومع العالم.

فعلى صعيد العلاقة مع الخارج، يزداد الميل اليوم، لدى الدول، للعمل ضمن الأطر الأوسع، الإقليمية أو الدولية. مما يعني تجاوز منطق الدولة/الأمة، بأطرها القومية الضيِّقة ومنازعها العنصرية أو الإمبريالية، بقدر ما يعني تجاوز منطق القوة العظمى أو المطلقة، نحو مفهوم القوة النسبية أو الهادئة.

في الداخل، يتم الانتقال، ليس فقط من وضعيّة الرعايا إلى مجتمع المواطن، بل يتم أيضاً تجاوز عصر المواطن إلى عصر الفاعل المشارك، وعلى نحو تخف فيه المفاعيل السلطوية للدولة المركزية والبيروقراطية أو الفوقية، لصالح العلاقات الأفقية التداولية، حيث تجري تأثيرات متبادلة بين المؤسسات الحكومية والإدارات الرسمية من جهة وبين المؤسسات الأهلية والهيئات المدنية والقطاعات الخاصة من جهة أخرى.

ليس هذا فحسب, بل إن بعض الدول أخذت تتعامل مع المواطنين، بعقلية الشركة، أي كما لو أنهم زبائن أو مستهلكون. هذه إمكانية فتحها العصر الرقمي الذي يتيح للمواطنين أن ينجزوا معاملاتهم أو يدفعوا فواتيرهم، في غير مرفق، من دون الذهاب إلى الدوائر والمكاتب الرسمية، أي عبر الحواسيب والشبكات والبطاقات الإلكترونية. من هنا نشهد تزايد عمليات الخصخصة لكثير من ميادين القطاع العام، كما نشهد من جهة أخرى تمويل القطاع الخاص من جانب شركات وبنوك لكثير من الأنشطة الرسمية والحكومية.

هل يعني ذلك أننا نسير على طريق نهاية الدولة، كما حلم بها الاشتراكيون، وأصحاب التسيير الذاتي؟ لا ينبغي أن نحلم كثيراً، كما تعلمنا التجارب. فالذين حلموا بنهاية الدولة أسسوا أكثر الدول استبداداً وقمعاً وظلماً. وفي بلداننا تشهد التجارب أنه حيث تغيب الدولة أو تضعف، تسيطر الطوائف بعصبياتها وميليشياتها وآلهتها وحروبها، بما يعيدنا إلى ما يشبه حالة الغريزة والطبيعة.

هل يعني ذلك من جهة أخرى أن الدولة قد تتحول إلى شركة، ولاسيما أننا في عصر تبدو فيه بعض الشركات العملاقة أو القنوات الفضائية الفائقة أكثر فاعلية من كثير من الدول. هنا أيضاً لا ينبغي التسرع في قراءة المجريات، كي لا ننفي الوقائع. فما دام الواحد من الناس، لا يستطيع الوفاء بحاجاته الضرورية أو الحيوية، بمفرده، أي ما دام يحتاج إلى توسط سواه، فالحاجة تبقى قائمة إلى مؤسسة تدير الشأن العام، بالطبع مع الإفادة من طرق ووسائل الإدارة في عالم الشركات. وإذا كانت الاشتراكية حلماً مستحيلاً، فإن الشركة لا تحل المشكلة، كي لا يطغى البعد الاقتصادي على سواه ولا يبتلع القطاع الخاص القطاع العام، فلا يبقى إذاً ممكناً، في المدى المنظور، سوى الشراكة.

والدولة الفعالة هي التي تعمل على توسيع أطر وآليات المشاركة، من جانب الكافة، في صوغ مصائرهم وفي بناء مجتمعاتهم أو إدارة شؤونهم. وفي كل شراكة قدر من الشركة أو الاشتراكية، من حيث توزيع الثروات أو تداول السلطات بصورة مشروعة، عقلانية أو مساواتية، مع الأمل أن تغتني وتتسع صيغ الشراكة ووسائطها على وقع الديناميكيات التاريخية والتحولات الثقافية والمجتمعية.