المعارضة تمتلك الوعي الكامل للخروج من هذا المأزق بالنظام الديمقراطي

        أمام السينما المصرية بما لها من تاريخ طويل وريادة وشعبية، وسينما المغرب العربي بما تحققه من نجاحات عالمية بجرأتها وتجريبيتها وحداثتها، ينهض الواقع السينمائي السوري بطموحه على كاهل أسماء معدودة من بينها سمير ذكرى.

خلال مسيرته الفنية الغنية، حقق سمير ذكرى المعادلة السينمائية الصعبة في أفلامه التي يتفاعل فيها الفكري والجمالي، وبنى منهجه الخاص بالخوض في المياه العميقة للمحظورات والمحرمات والموضوعات الشائكة التقليدية: الدين والسياسة والجنس.

في هذا الحوار مع مقاربات يتابع سمير ذكرى تحطيم أصنامنا حاملا إلى دائرة الضوء الإشكاليات الجديدة للمجتمع السوري والثقافة السوري: الطائفية وسلطة رجال الدين والفساد والزواج المختلط وغيرها، وذلك بإيمانه أن إحساس الفنان في لحظة الخلق بالواقع الذي يرصده قادر على تجاوز تفكير السياسي والثوري أحيانا.

ناصر الغزالي

 لنبدأ من فيلمك الأخير "علاقات عامة". قد تكون الإشكالية الاجتماعية التي طرحتها فيه ربما من أهم مايعاني منه مجتمعنا السوري. من المعروف أن هذا لهذا المجتمع تركيبة أثنية طائفية متميزة انسجمت فيما بينها وتداخلت على مختلف المستويات لكنها بقيت عصية على التمازج فيما بينها على مستوى العلاقات الإنسانية مثل الزواج المختلط والزواج المدني. هل هذا الفيلم تأسيس لمشروع يخص الأستاذ سمير ذكرى؟ ليكون عتبة مستقبلية للمطالبة بالزواج المدني والتشكيك بقانون الأحوال الشخصية المعمول بها في سورية، والمطالبة بقانون عصري؟

صورة من فلم علاقات عامة

 


سمير ذكرى
-
لا أبداً، الهدف من الاختلاف الديني لم يكن لطرح ما تفرق أو لجمعه لأن الأطراف اجتمعت بالفعل واتفقت في نهاية الأمر. اجتمعت بالطروحات غير المشروعة، واجتمعت بالفساد. اجتمعت بتغليب المصلحة على العاطفة واجتمعت بالنهاية باستعمال المرأة كوسيلة.
وبالنهاية اجتمعا عليها وعلى سورية ولم يلعب الدين أي دور بردع أيٍ منهما. حتى الزواج كان صوريا وكوميدياً ومضحكاً. ما تم على أنه زواج إسلامي كان مشوهاً ومزوراً. في الفيلم، يقوم رجل بتزوير ورقة طلاقه وتتم كتابتها في حينها على أساس أنها كتبت منذ أربعة أشهر، وذلك كي تكون العدة منتهية والأمور جاهزة. ولم يطلق هذا الشخص زوجته المسيحية وكان دائماً يطرح مشكلة الطلاق من زوجته المسيحية ليس لأسباب كنسية بل لأسباب جزائية. لأنه سرقها. الفساد يوحد الجميع.  في الفيلم تأخذ الأمور شكل مغايرا، عندما تكون نبيلاً شريفاً تُطرَح أمامك مشكلة الفوارق الدينية بحدة، وعندما تكون عديم الأخلاق وسافلاً لا مشاكل تقفز بين الأديان وتفعل ما تريد لأنك لا تقيم أي اعتبار لأي شيء. في الفيلم يضحك ذلك الشخص عندما يقال له " سيترتب عليه دفع المؤخر وما إلى ذلك في حال الطلاق فهل تطلق ياأستاذ فهيم؟ وانشا الله لا تطلق"، فيجيب " نحن الطلاق عندنا أصلاً صعبٌ جداً". حتى هذه اللحظة يظنه الجميع مسلما، وكذلك المتفرجون. ويستمر الأمرحتى لحظة الزواج التي تأتي بعد ثلث الفيلم. حتى تلك اللحظة لا يقيمون أي فرق بين هذا الشخص وذاك إلا بالوضعية الاجتماعية وبوضعيات الطموح. هذا وَصَل وهذا يريد الوصول. لا فرق باللون أو الإسلوب أوالسلوك أوالعرق ولا بما يحبون. لذلك تضج الصالة بالضحك عندما يقول "الطلاق عندنا صعب" فيسأله الشيخ: "من أنتم، فالطلاق أبغض الحلال عند الله؟" بالنسبة للشيخ نسي أن هناك آخرون في هذا المجتمع، فيجيبه "نحن الكاثوليك ياشيخي طلاقنا صعب جداً" فتبين للمشاهدين أنه كاثوليكي وليس مسلما. ويجري النقاش ويتم تجاوزه. إذا طرحت مشروع زواج مدني يقوم عليك الشيوخ ورجال الدين المسيحي. خذ ما جرى في لبنان مثلا، العجيب أن الذين طرحوا القانون المدني هم بيير الجميل، وريمون إده، وكميل شمعون أي زعماء المسيحيين. الذين عارضوه رجال الدين ومعهم كمال جنبلاط التقدمي بضغط من رجال دينه. لكن في الحقيقة لو تساءلت لماذا يكره بطريرك الموارنة عون! لكانت الإجابة "لأن عون علماني"، لا أحد يريد أن يخفف من نفوذ الدين. ورجال الدين، من كل دين، لا يريدون أن يخففوا من نفوذهم.
الموضوع الذي تطرحه موضوع هام جدا،ً لكنه بفيلمي مطروح من الجانب الآخر حيث يتم تسليط الضوء من زاوية أخرى.

