يشكك رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت حتى في احتمالات انعقاد مؤتمر بوش الخريفي الموقوف على مناقشة رؤية الرئيس الأمريكي التي يطلق عليها "حل الدولتين"... يقول مثلاً:

"إذا سار كل شيء على ما يرام، نأمل أننا سنلتقي في أنابولس"... ومع ما ينم عن التشكيك يعيد للأذهان ما سبق وأن أكده كثيراً، بالقول جازماً:

"أنابولس ليس المناسبة التي سيعلن فيها السلام"... بيد أنه كان أكثر وضوحاً، وكإنما هو يوجّه كلامه للمتفائلين من مفاوضي سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود الفلسطينية، أو لوفدها المنخرط في المفاوضات السرية المتعلقة بإعداد ما يعرف ببيان أنابولس، أو "الوثيقة المشتركة" كما يحلو للطرف الفلسطيني المفاوض تسميتها، عندما قال، بمناسبة إحياء ذكرى اغتيال سلفه اسحاق رابين، مشيراً إلى تلك الوثيقة: "السلام لا يصنع في الاجتماعات الدولية"، ولا يصنع "على أوراق خيالية"!

 أولمرت، هنا، منسجم مع نفسه، مع حزبه،  مع غالبة الرأي العام الإسرائيلي، الذي عكست توجهاته المتشددة آخر الإستطلاعات المتعلقة بما يحلو لمفاوضي السلطة تسميته بقضايا "الحل النهائي"...

 وهو هذه الأيام، والإسرائيليون، مشغولون أكثر من انشغالهم بحكاية التسوية الأشبه بحكاية إبريق الزيت، بالتحريض على ضرب إيران، وبالإضافة إلى الملف النووي الإيراني، يقلقهم واقع تعثر المشروع  الأمريكي قي العراق، والاحتمالات المرجحة، حتى أمريكياً، لهزيمته، حيث لا تطمئنهم الإشارات الأمريكية المعبّرة عن العناد الإمبراطوري المصرّة على استكماله ولو جاءت في سياق معترض، من ذلك مثلاً، توقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يكلفهم استمرار احتلالهم لأفغانستان والعراق في العشرة سنوات القادمة، 9،1 ترليون دولار!

من أجل وضع اللمسات  الإسرائيلية المطلوبة على منتج لقاء أنابولس المتوقع، الذي يخشى الكثيرون من الفلسطينيين بحق على قضيتهم مما قد تطبخه لقاءات وثيقته العتيدة التفاوضيّة الدائرة سراً، أو هم يخشون من خاتمة مفاجأة تذكرهم بطبخة أوسلو الكارثية التي انتجت ذات ليلة من وراء ظهر أيام مدريد... من أجل ذلك، والأهم، بسبب من شجون الهم الإيراني، ولوثة القلق العراقي، لجأ أولمرت، كعادة الإسرائيليين في الأوضاع المشابهة، إلى ذخرهم الدائم وذخيرتهم المضمونة، المتمثلة، فيما يعرف اصطلاحاً ب"المجتمع الدولي"، أو هذا العراب والكافل والضامن لهم، وليس مجرد الساند الداعم والمؤيد فحسب وبلا حدود لسياساتهم منذ أو وجدوا، أو منذ أن أوجدوا في هذه المنطقة... "المجتمع الدولي"، وهذا لم يعد يخفي على أحد، ليس سوى هذا النادي الغربي المقفلة عضويته، أو بالأحرى الأمريكي الأوروبي الإسرائيلي، بركينة المعروفين المتمثلين في واشنطن ولندن، وثالثتهما القديمة المستجدة باريس، دون أن ننسى الإسهامات البرلينية، وما خلا من ملحقات تفاصيل الاتحاد الأوروبي.

قام أولمرت بجولته الأخيرة، التي أعقبت عودته غير الغانمة من موسكو، حل في الاليزيه و"10 داوننغ ستريت"، وسمع ما أراد سماعة هناك... وزيادة على ما أراد، إذ وصل ما سمع حد المزايدة على واشنطن نفسها، وربما المزايدة حتى على تل أبيب!

