«وظيفة السياسة: ضبط العنف» ما دام العالم يتغير دواما، يبقى على السياسة أن تختار بين الأفضل والأسوأ، الإنساني وغير الإنساني، السلمي والعنفي. ويبقى على السياسيين أن يقرنوا مواقفهم لا بمواقعهم الاجتماعية وحدها، بل ايضا وخصوصا بمصالح جماعاتهم ومجتمعاتهم، ان كانوا يستمدون شرعيتهم منها، لا من مال، ولا من سلاح، ولا من سلطنة إعلامية ـ تليقراطية ـ تصنع الجمهور وتصطنع ديموقراطية زائفة. ففي عالم متغير نحو الأسوأ، كما هو الحال في شرق أوسطي بلا كيف، وربما بلا حدود بسبب الحروب المشتعلة فيه وعليه، وبعدما صار لبنان مجددا جزءا من هذه الحالة الكارثية، ينبغي للسياسة «اللبنانية» ان توقف أولا انقسامها الذاتي، وان تجدد استمداد شرعيتها من مجتمع حقيقي، لا من مجتمع وهمي، افتراضي، يوصّفه السياسيون الخاصون ويصنعه إعلاميون غالبا ما يكونون موظفين عندهم. فلا معنى للسياسة في لبنان ان لم تبنِ لنفسها ركائز سوسيو ـ اقتصادية، بعيدا عن ركائزها الطائفية التي استنفدت طاقاتها، وصارت عبئا، بل خطرا، على وجود الدولة اللبنانية ذاتها.
بعد مرور سبعة وثمانين عاما على قيام الدولة اللبنانية الحديثة، هل سيكون على اللبنانيين في عيد الاستقلال المقبل (22/11/2007) الاحتفال باختفاء دولة أم بولادتها وقيامتها؟
هذا هو الرهان السياسي الكبير الذي يواجهه لبنان الحاضر، فيما سياسته تقوم على عنف المال ومشتقاته (السلاح، الاستزلام، الحروب المحلية، الخ) الذي يجتاح هذه المنطقة ـ من باكستان الى لبنان ـ أكثر فأكثر. فالمال مصدر قوة، ولطالما جرى التستر على الوجه العنفي لاستخدامه. فمن يملك المال يوجه السياسة والإعلام والانتخابات، وفي حالة لبنان، يوجه الحكم، الحاكمين والمحكومين معا، مما يجعل السياسة ذاتها عنفوانية، كما هو حال الجماعات السياسية اللبنانية منذ العامين المنصرمين. حتى بات في إمكاننا القول: «في لبنان، يجري اغتيال المال بالمال» ـ لا فرق هنا بين المال الحلال والمال الطاهر، فالنتاج واحد وهو تعنيف الجماعات المأخوذة بوسخه. نعم «بوسخه»، كما كان يراه كمال جنبلاط الذي كان يفصل في سلوكه القيادي بين السياسة والمال، ويصر على ان توجه السياسة المال، بلا عكس، وعلى أن يتطهر السياسيون من وسخ المال، وتاليا من نتاجه، وسخ السلاح، وسخ العنف، حتى لا يصير المجتمع رهين سلطة تستبد به، وتمنعه من المشاركة فيها، ولو نسبيا، وإلا، فلا سبيل لتجديد حكم يكون فيه المحكومون رهائن عنف المال.