-          ناصرالغزالي
ضمن هذا النطاق، أي ضمن الوضع الحالي الموجود في سورية، هل هناك إمكانية لتطوير القانون؟ المعروف أن أغلب القوانين في سورية باستثناء قانون الأحوال الشخصية قوانين علمانية. هل تعتقد أن قانون الأحوال الشخصية سيتحول في لحظة من اللحظات إلى قانون يكون فيه الزواج المدني جنبا إلى جنب مع الزواج الديني، أي يتركون الناس لخياراتهم؟


سمير ذكرى
الآن يتم التلاعب بالقضية كما هو الشأن بكل شيء. كما هو الشأن بمفهوم القطاع العام والقطاع الخاص والمواطنة وحقوق المواطن وحقوق الإنسان كل هذا يتلاعبون به. ويتم التلاعب بموضوع الزواج، فهناك الكثير من الزيجات المختلطة، يتزوجون بالخارج يعيشون هنا وسجلاّتهم بالخارج، فهنا يخضعون لقانون غير القانون السوري. لكن بما يخص سورية نجد نفس الموقف من كل شيء. هل هناك موقف جدي من هذا النظام تجاه هذه المشكلة؟ برأيي لا، النظام يستعمل الدين لخدمة مآربه، ويستنفر الدين وقت يشاء، ويحارب من أهل الدين من لا يعجبونه، يستعمل الدين للترضيخ والخنوع. فلنفترض حسب الإحصاء المركزي تبين أن العائلة المتوسطة تحتاج إلى 21000 ليرة شهرياً، وذلك بالتأكيد بالنسبة لعائلة تملك بيتا ولا تدفع أجرة منزل. وبناء على ذلك، مثلاً ماهو الشيء الذي يمكن أن يرضي إنسانا لديه أربع أو خمس بنات لا يتقاضى15000 ليرة سورية لعمله كسائق تكسي حتى لو عمل أربع وعشرون ساعة ماذا تريد منه وهو يرى في التفلزيون الكليبات والراقصات والمغنيات واللواتي لم نكن نراهن في الكباريهات أنصاف عرايا وبأوضاع استفزازية، تحت اسم "كليب غنائي"، لا، هذا أكثر من كباريه، فبناته يشاهدن هذا. الناس يرون أهل النظام في سورية وأن هناك  5% من الناس يأخذون من الدخل القومي 65%، ونراهم يركبون سيارات الشبح، وكل يوم سهراتهم في مكان مختلف، فأمامك طريقان، إما طريقة الكليب الغنائي ويصبحن داعرات لتلك الطبقة، وإما الجامع. أنا مسيحي هل أبعثهن إلى الجامع أم أدخلهن بشبكة دعارة حتى يستطعن تأمين اللباس والمكياج؟ النظام يفضل أن يذهب الشباب إلى الجامع، من أن يمتلكوا وعياً ثورياً ويعوا مشاكل النظام وموضوع الاستغلال والصراع الطبقي والفساد. من يخدم هذا النظام؟ إن 5% يأخذون 65% و 15% من الباقين يأخذون 15% من الدخل القومي يبقى أكثر من 80% يحصلون فقط على 20% من الدخل القومي. أن يعوا هذا الوعي، أو يذهبوا إلى الجامع؟ النظام يقول لك فليذهبوا إلى الجامع. البعث أرسل لكلية الشريعة طلابا مثلما أرسل إلى الكلية الحربية. أرسلهم بأمر حزبي وبتعميمات. يرسلونهم لكلية الشريعة  ويصبح لديهم مؤذنوهم وأئمتهم. خطبة الجمعة تُعمم رسمياً من قبل الدولة، وخطبة الكنائس أيضاً. تأتيهم أوامر عليا وتملى عليهم. في كل مناسبة يطلب منهم أن يقولوا شيئا ما. هنا السؤال الذي يجب أن يُطرح. هناك السؤال الذي طرحه الكواكبي. عند العودة للكواكبي ودراسته بدقة نتساءل، عن أي دين نتكلم! لهذا السبب مثلاً في فيلم "تراب الغرباء" الذي هو عن حياة الكواكبي، ركبت نماذج من الأئمة، دين السلطة، رجل دين السلطة. ونأخذ مثلاً الطهطاوي، شيخ الأزهر، والذي هو نوعاً ما استمرار لمدرسة الشيخ محمد عبده مع التنازل كثيرا،ً ولكن مع التسامح رغم انه خادم للسلطة. لديك أيضاً رجل الدين الشعبي ورجال الدين الذين يلجأون للشعوذات والخزعبلات وكتابة الحجابات والتزويج والتطليق والذين يحتكون بالشعب كثيرا. وعندك رجل الدين الفقهي والذي اختصاصه فقه وهذا تأثيره ضيق فالآن نموذج الكواكبي قليل جداً.

 

-          ناصر الغزالي
هذا ينقلني إلى فيلم الكواكبي بما يحمله من أفكار التنوير والنهضة، وبالتالي أسألك أن كنت تعتقد أن الإشكالية التي طرحها الكواكبي حول التنوير هي نفسها الآن؟ نفس المشكلة بعد مئة عام. ما رأيك فيما يمثله مشروع الكواكبي بالنسبة لطريقة التغيير أي طرح التغيير عبر السلطة وعبر المؤسسات؟ هل توافق الكواكبي على هذا المبدأ؟


