منذ أيام وعلى شاشة التلفاز قرأت في الشريط الدوار للفضائية السورية الإعلان التالي :(الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية لعام 2008 تعلن عن إطلاق منح إنتاجية للشباب في مجالات المسرح والرقص المعاصر والسينما وأفلام الرسوم المتحركة).

راعني هذا الإعلان، حيث لم يجد من يريدون الاحتفال بدمشق عاصمة للثقافة العربية، سوى ما ذكر على الشاشة.

فلا التاريخ العربي الإسلامي، ولا الأدب العربي من شعر ونثر وقصص، كان له أي دور في أول إعلان يظهر على الشاشة لتشجيع الناشئين الشباب.

حين أسس ميشيل عفلق وصلاح البيطار وآخرون في دمشق "حزب البعث العربي" على أساس قومي، جعلا له شعاراً "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"، وبرغم أن الحزب لم يترجم ماهية الرسالة الخالدة ولم يشرح أهدافها، إلا أن بعض الناس اعتبروا أن هذه الرسالة هي رسالة الإسلام باعتبار أنها الحاضن للعربية ولغتها.

حدد حزب البعث مبادئ ثلاثة لعمله وهي " وحدة- حرية – اشتراكية "، إلا أنه عقب استيلائه على السلطة عن طريق القوة العسكرية، ألغى هذه الشعارات تدريجياً على أرض الواقع.

حين وقع انقلاب عام 1961 فيما سمي الانفصال، كان من الموقعين على وثيقة "حماة الانفصالية" قادة بعثيون من الصف الأول، وهو أمر معروف لدى الناس كافة ولا أرى الإشارة إلى الأسماء لأن نبش الماضي ليس هو المقصود في هذه الكلمات، إلا أن من جاء بعدهم سار على هديهم بل وكرس الانفصال، وما الشرخ الذي وقع بين بعث العراق وبعث سوريا ببعيد، وكما ورد في القرآن الكريم " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة وأتبعوا الشهوات".

عقب الثامن من آذار ومع بسط القمع على المواطنين، ومنع الناس من التعبير عن آرائهم، راحت السلطة تفتت الشعارات التي طرحها حزب البعث على أرض الواقع، فبدأت تسن القوانين فيما يسمى حماية الثورة، فانعدم مفهوم الحرية، وسعى النظام إلى دمغ كل المواطنين بخاتمه كما تدمغ طروش الخراف، ومنع أي صوت حر يسعى للإصلاح، واعتبرت الأصوات الخارجة عن سربه نشازاً، ففتح لهم السجون والمعتقلات ولا يزال، ومارس أسوأ أنواع القمع والتصفيات الجسدية، والمثال الأسوأ لذلك هو سجنا تدمر والمزه، وغابت الحرية غيبة كاملة حتى تاريخه.

في سبيل الهيمنة الكاملة تم تدريجياً إعدام الطبقة الوسطى بالكامل، هذه الطبقة هي التي كانت تعنى بالشأن العام خلال تاريخ سوريا الحديث، وتسربل النظام بالرسملة، وحل محل الطبقة الوسطى فئة قليلة مترفة لا تزال تكدس المال المنهوب من المواطن بينما راحت تسحق باقي فئات الشعب حتى وصلت نسبة الفقراء إلى ما يقارب ستين بالمئة من مجموع السكان، بينما بلغت نسبة البطالة نحواً من ثلاثين بالمئة، أما متوسط الدخل القومي للفرد الواحد فهو لا يتجاوز ألف دولار أميركي بمفهوم العصر.

سعت السلطة من أجل إحكام قبضتها على المواطنين إلى السيطرة على التعليم، وجعلت ساحته حكراً على الطبقة الحاكمة ومن يلوذ بها، وأضحت الجامعات تقبل طلبة لكليات علمية عالية بعلامات منخفضة تحت اسم "الشبيبة أو المظليين" وانحدر التعليم وأضحى أولاد أسر محددة يدخلون الجامعات بمنحهم علامات لم يكسبوها بجهدهم أو بدراستهم، وهبط مستوى التعليم وانحسر الاعتراف الدولي بشهادات جامعاتنا، كما تم التمييز في الإيفاد بين الطلاب فمنع البعض وسمح للآخرين بإتمام دراستهم العليا ضمن مفهوم الانتماء الاثني أو المذهبي، أو القوى المسيطرة على الثروة ومفاصل القرار... إلخ.

تم التغول والسيطرة على القضاء ونصبت محاكم استثنائية وعسكرية خارج مفهوم العدالة بحيث لم يعد القضاء هو الضامن لحقوق المواطنين، وإنما الضامن لسيطرة السلطة، بما فيها من أجهزة أمنية تملي رغباتها عليه وتم تحطيم استقلال القضاء بكافة الوسائل والسبل، ولم يعد المواطن يشعر بملاذ أمن في القضاء.

منذ مجيء البعث إلى السلطة عاشت البلاد حالة "تعويم مالي" فلم يعد المواطنون يعرفون أية مراقبة لميزانية الدولة، فلم يوجد لدى مجالس الشعب المختلفة أية ميزانية نهائية لما ينتهي من أعوام مالية فيما يسمى الحساب الختامي، كما لا يعرفون عن موارد البترول من أين تأتي وأين تصب وكيف تصرف وعاش مسؤولون كالطفيليات على دماء الشعب فهم يرفلون بنعيم طروش السيارات التي تقف على أبوابهم، ومفارز الأمن التي تخدم أسرهم وأولادهم وصهاريج الوقود التي تصب في خزاناتهم، ومؤخراً وزعت الدولة على مسؤولين عدداً من سيارات "ليكزيس" الفخمة يقدر بواحد وأربعين سيارة فضلاً عن سيارات الجاكور والمرسيدس "المفيِّمة" لأغراض خاصة، بينما راحت السلطة في الآونة الأخيرة تزيد قيمة المحروقات بمقدار عشرين بالمئة بحيث توجه الضربة القاضية للفقراء وهم على أبواب فصل الشتاء.