في باريس، أو فرنسا الساركوزية، ذات النوازع الأطلسية الزائدة هذه الأيام، والتي كما تقول عنها "نيوزويك" الأمريكية، "تعلمت كيف تقول نعم" لواشنطن، فوجئ أولمرت بأن مضيفه الذي شكل انقلاب على الديغولية من داخلها، قد تبنى بحماس مدهش، كما نوّه الإعلام الإسرائيلي، معظم المواقف الإسرائيلية، على الصعيدين: الاستراتيجي وما يتعلق بالصراع في فلسطين، والأمر ذاته فيما يتعلق بإيران، ولدرجة أن لم يعد أولمرت يقوى على كتمان نشوته، فيقول: لقد "سمعت خلال هذا اليوم أقوالاً حادة للغاية... لم أسمع أقوالاً تطابق توقعاتي أكثر من أقوال الرئيس" الفرنسي!

اللقاء الساركوزي الأولمرتي لم يقتصر على مظاهر العناق وعبارات الإعجاب وتعابير الغزل المتبادل بين طرفيه، بل اعتبره الإعلام الإسرائيلي "نقطة تحول فارقة وتاريخية"، استحققت من أولمرت أن يعلن ساركوزي "صديقاً صادقاً حقيقياً لدولة إسرائيل وللشعب اليهودي"!

لا جديد فيما قاله أولمرت، كان نتنياهو قد سبقه إثر فوز ساركوزي في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، عندما اعتبر هذا الفوز وصاحبه "هدية من الله لشعب إسرائيل"، ولعلّ الأهم هو ما قاله سفير أسرائيلي سابق لدى باريس:

إن "دولة إسرائيل استيقظت فجأة لتجد أن لديها صديق وحليف قوي ينطلق في صداقته وتحالفه معها من منطلقات أيدولوجية ثابتة وراسخة"!

وإذا ما توقفنا أمام عبارة "منطلقات أيدولوجية ثابتة وراسخة" هذه، نندفع بالضرورة إلى استعراض شريط طويل من المواقف والسياسات الساركوزية البعيدة والقريبة قبل وصوله للإيليزيه وبعده، تبدأ بتوصيفه للفرنسيين من أصل عربي مغاربي في الضواحي المنتفضة بالحثالة، ولا تنتهي بتصريحات وزير خارجيته كوشنير حول العراق، تلك التي لا تختلف عن ما يصرح به جنرالات الاحتلال هناك، أو السفير أو المندوب السامي الأمريكي هناك ايان كروكر!

ما الذي سمعه أولمرت من الهدية الالهية الفرنسية لدولة إسرائيل؟! 

قال ساركوزي: "يقولون أنني أدعم إسرائيل لأن جدي كان يهودياً، لكن الأمر ليس شخصياً".

 ...ساركوزي هنا لا يقصد جده المجري، حيث قدم والده، كما هو معروف، بعيد تحرير المجر من نظام هورتي الفاشي الموالي للنازية في نهاية الحرب العالميّة الثانية، ليعمل مرتزقاً في الفرقة الأجنبية الفرنسيّة في الجزائر، تلك التي ارتكبت الكثير من المجازر ضد الجزائريين إبان الثورة على الاحتلال الفرنسي، وإنما يقصد جده لأمه اليهودية... وإذا كانت المسألة ليست كما يقول شخصية، فماذا هي؟! 

يقول: لأن إسرائيل في نظره "تدخل التنوع والديمقراطية إلى الشرق الأوسط"... ولأنها معجزة... "معجزة أن دولة مماثلة قد قامت، من بقية الشعب اليهودي المبعثر". بل أن قيامها هذا يعد عنده "الحدث الأهم في القرن العشرين"... وربما أهم عنده، وإن لم يقله، من احتلال النازي لفرنسا وتحريرها منه لاحقاً!

وعليه، فإن "أمن إسرائيل لا يخضع للنقاش... وخط أحمر ساطع"!...وأكثر، تنقل هآرتس الإسرائيلية عن ساركوزي قوله لضيفه:

"ليس منطقياً بالنسبة إلى الفلسطينيين أن يطلبوا على حد سواء دولة فلسطينية وعودة اللاجئين إلى دولة إسرائيل، التي تستضيف حتى حالياً أقلية من مليون عربي"!!!