سمير ذكرى
الكواكبي لم يطرح التغيير عبر السلطة وعبر المؤسسات لم تُسنح له الفرصة كي يفكر بالوسيلة. كان لا يزال عند مرحلة التنظيم  وكرجل دين لم يكن يملك غير خطابه وغير كلمته التي يوجهها. لكنه بالحزم الشديد الذي وجهه للمستبد، ولدين المستبد ورجال دين المستبد، ترى أنه كان فكراً ثورياً أكثر  بكثير مما يُطرح الآن. لكنه لم يتوصل لبحث وسيلة الحزب الذي به يجب أن يحقق هذا التغيير لأنه قُتِلَ قبل ذلك. ومن الممكن أن تقول لي أنه كان نقيب أشراف، هو نفسه كان صاحب مدرسة لكن لم يكن يمثل التوجه الرسمي بتعامله بكل هذه الأمور. نظرته للمرأة لم تكن رسمية، المرأة والعمل، تصور في ذاك الزمان ينظر نظرة إيجابية. في تلك الفترة كانت المرأة العاملة هي المرأة الريفية . الكواكبي يقول أنا أحترم أكثر شيء هذه المرأة من بين كل النساء، لماذا؟ لأنها تعمل وحقيقة هي المرأة الأكثر ظلماً، تذهب لريفنا هي من تقوم بكل العمل  الزراعي وتنجب الأطفال وتربيهم وتطعمهم، من هنا تعدد الزوجات. ففي فيلمي الأول ذهبت للريف بالأفكار المسبقة للمثقف، أي أدين تعدد الزوجات. ولكن حينما قابلت أحدهم والذي يملك أراضٍ كثيرة للزراعة سألته كم زوجة عندك، أجاب ثلاث إلى جانب الأولى، وهي تجلس بجانبه بافتخار وأردفت أنا من خطبهن له واخترتهم بمعرفتي، سألت كيف؟ قالت: كي يساعدوني بالعمل فهل تريد بمفردي أن أقوم بكل الأعمال الزراعية والمنزلية. فبهذه الطريقة خففت من أعباء العمل الملقاة على عاتقها وكانت تقول ذلك بمرح وطرافة. امرأة أخرى تملك عائلتها معملا للجبن وأيضا هناك ثلاث نساء في الأسرة غير الأولى، وكلهن عندهن أطفال ويقمن بهذا العمل. في دير الزور نفس السؤال وجهته لها، أجابت: أنا الأولى عنده وأنا خطبتهن وانتقيتهن له صبايا صغار السن قويات. الموضوع مختلف نهائياً عن فهمنا المسبق.

      ناصر الغزالي
هذا يعد أمرا استثنائيا وليس قاعدة.


سمير ذكرى
في الريف هذا قاعدة.
ناصر الغزالي
أي أن الزواج وظيفي؟


سمير ذكرى
اجل الزواج وظيفي لتخفيف العمل عن الزوجة الأولى، حتى في المدينة أيام لم يكن هناك خادمات وكانت البيوت على الطراز المعماري العربي الواسع كان الزواج المتعدد يلعب دورا أيضاً. أي معنى ذلك أنه ليس دائماً غير مستحب عند المرأة الأولى مثلما نفكر نحن بناء على موقفنا المسبق.
ناصر الغزالي
هل تجد هناك علاقة وثيقة بين العمل الفني والإبداع وبالتالي بين الممثل والإبداع في مرحلة تشهد ثورة على مستوى العمل الدرامي السوري. أقصد أن الكثير من الفنانين السوريين التجأوا إلى العمل الدرامي التلفزيوني، هل أصبح هاجس الممثل أو هاجس الفنان نفس الهاجس القديم بمفهوم الإبداع؟.


سمير ذكرى
لا، كل نوع من العمل، كل جنس فني من العمل إذا شئت يختلف، فعندما نشط المسرح تحديدا في الثمانينات وبتنوع مدارسه كان الأمر يتطلب من الممثل نوعا من التفرغ الصوفي والتفرغ البريء الجميل للفن. في السينما هذا التفرغ أيضاً موجود مع حرفية ومع دقة في العمل ومع انتظار فرصة والكل يطمح الآن أن يأخذ دورا في السينما حتى لو كان ممثلا تلفزيونيا مشهورا، لكن  العمل في التلفزيون فرصة للعمل الدائم والدخل المادي. التلفزيون هو من يحقق ذلك فهو الاستهلاكي رقم واحد، لكن للأسف الشديد هناك مأساة في العمل التلفزيوني كما هي في مصر وعندنا. وهذا يعيد إلى ذهني حوارا لاينسى دار بيني وبين الممثل محمود ياسين. التقينا بقرطاج وأحياناً يأخذني اللؤم كسينمائي. سألته حينها كم عملا عندك؟ أجابني حوالي 200 عمل في ذاك الوقت. سألته: أي الأعمال تحس نفسك أنك لست محمود ياسين، لأنه لا يمكن أن يكون محمود ياسين مكرر للمرة المائتين؟ شرد وأجاب: أنه من الصعب أن أقول لك لأنهم يأتونني بهذه الأدوار لأني محمود ياسين. سألته: أليس هذا ظلماً لما للفنان الذي يعيش بداخلك والذي هو غير شخصك الظاهر. هذه مأساة حقيقية أن يموت الممثل ولم تُمتحَن قدراته الإبداعية بعد، خذ مثلاً الدراما السورية بتنوعها تنتج التاريخي والمعاصر، فممثل كبير مثل سلوم حداد أخذ الزير سالم، المتنبي، وأخيراً نزار قباني في مراحله الناضجة، الخ. فطبيعة الكتابة التلفزيونية بالتلفزيون العربي المسلم واضحة بامتياز. هوامشه محددة. ممنوعة لحظات الحب، لحظات العنف، ممنوع كثير من اللحظات الدرامية الحادّة والتي تشكل امتحانا لقدرة الممثل، ولهذا ترى بالنهاية أنهم يأخذون اللحظات الحيادية، فتتساوى إن كنت المتنبي أو نزار قباني أو الزير سالم أو أي شخصية اخرى. وترى لهذا السبب أنك عندما تسأل شخصا عن عمل تلفزيوني يشرد ثم يجيب لا أدري إن كنت قد رأيته أم لا. نوع الكتابة في السينما يختلف، مثلاً نزار قباني يصلح فيلما. نزار دون نساء على الشاشة ليس بنزار. وليس بنزار إن لم يكن شاعر المرأة. هناك مقطع لنزار قباني يقول "ونسجت من حلمات النساء عباءةً" وعندما تقول هذا البيت على الشاشة ماذا سيكون وراءه وأمامه! أجساد وهنا يتم كسر تابو الجسد، حُطِمَ تابو الجسد بالشعر المتداول.
ناصر الغزالي
كان قصدي أن نفس الممثل الذي يعمل في المسرح يعمل  في التلفزيون ويعمل بالسينما. فلنقل أن هذه القدرة الدرامية السورية أدت إلى أنه يصبح التمثيل قضية وظيفية وليس قضية إبداعية؟.