بعد عامين من تسلط المال الخارجي على المجتمع اللبناني، عبر أطراف سياسية منقسمة أقله بين محورين للبترودولارات، الآخذة في التضخم حاليا، المحور الخليجي وما وراءه غربا، والمحور الايراني وما يتصل به جوارا، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام عنف المال، المضاف الى عنف السلاح وعنف الخطاب السياسي اليومي. ولا يجدون في الأفق القريب سوى تهديدهم بانقسام دولتهم أكثر، ان لم نقل بإزالتها من الوجود. فما يشهدونه من فلتان في الأسواق، ومن فشل في إدارات الدولة، يجعلهم في حالة من العصاب المالي، الخوف من الفقر الشديد، بعدما تملكهم عصاب الحرب ومشتقاتها، وصاروا تحت رحمة الصدمات النفسية الإعلامية، اذ باتت نشرات الأخبار المحلية مؤشرا على دورات العنف العام الذي ينتظرهم. فكلما اقترب موعد «انتخاب الرئيس»، وتعالت خطابات العنف المالي ـ السياسي، استولت فوبيا المال على معظم اللبنانيين، وتصاعد قلقهم إزاء أموالهم المعيشية وفواتير الاضطراب الأمني التي ينبغي عليهم تسديدها، اذا لم ينتخب «بالتراضي» رئيس آخر لجمهورية مضطربة، منكوبة بالجوار السلبي، جنوبا، شرقا وشمالا. وعليه كلما اقتربت ساعة انتهاء الولاية اللحودية، تفاقم العصاب المالي لدى اللبنانيين واستشعروا بالفقر العام الذي بات يحاصرهم في حياتهم اليومية، على الرغم من تضخم الودائع المالية الخاصة في المصارف، بإزاء تفاقم ديون الدولة وفوائدها المسجلة طبعا على هذا المجتمع المفقر أكثر فأكثر، بقوة السياسة.
وعندنا أن عدم توافق الخماسي السياسي، المدجج بالمال الخــارجي والداخلي أيضا، هو سبب كل التدخلات الأجنبــية والــعربية في شؤون هذا البلد الصغير، العديم التدبير، وان تسييس المال هو الذي يجدد إنتاج العنف الاجتماعي، اذ بات اللبنانيون يعملون بالكاد لتسديد فواتير وضرائب وفوائد ديون... وبات حاكموه المتمولون يمارسـون الســياسة بــطاغوت المال وجبروته، اذ ان مقارنة بسيطة بين نمط حياة الحاكمين وأنمــاط حياة المحكومين، تكفي لكشف مدى العنف المالي السائد حاليا، والاستنتاج ان «جدار المال» الذي سعى الى مقارعته الجنرال الرئيس فؤاد شهاب في ستينيات القرن العشرين، بات جدرانا وحصونا في عهد الجنرال الرئيس اميل لحود، ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة، وباقي النواب والوزراء وكبار الموظفين.
والحال، ما هي سيادة دولة يستبد برجالاتها عنف المال، فضلا عن عنف السياسة والسلاح؟ ما معنى استقلال حكم في مجتمع مرتهن لوسائل المال؟ وما مغزى وحدة وطنية والوطن نفسه يقاس بتقاسم جماعاته الطائفية، وبتصارعها المصطنع، لتغطية أوهام بعض السياسيين؟
ان ما يسمى «الاستحقاق الرئاسي» كاد يتحول الى محنة أو كارثة لبنانية، بلا وجه حق. فكل فريق مالي ـ سياسي يسعى الى اصطناع رئيس يغطي على مصادر تمويله، وعلى كيفيات انتهاب المجتمع، وهنا لا خلاف ولا فرق بين موالاة ومعارضة، أو أكثرية وأقلية برلمانية، ولا بين مسلم ومسيحي... الفرق هو، اذاً، بين أغنياء الحكم وفقراء المجتمع. ولو كان بينهم أحد يتبنى سياسة نابعة من هموم المجتمع اللبناني الراهن، لربما تغيرت قواعد اللعبة الجارية، وسعى السياسيون مجددا الى استمداد شرعيتهم السياسية من المجتمع، لا من المال الموهوب أو المنهوب. إن العنف السياسي قسم المجتمع اللبناني، والعنف العسكري دمر بعضه، لكن العنف المالي، اذا استشرى كما هو حاله الآن، فمن شأنه تفجير المجتمع والدولة معا، هل انتخاب رئيس جمهورية، بغير توافق، سيصون الجمهورية ام سيذهب بها؟ هذا ما سيغدو معلوما بعد «عيد» الاستقلال القادم.
([) كاتب لبناني