ما
زلنا نتذكر تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس في
ذروة القصف الصهيوني الوحشي على لبنان، الذي يقول إن هذا القصف
ضروري لولادة شرق أوسط جديد. وبالطبع لم تحدثنا الوزيرة يومها
عن مواصفات هذا الشرق الأوسط، الذي تلعب الطائرات والصواريخ
الصهيونية في لبنان وفلسطين، والأمريكية في العراق دور القابلة
(الولادة) له. لأن هذا يجب أن يكون معروفاً بالنسبة لنا كما
تظن الوزيرة، فقد تعب الأمريكان وعملاؤهم خلال العقد الماضي
وهم يشرحون مواصفاته، وينظمون الندوات والمؤتمرات حول علاقاته،
وعن الرخاء ولسلام الذي سيحل مع حلوله، حيث يرعى الخروف مع
الذئب، وينام القط مع الفأر، وبالتالي يصبح معنى قول الوزيرة
الأمريكية نحن نقتلكم بالطائرات ولصواريخ كي نجعلكم تنعمون
بالرخاء والسلام بالشرق الأوسط الجديد الذي سنبنيه.
مضمون هذا التصريح ليس غريباً أو نافلاً على الفكر الغربي، ولا هو من بنات أفكار المحافظين الجدد كما يحاول البعض تصوير ما يجري، بل هو طريقة تفكير ثابتة وممارسة شائعة منذ صعود هذا الغرب إلى مسرح الحياة الدولية في القرن الخامس عشر الميلادي، ومن ثم استعماره للعالم. فقد وضع لنفسه مهمة لا تحتمل التأجيل أو النكوص وهي نشر الحضارة في أرجاء المعمورة المتخلفة، البربرية، الهمجية، الوثنية. وفي سبيل نشر هذه المهمة النبيلة، تحضير العالم البربري، يجب أن نتغاضى عن الخسائر التي تمنى بها الشعوب موضوع التحضير حتى لو كانت قتل ملايين البشر، أو تدمير الدول، أو دك الأسس المادية للحضارات، وسميت هذه النظرية "نظرية الأضرار الهامشية".
إن نظرية تحضير العالم متعددة الوجوه والأشكال، مرة تتجلى باسم تنصير الوثنيين، ومرة باسم التحديث، وثالثة كما هو الحال اليوم باسم نشر الديمقراطية ومكافحة الطغيان.
في ذروة الحرب الفيتنامية برر صموئيل هنتنجتون حملة القصف الجوية الهائلة على الريف الفيتنامي، أو ما سمي بحقول الرماية المفتوحة، أو "مناطق الرماية الحرة، التي كانت تستهدف كل ما كان يتحرك على الأرض الفيتنامية، وأدت إلى مقتل وتشويه ملايين الفلاحين الفيتناميين. برر كل ذلك اعتماداً على نظرية التحديث التي ترسم خطاً واحداً لتطور المجتمعات البشرية، فهي إما مجتمعات مدنية صناعية حديثة تشجع الإبداع وتعلي من شأن الفرد، وتعتمد على مؤسسات المجتمع المدني وعلى روابط أكثر إنسانية بين الأفراد، أو مجتمعات ريفية زراعية متخلفة، ذات بنى تقليدية : عائلية، طائفية، عشائرية. تعتمد على الإتباع والتقليد،كما تسحق روح الإبداع، ولا تعترف بالفرد. وقد صنفت المجتمعات البشرية على طرفي هذا الخط، فمقابل الولايات المتحدة الحديثة الصناعية....الخ هناك فيتنام المتخلفة الزراعية. وهنا اكتشف العبقري هنتنجتون، الذي اكتشف فيما بعد نظرية صراع الحضارات. اكتشف هذا العبقري أن الذي ينقل فيتنام من التخلف إلى الحداثة هو هذا القصف الوحشي. فقد كتب هنتنجتون في مجلة الشؤون الخارجية في عام 1968 قائلاً:
"يبدو أن الولايات المتحدة في فيتنام قد عثرت بالصدفة شاردة الذهن على الإجابة على "حروب التحرر الوطني" فباستخدام القوة العسكرية في الريف "على هذا النطاق الهائل، بما ينتج عنه هجرة ضخمة من الريف إلى المدينة، ستتوقف الإفتراضات الأساسية الكامنة خلف المبدأ الماوي للحرب الثورية عن العمل. فالثورة المدينية تحت الرعاية الأمريكية سوف تقوض الثورة الريفية التي يثيرها الماويون".
) كتاب تاريخ الاستشراق و سياساته - زكاي لوكمان – ترجمة شريف يونس- دار الشروق).
وبالتالي، حسب هنتجتون، فإن القصف الأمريكي الإبادي للريف الفيتنامي ينجز ثورة تحديثية. ثورة تنقل الناس من حياة الأرياف التقليدية التي تعتمد على الزراعة إلى حياة مدنية حداثية تعتمد على التجارة والصناعة.ألا يصنف هذا الكلام في خانة جرائم الحرب!
لكن ما يثير الدهشة أكثر أن يتبنى نظرية "الأضرار الجانبية" هذه بعض من ضحاياها! فبعد العدوان الأمريكي على العراق عام 1991 سمعنا نقاشات وتنظيرات امتدت من السجون والمعتقلات إلى الصحف و المجلات، إذ اعتبر بعض هؤلاء أن القوات الحربية للولايات المتحدة عندما دمرت العراق قامت بهدم البنى القديمة المتخلفة فاتحة الطريق أمام تصنيع المنطقة بيد عاملة عربية ورأس مال عربي وعقول اسرائيلية، وهذا سيؤدي في النهاية إلى نشوء طبقة عاملة حديثة منظمة يمكن لها أن تنجز مهمات الثورة الإشتراكية (كانوا يومها لا يزالون مؤمنين بالاشتراكية). ثم طور منظرو هذا الهراء، الذي يستحقون أن يحاكموا عليه بتهمة الخيانة العظمى أو المساعدة على ارتكاب جرائم حرب على أقل تقدير. طوروا نظريتهم هذه الأيام فباتوا يتحدثون عن قيم الديمقراطية والعلمانية التي تنشرها القنابل الذكية وصواريخ كروز، فهللوا للفجر الأمريكي المنبلج من الفلوجة المقصوفة بالفوسفور الأبيض، أو تحدثوا بصوت أقل خفوتاً عن تقاطع مصالح شعوب المنطقة مع مشروع الغزو الغربي سواء كان مباشراً بشكل عسكري أم غير مباشر، أو قالوا بنظرية الصفر الاستعماري معتبرين أن المنطقة تحت الصفر والجيوش الأمريكية ستنقلها إلى الصفر. وكل هذه التنظيرات ذات جوهر واحد هو الإيمان بدور الغرب التاريخي في تحديث الشعوب والتغاضي عن الدمار الذي يسببه هذا الدور تحت نظرية "الأضرار الجانبية". مع أن شيخاً جزائرياً بسيطاً قبل قرن ونصف تساءل بدهشة عندما قالوا له إن فرنسا جاءت لتحضيركم تساءل :
- لكن لما يحملون كل هذا البارود؟