سمير ذكرى
بالمعنى الحديث للكلمة كل الأعمال أصبحت وظيفية، فإذا جاءتني ثلاثة أفلام بالسنة فيجب أن انظم وقتي بشكل وظيفي حتى أستطيع أن أنفذها. أما إذا أردت أن تكون مقاربتي للعمل إبداعية فلن أستطيع أن أنجزها معاً في سنة واحدة. فيلم بالسنتين هو الحد الأقصى. قد تأتي للممثل فرص أثناء عمله في التلفزيون ولكن ليس ممكناً أن يجمع مع التلفزيون أي شيء آخر. هذه هي النقطة، إلاّ في اللحظات الميتة فهو يستطيع أن يمثل في المسرح عندما لا يكون هناك موسم التصوير التلفزيوني. حتى في السينما نواجه مشكلة، ففي فيلمي الأخير كان هناك صعوبة لأنك لا تستطيع أن تتحكم في الوقت الميت للتلفزيون بسبب الازدحام على طلب الممثلين الكبار. لكن السينما لها أجواؤها، فعندما نلتقي مع التلفزيون بنفس وقت التصوير يكون هناك أزمة بالبرمجة وحتى تُخرج الممثل من حالة الخفة بمقاربة العمل يشكل لك ذلك عملاً صعباً، حتى يعود ويدخل بالجو السينمائي الجدّي والتركيز والدخول بجلد آخر، أي من الأسهل لي وللممثل أن يذهب ويلبسوه ثيابا أخرى ومكياجا آخر ويمثل نفسه في أي دور آخر من أن تقول له هنا يجب أن تتأتئ، أنت هنا لست سلوم حداد القوي الشخصية الضخم الجثة أنت هنا رجل عنده عجز. هذا يتطلب رسم شخصية ويحتاج للعمل عليها إي أن يحضر ويهجس بالشخصية ليل نهار، هذه هي المشكلة. وهناك نقطة أخرى هي الأجور. تأكد أن أي ممثل وأنا أحس أن الأمر ينطبق عليهم جميعاً عندهم حاجة إنسانية ليتهافتوا على السينما ومعظمهم يسأل: اليس لدينا دور عندك؟ السبب أن لديه رغبة حميمية داخلية إبداعية أن يعمل في السينما لكن الأجور وتكاليف الحياة الغالية هي السبب، فالممثل إذا تقاضى أجراً عالياً يكفيه لسنتين أوثلاث يستطيع أن يعمل في السينما دون خوف من وضعه المادي إلاّ إذا دخل في حالة التاجر الشرقي وسار في هذا الطريق.
ناصر الغزالي
ربما ندخل هنا في جانب آخر وهو جانب يخص الواقع الاجتماعي والسياسي في سورية أي حرية الفن، حرية الرأي، وحرية التعبير وهذا جزء لا يتجزأ من حرية المجتمع ووحدته، هذه الحرية تقرب الناس من بعضها وتقرب الآراء، تكشف، تفضح الكثير من السلبيات. أهم الآفات التي يعيشها المجتمع الفساد، المحسوبيات. أين دور المخرج سمير ذكرى في فضح وكشف هاتين الآفتين اللتين تقدران على هدم أي مجتمع؟.