لم يهتز للمسؤولين جفن ولم يخجلوا من أي يزيدوا الفقراء بؤساً، أو يصبوا الزيت على النار بهدف رفع أسعار المواد الغذائية، ولم يأبهوا للزيادة المرتقبة في أسعار المواصلات، فهم يعيشون حياة الرفاهية التي ورثوها كابراً عن كابر، يرفلون بنعيم حصلوه بعرق جبينهم.

في مطلع العهد الاشتراكي لدولة البعث تم تأميم شركات سموها بأسماء شتى منها الشركة الخماسية التي كان رأس مالها خمسة ملاين ليرة سورية، فصرخوا بالويل والثبور وعظائم الأمور كيف تنهب هذه الشركة وأمثالها دماء الشعب من فلاحين وعمال، وأما تشريعات التأميم فقد ضمنت دفع تعويضات لأصحاب الشركات المؤممة إلا أن أياً من ذلك لم يحصل، ولم يستطع أي من الشركاء في الشركات المؤممة من الحصول على تعويض لما تم تأميمه.

وعلى أرض الواقع فالعديد من المسؤولين يملكون الآن المليارات من الدولارات والشركات والمصارف الحديثة التي تم الترخيص لها، بينما يتجاوز رأس مالها مئات الملايين ومع ذلك فهي شركات اشتراكية.

وأما القضاء الاستثنائي – أمن الدولة مثلاً – فلا يزال يحكم على كل من يساق إليه بجريمة مناهضة أهداف الثورة – والاشتراكية من هذه الأهداف – دون أن يعرف أحد أن هذه الأهداف لم تعد موجودة بعد أن تحولت السلطة إلى الرسملة.

أعود إلى ما بدأت به في هذه المقالة ففي أواخر أيام الانتداب الفرنسي وبواكير العهد الرجعي، عمت المظاهرات شوارع دمشق وكسر المتظاهرون اللوحات الإعلانية للمحلات والشركات التي كانت مكتوبة بلغات غير عربية، وأصدرت السلطات الرجعية قرارات وأوامر بالتزام العربية في كتابة الإعلانات!!!

أما اليوم فهل يستطيع أحد الجالسين على كراسي الحكم أن يخبرني أو أن يخبر الناس عن الدعايات أو الإعلانات لمطاعم ومقاهي وما شابه ذلك مكتوبة بكلمات أجنبية وأحرف أجنبية لا مجال لتعدادها هنا وأصحابها يحصلون على التراخيص من الجهات المعنية على هذا الوضع، والمواطن يعرف ذلك، ف"لانوازيت وكافيه بلاس... إلخ " أسماء وأحرف أعجمية غريبة عنا تطلس إعلانات تملأ شوارعنا في دمشق وضواحيها (عاصمة الثقافة العربية).

أن أية أمة لا تعتز بلغتها وتاريخها هي أمة ليست جديرة بالاحترام، ولو ألقينا نظرة على دول كالصين مثلاً أو اليابان أو حتى بعض الدول الغربية التي لا تعتبر لغتها لغات عالمية، نجدها تدرّس العلوم بلغتها وتكتب إعلاناتها ودعاياتها بلغتها أيضاً، وقد يجد المسافر أحياناً صعوبة في بعض الدول التي يرفض أهلها التحدث بغير لغتهم من باب التعصب، مع أنهم قد يستطيعون التحدث بلغات أخرى كسكان بعض المناطق في ألمانيا، فما بالنا اليوم في دولة البعث نتنكر إلى لغتنا وتاريخنا ونلهث وراء الكتابة بغير العربية.

أن ما ذكرته أنفاً هو غيض من فيض من الانحرافات التي يمكن التحدث عنها والمنافية لفكر البعث ومبادئ البعث فأين نحن منها الآن؟ هل فكرت الحكومة بدل أن تثقل كاهل الفقراء بزيادة أسعار المحروقات، مما يدفع لجنون أسعار سائر المواد الاستهلاكية ويزيد الأعباء على الطبقة الفقيرة التي من المفترض أن تسعى لحمايتها! هل فكرت الحكومة إلى إلغاء التضخم في السيارات الفارهة التي تقف أمام أبواب المسؤولين بينما تزيد في الضرائب على المواطنين من أجل إيجاد واردات يجري صرفها على هذه السيارات؟

سبق أن كتبت مراراً وتكراراً كما كتب غيري عن الفساد المستشري في مفاصل النظام ونهب المال العام، إلا أنني لم أتوقع أن تكون الإجابة على ذلك زيادة في أسعار المحروقات، أو زيادة في الضرائب غير المباشرة، أو حتى في الضرائب المباشرة التي أضحى موظفو المالية وعلى رأسهم وزراؤها ومدراؤها شركاء الدولة في تحصيلها مما يذكرنا بأيام الانكشارية، وللمعلومات فقط فإن الوزير الذي سن هذه السنة السيئة أضحى مالكاً للمليارات بعد أن كان موظفاً بسيطاً فهل هذا كله مما يندرج في فكر البعث؟

سؤال أطرحه على كل من تسلم أو شارك في مسؤولية الحكم بدء من الثامن من آذار 1963 حتى تاريخه! وهل فعلاً ستكون دمشق عاصمة الثقافة العربية لعام 2008 أم عاصمة للرقص الحديث؟!

__________

* محام وناشط حقوقي سوري - دمشق