ساركوزي هناك لا يكتفي بتجاهل جرائم التهويد المستمر للأرض الفلسطينية، ولا حصار غزة وتجويعها، وتفاقم تداعيات هذا العقاب الجماعي بعد إعلانها كياناً معادياً، يمنع عنه حتى حليب الأطفال، أو تفعيل خطة "خنق غزة" الباراكية، ولا مذبحة الأسرى في النقب التي حدثت وهو يتبادل عبارات الأطراء مع ضيفه، وإنما تصهين الرئيس الفرنسي لدرجة عدم الاكتفاء بإسقاط حق العودة، الذي غدا على لسان كونداليسا رايس شرطاً لبحث "حل الدولتين" البوشي، ليعتبر الفلسطينيين الذين نجو من الإبادة وعمليّات التهجير و الطرد من ديارهم إبان نكبة عام 1948، وتحوّلوا بعدها إلى لاجئين في وطنهم التاريخيّ، ضيوفاً لدى من اغتصب هذا الوطن!!!

 ساركوزي، بحق لم يخذل جده، وينطلق فعلاً من "منطلقات أيدولوجية ثابتة وراسخة"، كما يصفه أخواله... الم تفتح الاستخبارات الفرنسية ملفاً أقفل قبل 27 عاماً لنقص الأدلة أو انتفائها، يتعلق بإلقاء قنبلة على كنيس يهودي في باريس... المتهم اليوم هو بروفسور كندي من أصل عربي لبناني!

بعيداً عن جد ساركوزي، تجدر الإشارة هنا إلى أن جوهر المواقف الفرنسية من الصراع في بلادنا لها ثبات ورسوخ مواقف ساركوزي قبل مجيئه للسلطة.... ألم تنشر "معاريف" الإسرائيلية ذات يوم ما مفاده أن سلفه جاك شيراك اقترح على إسرائيل إبان حربها العدوانيّة الأخيرة على لبنان اجتياح سوريا؟؟!!

بعد أن وعده الفرنسيون بإلقاء ثقلهم معه في أنابولس، اتجه أولمرت إلى لندن، كانت الحفاوة البريطانية أكثر رصانة، وإن لم يبتعد جوهرها عما لاقاه أولمرت في باريس. قال رئيس الوزراء براون:

"نحن مستعدون لأن نمنح الشعب الفلسطيني مساعدة اقتصادية"... لماذا هذا الكرم البريطاني؟!

 

لم يقل براون أنه يقدّمه كرشوة لكي يتنازلوا عن حقوقهم، وإنما قال: إذا أمكن لهم التوصل إلى "اتفاق حول حل الدولتين يحمي أمن إسرائيل"!

...وأيضاً قال: نحن مستعدون "لفرض عقوبات أوروبية أكثر قسوة" على إيران...

وإذا ما تذكرنا المواقف الأمريكية المعلنة حول لقاء أنابولس العتيد وسائر الصراع في بلادنا، وكلام رايس عن ضرورة "تجفيف المياه التي تلعب فيها إيران"، الذي اعقبه إقرار أوسع عقوبات أمريكية ضد طهران منذ انتصار الثورة الإسلامية، ثم تسريع موعد تسليم الولايات المتحدة لصفقة مقاتلات "اف 35" المتطورة لإسرائيل، لهدف معلن هو الحفاظ على تفوقها على إيران، في الوقت الذي تجول فيه زوجة الرئيس الأمريكي لورا بوش في المنطقة في لفتة علاقات عامّة كريمة على الطريقة الأمريكية حيال العرب عنوانها مكافحة سرطان الثدي لدى النسوة العربيات، نجد أنفسنا مضطرّين لأن نتفق مع أولمرت، الذي حق له القول:

"أعتقد أن ثمة محوراً جديداً لم يكن أقوى مما هو الآن، تشكل رأس حربته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا"... لنخلص بدورنا إلى القول:

ترى ما الذي سيضطر أولمرت لأن يتنازل فيعطي فلسطينيّي "الوثيقة المشتركة" ولو بعضاً من أوهامهم؟؟!!!