سمير ذكرى
بكل أفلامي منذ حادثة النصف متر كان هناك توصيف الواقع السوري خصوصاً والعربي بما فيه من قواسم مشتركة والإسلامي إن شئت ضمن القواسم المشتركة الأبعد لوضعنا، ففي الفيلم تمت إضاءة ملامح الوضع القائم الذي أدى للهزيمة ولنكسة ال67. سأل راديو صوت أمريكا السفير السوري آنذاك عندما عرض الفيلم في معهد الفيلم الأمريكي، قال له هذا الفيلم يطرح منطقا مختلفا، لأول مرة تقولون أن الهزيمة بدأت من داخل الإنسان ومن ثم على الجبهة، هذه أول مرة لا ترمون الذنب على الخارج. فحقيقةً المذيع كان مصيبا لأن ذلك كان ميزة فيلم حادثة النصف متر، أي أن أدرس مكونات الشخصية الاجتماعية والبيئية والعقلية والجنسية........ الخ، والتي هي في النهاية بنت مجتمع يعيش الهزيمة قبل أن يخوضها وهذا أخطر ما في الفيلم، وأظرف شيء في هذا الفيلم الذي أُنتج في عام 81. ذهب الفيلم للبندقية، ووجدوا طلبا عليه في البندقية، في الأول مانعوا السيناريو بشدة وعلي عقلة عرسان بلحظة ما قال لي في "هذا السيناريو بين كل سطرين هناك شتيمة على الحزب"، ومن حظي أنه كان كاتب سيناريو لعمل سخيف اسمه"المصيدة" والذي يتناول موضوع  الفساد. يدور العمل حول ابنة عامل بإصابة عمل تذهب لتحصيل حقوق ابيها فيتداولون جسدها باتحاد نقابات العمال وتتعهر هذه الفتاة، وهو كاتب هذا السيناريو ولكنه اعترض على ما كتبت، فذهبت وواجهت أخوه الذي في حينها كان مدير شؤون الإنتاج في المؤسسة. قلت لماذا هو يسمح لنفسه أن يقول هذا النظام عهّر تلك الفتاة من وراء موت أبيها العامل ويأتي ليمنع لي فيلمي، وقلت له سآخذ سيناريو فيلمه وأذهب للقصر الجمهوري، مع أني لن أفعل ذلك وكان مجرد تهديد ولكنه كان كافيا لأن يعاد النظر بالسيناريو ويسمحوا لي بتصويره. عندما انتقوه للاشتراك في مهرجان البندقية وعادوا من المهرجان كان هناك الدكتورة نجاح العطار وكان عندها بعد نظر وحضارية أي مقاربة حضارية للأمور، فمن جهة كانت تريد أنه يخرج من سورية أعمال فيها هذا الانفتاح وكانت سعيدة أنه في سورية أصبح هناك سينما وليس من السهل أن تصنع سينما في بلد يفتقر للمسرح والأدب والفنون التشكيلية ولتقاليد العمل، ويخرج بعض الشباب القادرين أن يركبوا فيلما، وفيلم حادثة النصف متر كان أول ما سمي آنذاك موجة الشباب، فقالت لي الفيلم سيعرض ولكن ستسمح لي أن أؤجل عرضه قليلاً، وهكذا فعلاً كانت تتعامل أي لم تقل أننا سوف نمنع عرضه، فبحكمتها الشامية ولطفها الشامي كانت توازن الأمور بين الدولة" مع أنها لم تكن حزبية" وبين متطلبات الأمور والحاجة الفنية والثقافية. والذي حدث أننا ربحنا أفلامنا، عرض في البندقية وبرلين ولندن وفيما بعد عرض في سورية. المهم في الموضوع انه في عام 81 مُنِعَ الفيلم، الشخص الذي منعه أتاني بعد عشر سنوات وقال لي هذا الفيلم خطير جداً جدا ًمن يومين عدنا ورأيناه فسألته الآن فقط اكتشفته؟ أجابني نعم. قلت إذاً لما منعته قبل عشر سنوات. أحياناً يمنعون بالغريزة، فمثلاً إذا أحسست أنه من هنا يوجد خطر تهرب لمكان آخر. وأيضاً في وقائع العام المقبل هناك توصيف وهناك فساد من نوع آخر. في حادثة النصف متر هناك فساد البطل نفسه، فساده بمعنى الوسط المحيط فيه الذي لم يساعده على أن يخرج من ذاته المعقدة ومن ثم استعمال هذه الذات بعد الهزيمة في سبيل تحقيق مآربه، هذه الذات المعقدة العاجزة. لم يجدوا غيره أدى خدمة العلم الباقين الشيوعي والبعثي عارفين أنفسهم ذاك وحيد وذاك دفع البدل وذاك تخلص من الخدمة بطريقة الواسطة فعندما أرادوا مسؤولا عن الدفاع المدني لم يجدوا إلاّ ذاك فأخذ المنصب الأعلى وهذا ماجرى وأعني بذلك ما جرى بعد الحركة التصحيحية، فهذا هو مضمونها بالضبط. بينما في وقائع العام المقبل الأمر بالعكس فهو عن الطبقة البرجوازية الوسطى. المثقف الذي درس الموسيقا في الخارج لكنه أتى لهنا ليؤسس أول فرقة فيلارمونية للموسيقا العربية الكلاسيكية الحديثة. المشروع برأسه موجود ولكن يفتقد للوسيلة وهي فكرة أساسية جداً فكل الأحزاب تطرح مشاريعا ولكن أذكر لي أحداً فكر بوسيلة، فوقائع العام المقبل يبحث بالوسيلة وكيف أن التركيبة البيروقراطية حالت دون ذلك فحقق مشروعه بشكل آخر فلم تعد تلك الفرقة التي تلبس الزي الموسيقي إنما جمع من زملائه المحيطين به الذين يعملون في الكباريهات، من البنات، من مجنون سمعه يغني في باص، من بعض طلابه المكفوفين وأسس بهم فرقة وغنوا معاً. علاقات عامة فيه روح سورية المعاصرة بمعنى الفساد في القمة، والفساد مدروس أفقياً وعمودياً ولم يتوقف عند فئة حتى لا أخفف المصيبة فبكل بساطة يمكن أن نقول الطائفة كذا هي الفاسدة بسيطة ننظف هذه الطائفة نصبح نظيفين، ولكن بالنتيجة تجد أن ليست الطائفة كذا هي وحدها الفاسدة بل معها الطائفة كذا وكذا. كلهم لهم شركاء وامتدادات مصالح، ومن السهل أن تقول أن المثقفين هم الفاسدون، لا، هناك عمال فاسدون، مدراء، وزراء، رئيس الوزراء، فهذه هي المصيبة أي أصبح الامتداد أفقيا وعاموديا ومن هنا أتت العلاقة بينهم وتم تقديم مختلف الطوائف، ليس في سبيل البحث عن قانون مدني يحل لهم مشاكل الزواج بل في سبيل البحث عن قانون يقضي على الفساد عندهم جميعاً ولا يدع أحدا يرمي بها على الآخرين لأنه في حال نمت حركة ثورية في سورية وتريد أن تحاسب من السهل أن يقول الآخرين أن تلك الطائفة هي الفاسدة والآخرون ينجون بجلدهم. يجب أن يقال لهم هذا غير صحيح لأن من تلك الطائفة أناس غير فاسدين وأنتم من طائفتنا وفاسدون. حتى لا ندخل في المأزق اللبناني الذي لا يرى الفساد إلا عند إميل لحود أو الخيبة والانتقاص إلاّ عند لحود، لايرون الأمر في وليد جنبلاط  والحريري نفسه بمسيرته، لا يرونه في السنيورة لأنهم محصورين في طوائفهم هذا النوع من الوعي لا يعطي خطوة للأمام فهو بالمعنى اللبناني مضاد لتفكيرهم.
ناصر الغزالي
في حديث جانبي حدثتني عن قضية أثارتني كثيراً وهي كيفية تعامل المؤسسات أو مثلاً مؤسسة السينما مع المبدع. سمير ذكرى حصل على جائزة ويجب أن تفتخر المؤسسة بهذه الجائزة إلا أن تلك المؤسسة قامت بمعاقبته؟.


