تلقت
السياسة الخارجية التي تنتهجها الإدارة الأميركية في منطقة
الشرق الأوسط ضربات وانتقادات عديدة، سواء من خارج
الولايات المتحدة أم من داخلها، وآخر الانتقادات القوية
جاءت على شكل رسالة نشرتها، مؤخراً، مجلة «نيويورك رفيو
أوف بوكس» الأميركية، وحملت توقيع ثماني شخصيات سياسية
أميركية مرموقة، لها تاريخها السياسي وتأثيرها في الرأي
العام الأميركي، وموجهة مباشرة إلى رئيس الولايات المتحدة
الأميركية جورج دبليو بوش. وطُرحت الرسالة بوصفها مشروعاً
مشتركاً بين «مشروع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط
محدود الضمان»، الذي يرأسه برنت سكوكروفت، وبين «المجموعة
الدولية لمعالجة الأزمات» التي يترأسها هنري سيغمان.
تحمل الرسالة تحذيراً واضحاً للرئيس الأميركي من عواقب فشل
«الاجتماع الدولي للسلام» المزمع عقده في أنابوليس هذا
الخريف، إذ ينطوي الفشل في تقديرهم على مخاطر شديدة،
ستطاول تأثيراتها جميع اللاعبين في المنطقة. وبغية الخلاص
من ذلك تقترح الشخصيات الموقعة على الرسالة تبني جملة من
التوصيات التي تسهم في نجاح الاجتماع، لكنها ـ ببساطة ـ
توصيات تتطلب من بوش أن يغير جلده، بمعنى أن يخرج عن النهج
السياسي المتبع حتى أيامنا هذه، والقائم على التماهي
والتطابق ما بين السياستين الأميركية والإسرائيلية.
ويمكن القول إن الرسالة تضاف إلى جملة مساعٍ تهدف إلى رسم
مرحلة التحضير للانتخابات الرئاسية القادمة والمرحلة التي
ستليها على وجه الخصوص، وبالتالي تندرج في سياق محاولات
أخرى، تدرسها وتعدها بعض مراكز الأبحاث والهيئات
الاستراتيجية والمستقبلية التي ستخلصها في تقارير تهدف إلى
إحداث تغيير بعيد المدى في سياسة الولايات المتحدة في
منطقة الشرق الأوسط. بمعنى البحث عن كيفية إعادة رسم صورة
السياسة الأميركية في مرحلة ما بعد بوش الابن، والتخلص من
نهجه وتركته، الأمر الذي يذكر بتقرير «برولينغز» الشهير
الذي أُعد في عام 1976 وتبنته إدارة جيمي كارتر في سياستها
الشرق أوسطية.
وتأخذ الرسالة قوتها السياسية من ثقل الشخصيات الموقعة
عليها، إذ أن من بين الموقعين عليها زبغنيو بريجنسكي،
مستشار الأمن القومي الأسبق في إدارة جيمي كارتر، ولي
هاملتون، الرئيس الأسبق للجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس
الأميركي، وبرنت سكوكروفت، مستشار بوش الأب للأمن القومي،
إضافة إلى توماس بيكرينغ سفير الولايات المتحدة السابق في
إسرائيل.
يعتبر الموقعون على الرسالة أن اجتماع أنابوليس عليه أن
يشكل «فرصة حقيقية نحو التقدم إلى حلّ يفضي إلى قيام
دولتين»، وأن جوهر «التسوية» المطلوب عليه أن ينهض على
أساس خطوط الرابع من حزيران 1967 مع تبادل الأراضي بنسب
متساوية تماماً، واحداً لواحد، وكذلك أن تكون القدس عاصمة
للدولتين، مع التوصل إلى حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين
بشكل يناسب مبدأ الدولتين، ويستجيب إلى شعورهم بالظلم
العميق الذي لحق بهم، ويعينهم على إعادة بناء أنفسهم
وتعويضهم.
والخلفية التي تستند إليها الرسالة تقوم على الإقرار بأن
منطقة الشرق الأوسط غارقة في أزمة خطيرة جداً، الأمر الذي
يتطلب من الاجتماع الدولي أن يعمل بشكل إيجابي على القيام
بدور فاعل ومؤثر في كبح أعمال العنف وعدم الاستقرار في
المنطقة. وعليه يرى الموقعون أن الحوار مع حركة «حماس»
أفضل من محاولات عزلها، وأن دعوة سوريا إلى حضور الاجتماع
الدولي خطوة إيجابية، مع تشديدهم أنه يتعين على الإدارة
الأميركية أن تطور الحوار معها، لأنه من شأن ذلك أن يغير
الوضع الإقليمي بشكل عام.
وعلى العكس من تصور إدارة بوش للاجتماع الدولي، يرى
الموقعون على الرسالة أن الاجتماع عليه أن يتطرق إلى جوهر
«التسوية الدائمة»، وأنه إن لم ينجح المفاوضون
الإسرائيليون والفلسطينيون في التوصل إلى مثل هذه التسوية،
فإن على اللجنة الرباعية الدولية أن تطرح مشروع تسوية،
يستند إلى القرارين الدوليين 242 و338 وخطة بيل كلينتون في
نهاية عام ,2000 وخارطة الطريق التي وضعت عام .2003
لا شك في أن الموقعين على الرسالة، يمتلكهم شعور بأن سياسة
بوش تضرّ بالولايات المتحدة، ومن واجبهم المبادرة.
ويختلفون في توجهاتهم وأطروحاتهم مع توجهات وأطروحات
الإدارة الأميركية الحالية في الشرق الأوسط. لذا فهم يرون
أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي وعدم إيجاد حلّ للقضية
الفلسطينية سببان رئيسيان لحالة عدم الاستقرار في المنطقة،
وأنه من دون «علاج جذري» للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لن
تستطيع الولايات المتحدة الأميركية من حل «الأزمة
العراقية» ومواجهة مختلف التحديات الأخرى التي تواجهها في
المنطقة.
غير أن السؤال الذي يطرح في هذا السياق، هو: ما مدى تأثير
هذه الرسالة على سياسة الإدارة الأميركية في المنطقة؟
إن المنطق الذي تظهره الرسالة، ويظهره كذلك جوهر التوصيات
التي تطرحها، هو منطق لا يلقى أي صدى أو قبول لدى أركان
الإدارة الأميركية الحالية، لكن المهم هو معرفة السياق
الذي تأتي به، خصوصاً بعد الصدى الذي أحدثه كتاب جيمي
كارتر، وكذلك كتاب وولت وميرشهايمر الذي صدر مؤخراً حول
دور وتأثير اللوبي الإسرائيلي في الإدارة الأميركية. ولا
شك أن هذه المؤثرات تدخل في إطار ثقافة التشكيك بإسرائيل
وتبعات التماهي مع سياساتها، ورسالة الثمانية يمكن إدراجها
في هذا السياق.
([) كاتب سوري