سمير ذكرى
هذا استكمال لموضوع الفساد. لو أن هناك معلومات سرقة على سمير ذكرى مثلاً وكان بلجنة مبايعات الفيلم وتآمر مع مدير الإنتاج مقابل مبلغا ما وثبت ذلك عندهم كانوا بكل بساطة ساوموني بشؤون أخرى وأنا كنت لن أتجرأ أن أدين فسادهم وبما أنني أدين فسادهم بحثوا فلم يجدوا غير جائزة والجائزة بفتوى من مدير عام فاسد كنت أهاجمه على فساده فأخذتها عام 1998 من القاهرة. أعطيت لي والنظام الداخلي لهذا المهرجان آنذاك كان يترك للجنة التحكيم أن تعطي جائزة أفضل فيلم عربي لمن تشاء وأعطتها للمخرج سمير ذكرى والجائزة باسمه والشيك مأخوذ باسمي من جواز السفر وفي سنة 2002 تغير النظام الداخلي ارتأوا أن هذه الجائزة ستعطى لتشجيع الإنتاج للمنتجين الخاصين فأخذها حجة علي ليطالبني بها تصور يطالب في عام 2002 بقانون 2002 ما أعطي لي بقانون1998  فأين الموضوع؟ أنا كنت أصلاً وزعت الجائزة على بعض زملائي، المال ليس لهم، فإذا كان هناك من يحاسَب فهو من أعطى الجائزة لسمير ذكرى من أعطاه النقود التي ليست له أي الجانب المصري، وأصلاً النقود ليست سورية لم تخرج من صندوق سوري فكيف ستعاد لصندوق سوري. قال أنه صدر أمر من مجلس الإدارة أن توزع الجائزة على العاملين، فقلت لهم أنا لست بالأساس بحاجة لأمركم أنا أوزع من تلقاء خاطري وقد وزعت فعلاً وهذه قائمة بالتوزيع وأخذ القائمة بالرغم من هذا وبالتآمر بينهم وبين الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش فالفساد لا يقوم لأن هناك موظف فاسد فقط وتفتيش فاسد يسكت عنه، تسأل كيف يفسدون التفتيش أقول لك: يعطونه ظروفا تحتوي مئات الآلف من الليرات لكل واحد تصل الأوراق بشكل رسمي لعند التفتيش وأنا بيدي أخذتها والأكثر من ذلك تكلمت السيدة نجاح العطار لأن هناك قضية أخرى وهي أن هناك 49 سينمائيا تقاضوا تعرفة جديدة وارتأت الوزيرة أن تحاسبنا عليها فجأةً، يقول أحد القانونيين كيف يقبضون قبل أن تنشر التعرفة واستردوا منهم النقود. يجب ألا تسترد مني يجب أن تعرف من الذي صرف لي وتحاسبه وقالت لهم أنا حاسبتهم بشكل صحيح وكنت قد سألت وزير المالية فإلى حد الآن يحجزون على بيوتهم مقابل أجر تقاضوه بشكل شرعي بالإضافة على قضية الجائزة فقد توصلت لالسيد الرئيس وقلت للدكتورة نجاح العطار أن هذه المشكلة نموذج. مرتين أعطوا تعليماتهم للوزارة والتفتيش حلّوا هذه المشكلة وفي المرتين يتم التلاعب بعدم حل هذه المشكلة. وهناك سؤال: لماذا خلقوا المشكلة؟ هناك سبب واحد، حتى يقولوا أننا نحن وجدنا فسادا في المؤسسة العامة للسينما، فبدل أن يمسكوا فسادهم يختلقون فسادا للآخرين. قلت للإدارة أنه يشرفني أنكم أمسكتم عني جائزة لأنكم لو وجدتم شيئاً آخر لن تقصروا لكن ملفاتكم هي القصة. فهم همهم إحالة ملف ال49 سينمائي وجائزة سمير ذكرى لرئاسة مجلس الوزراء لكي يبدوا انهم يعملون وبالتالي يغطون على فسادهم. الآن موضوع الأجور لماذا لا يحلوه؟ هناك أجور حلّوها من عندهم وأجور أخذوها باسم أن الشخص أعاد أجره فلطشوه فكيف ستحل! إنها ورطة! إنهم يتلاعبون على أوامر من رئاسة الجمهورية فإذا كان  هناك قضايا صغيرة ( مع أن هاتين القضيتين  تتعلقان بثلاثة ملايين ليرة سورية) يتم التعامل بها هكذا، فعن أي إصلاح وتطوير وتحديث يجري الحديث! عندما تتحدث بالمليارات يصدر المرسوم من فوق حتى يصل لتحت أي إلى مجال التنفيذ يتغير ويتعدل بأساليب متنوعة.
ناصر الغزالي
من يحمي هذه المؤسسات برأيك، وهذا الأسلوب من العمل؟.


سمير ذكرى
شركات متعددة الجنسيات، الهيئة المركزية مع القضاء مع أصحاب القصة. مثلاً حكى لي مُبَلِغ من وزارة المالية، طالب مبعوثا أخل بالبعثة ويجب أن يحاكم، حاكموه. الجامعة التي درس فيها أعطته فرصة لإكمال الدكتوراه لأنه متفوق وهم طلبوا منه العودة لم يعد، قطعوا عنه المنحة وحاكموه حسب القانون بدفع مليون ليرة سورية لكن بدل المليون حكموه بثمانية ملايين ليرة سورية فقال المُبَلِغ برايك اين تذهب السبع ملايين الباقية؟ سلفاً تقاسموها بين المؤسسة التابعة لها الشخص والقاضي الذي حكم والهيئة المركزية للتفتيش.
ناصر الغزالي
الوضع السياسي بسورية يدخل بإشكالية في هذه المرحلة على مستوى السلطة والمعارضة، هناك سجال كبير قائم الآن حول مفهوم العمل السياسي بطرفيه الوطني، والديمقراطي، كيف يرى الأستاذ سمير ذكرى العمل السياسي في سورية؟.


سمير ذكرى
باختصار حالياً الوضع شائك وعوّيص المعارضة( وأعني بها ابعد من أحزاب محددة بما فيها حتى الشعور الشعبي المعارض) تمتلك وضوح الرؤية وتعرف أين مكامن الضعف في النظام وأيضاً أن هذا النظام الآن لا يستطيع إلاّ أن ينهار. ينهار وننهار معه أي نحن جميعاً الآن في حالة انهيار، انهيار بمستوى المعيشة، انهيار بالعجز عن تحقيق أي نمو، انهيار بالعلاقات الأخلاقية والعلاقات الإنسانية وظروف الحياة. مثلاً صداقات انهارت بأكملها. أصبح من الصعب أن تحافظ على صداقة لأن الأخلاق لها علاقة مباشرة بالأوضاع السياسية والاقتصادية، ليس هناك أخلاق ثابتة وهذا المفهوم بدأه علي بن أبي طالب عندما قال: "لا تربوا أولادكم على أخلاق كأخلاقكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم". هذا الزمان بالانهيار الذي فيه والانحطاط الذي فيه يفرض انحطاطا على كل مستويات التعامل حتى الحرفيين حتى المهنيين حتى أبسط أنواع التعامل من سائق التكسي تحس انك مع حرامي ولست مع سائق تكسي. الوضع في سورية لم يكن كذلك، ففي الخمسينات كانت هناك أخلاقيات على كلمة. مثلاً يُطلب من تاجر بضاعة ما على سعر اليوم ويعطيك وعدا بكلمة منه فلو تغير السعر بعد ربع ساعة لن ينقض كلمته، الآن لم يعد هذا موجودا. المعارضة بشكل عام المنظمة وغير المنظمة تمتلك الوعي الكامل للخروج من هذا المأزق بالنظام الديمقراطي..... الخ. وبشكل سلمي خوفاً من انفجارات طائفية لأننا نحن مجتمعات متعددة التكوينات وخصوصاً خارجة من مأزق أدخلها النظام فيه. أهالي حماه لم ينسوا ما جرى في حماه، أهالي حلب أيضاً لم ينسوا ما جرى في حلب، أهالي 15000 مفقود لم ينسوا أولادهم .منهم الذي أمضى 15-17 سنة في السجن من عمره على لا شيء، على كلمتين قالهم، لن ينسى. ضحايا الفساد من مهندسين في شركة الطيران العربية السورية أدخلوهم في السجن ثلاث سنوات ونصف باسم شركة طيران إير باص ثم قالوا لهم إنكم بريئون، كيف! بريء! مهندس طيران عالمي يسجن ثلاث سنوات ونصف يهان ويذل ثم تقول له بريء وفقط، ألن يحاسبك!. كل هذه التراكمات إما يجري مقاربتها على الأقل على طريقة ملك المغرب (المصالحة الوطنية مع الحساب مع الاعتراف مع الاعتذار مع التعويض) المصالحة الوطنية ليست هي أن تقف وتضحك وتشتم المعارضة وكأنه ليس هناك شيء، يجب أن يفهموا بشكل جدّي أن المصالحة الوطنية هي الخروج من مأزقهم، الآن ليس هناك قوة مادية عند المعارضة بشكل عام. وهي لا تدعوا للضغط المادي. باعتقادي فيما سيخرج من اطر الأحزاب التقليدية حتى في المعارضة لديك بحسابات بسيطة عشرات الآلاف إن لم يكن مئات الآلاف من الشباب تدخل سوق العمل بلا عمل مرميين في الشوارع حتى في أرقى المناطق، مامن عمل، وبعد ما الحل! ازدادت السرقة، وهناك كلمة قالها لينين جميلة جداً ( في اللحظات التي تسبق الثورة وتسبق حالة التفجرات الثورية تقوى اللصوصية والجرائم والسرقة)، وهذا حالياً ملاحظ فلماذا جريدة تشرين لكل عدد يوم اثنين تنشر الجرائم، أصبحت تنشر ذلك ظناً منهم أنه يردع المواطنين وتسمى صفحة الإرشاد، أي كيف تقوم بالغش والفساد والسرقة وقتل عمتك وأبوك وسرقتهم، هناك نسبة جرائم كبيرة لأنهم يرون الآن هذا هو المخرج، لكن فيما بعد! وعذراً إن أي حزب معارضة ثوري عنده قدرة التأثير محدودة ضمن دائرة قطرها كذا والباقي سوف يلجأ للعنف، للعنف الديني أو الغير ديني ثم يتفاجأون، من أين وجد عندنا إرهاب! لذلك لو أن هناك أصحاب عقل وليس على طريقة خدام، أي ينتظر أن يخرجوه من السلطة ليستشرف. من داخلهم يجب أن يعوا أن هناك كارثة، أن هناك تفجيرا نوويا سوف يحل عليهم قبل أي أحد فيجب أن يسيروا على خطوات ملك المغرب ولا أقول لينين، فملك المغرب ليس غبياً ليقوم بهذه الخطوات لأنه عندما تمتلك العائلة المالكة في المغرب 60% من الأراضي الزراعية سيكون هناك عدم نمو زراعي، كلما كبرت الملكيات تتباطأ عملية نموها واستثمارها واستغلالها، فلهذا السبب تذهب لمناطق سياحية جميلة جداً مثل تطوان وغيرها ليس هناك أي مشروع قائم فاضطروا للهروب إلى إسبانيا ونحن نطالب بسبته ومليله وأهالي هاتين لا يريدون الذهاب للمغرب لأنهم سعيدون في إسبانيا. أنا أعطي إحساس الفنان بالواقع الذي ارصده أكثر بكثير من لا تفكير الثوري ولا من تفكير السياسي، عندي إحساس أن هناك كارثة ومهما كان شكل الانفجار في حال خرج عن السيطرة لن يكون بشكل العراق بل أفظع أفظع بكثير فذلك يشبه يوم القيامة، ندعو ربنا ( من ربنا هو ربنا... رئيس الجمهورية ربنا) ندعوه لأن يرأف بحاله قبل كل شيء قبل يوم القيامة لأن هناك كارثة، الشباب المرميون يتفجرون. خذ مثلاً هناك شبكة دعارة في منطقة جرمانا( فتاة عمرها حوالي 16 سنة تبحث عن عمل يتناولونها وينزلونها لقبو على أساس أنها ستعمل فجأةً ترى نفسها مقفول عليها وتغتصب وتعامل بسادية مذهلة، وترى اطفالا عمرهم سبع سنوات موجودين في ذلك القبو بنات ما بين العشر سنوات والاثني عشر سنة) وعندما يفرضون عليها ان تعمل ياتون لها بزبون سعودي فتبدأ بالبكاء فيرأف بحالها واتفق معها أن يوصلها لأهلها فاتصلت بالشرطة اقتحموا المكان، تبين أن مايجري فظيع، شبكة دعارة وتجارة أعضاء وفيها من الأمن السياسي للأمن الجنائي لحزبيين لدلالين لأصحاب سيارات تحدثوا عنها فترة ثم طووا الموضوع وهددوا المحامية التي ترافعت عن الفتاة وقد نشر ذلك على شبكة الانترنت.
ناصر الغزالي
تشريح السلطة أصبح من المسلم به لكن هل تعتقد أن المعارضة الصامتة والمعارضة السياسية تتحمل جزءا من هذه المسؤولية في عدم وضع مشروع واضح المعالم؟.

 

 سمير ذكرى
عدنا لفيلم وقائع العام المقبل، المشروع موجود لدينا، الوسيلة هي من نفتقد، ماهي الوسيلة؟ لا تمتلك قوة عسكرية لا تمتلك قوة تنظيمية لاتمتلك قوة مادية لدحر النظام، وتحاول بمشروعك أن تقنع النظام مثلما تتكلم مع سكران منتش بكونه لا أحد يستطيع أن يزيحه من مكانه. الخارج يؤدي إلى انفجار أي زحزحة غير طبيعية غير مدروسة غير مرحلية ونحن نقول عسى ولعل تحت الضغوطات الخارجية أن يحسوا بوجودهم المؤقت ولكن أنا لاأرى أن الضغوطات الخارجية ضدهم، أراها في كثير من الأمور معهم. عندما أتكلم مع ابنتي هل  أقول سلوكك لا يعجبني إما أن تغيريه أو أخاصمك؟ ليس هكذا تعالج الأمور، ماذا يعني تغيير السلوك! هناك قتل، إجرام لا يوجد حساب والمجرمون موجودون خارجاً، إذا أخذت كتاب باتريك سيل مع الرئيس حافظ الأسد عن الرئيس حافظ الأسد وهي مجرد مقابلات فهي تشكل إدعاءا مذهل ضد هؤلاء المجرمين بلسان الرئيس حافظ الأسد وليس بلسان سمير ذكرى عودوا للكتاب من ارتكب حماه؟ بقول الرئيس حافظ الأسد عندما كنت في الهيلوكبتر ورأيت هذا المنظر استدرت لعلي حيدر وعلي حسين....... ماذا فعلتم وماذا ارتكبتم! إذا الرئيس حافظ الأسد استنكر ما رأى وحدد من المسؤول فتفضلوا وقدموهم للمحكمة، يسأله من المسؤل عن مذبحة تدمر يجيبه أخي رفعت ومن المسؤول عن المخدرات في لبنان..... رفعت، وكثير من الجرائم يحددها الرئيس الأسد بلسانه في ذلك الكتاب فليأخذوا الكتاب ويعتبروا المدعي الرئيس حافظ الأسد. رفعت الأسد موجود في أوربا من حاسبه؟ خدام أليس لديه مشاكل ألم يسرق ألم ينهب! ارتكب جرائما. ألم يشارك بالقتل في خيانة عظمى ما من أحد يسأل خدام كيف تنسحب قبل ثلاث أيام من القنيطرة قبل سقوطها فقد كان محافظ القنيطرة وقتها، إنه شريك بالخيانة العظمى وشريك بالمعنى الكامل لا أحد يحاسبه هذه النقطة لم يتجرأ أحد على ذكرها بسبب أنه وقتها كان وزير الدفاع حافظ الأسد.

. ناصر الغزالي
هذا الكلام يدخلني إلى مايسمى الخارج، فإلى أي مدى يمكن للخارج التأثير على مسار التطورات من خلال الاستعانة بالداخل وبالعكس؟.


سمير ذكرى
ماذا تعني بالخارج، الدول؟.
ناصر الغزالي
نعم أو المعارضة السورية في الخارج، فلا أعرف ماهو مفهوم الخارج لدى سمير ذكرى؟.

 

 سمير ذكرى
المعارضة السورية في الخارج ( نوع المعارضة) إذا أخذت النوعيات التي أتت للعمل السياسي اختُلقت اختلاقا، مثلما نسميهم هنا الشلبيين، فهناك ناس معارضون بالخارج لهم تاريخ بالمعارضة ناس أشراف أجيال جديدة مقيمة لكنها معارضة جيدة، أما ناس موظفون عند الخارجية الأمريكية على طريقة الشلبي وغيره وأتوا ليتوظفوا بالمعارضة لأنها الآن صرعة الموسم. وضعوا ملايين الليرات ليستفيدوا منها، هذه نوعيات مرفوضة وقلتها للأمريكان في سهرات يقيمونها للمثقفين بأن هؤلاء لا أحد يستمع لكلامهم حتى طريقة توجههم خاطئة، مسكوا كلمة الديمقراطية في أول مؤتمر عقدوه. بعضهم قال سوف نعلم المرأة السورية الديمقراطية، وسألني السفير "كيف؟" . قلت يجب أن تقول سوف ندرس مع المرأة السورية الديمقراطية ووسائل تطبيقها بما يتلاءم مع شروط حياتنا وتقاليدنا... الخ. يقول الغادري سنعطي للشعب السوري فرصة ، فمن أنت حتى تعطي فرصة هل أنت جلّ جلاله! يجب أن تسعى مع الشعب السوري بالداخل لخلق فرصة فهل الفرصة ملكك حتى تمنحني إياها! فهذه الإدعاءات السخيفة التي يدعيها أناس يعيشون خارج الجو تماماً. كل ما يجب أن تفعله المعارضة داخل سورية هي السعي حقيقةً لإعطاء الشعب فرصة ليخرج من هذا المأزق الكبير عبر الضغط داخلياً والضغط بالداخل أقوى وسوف تزداد الاعتصامات حسناً اعتصام أو اثنان بعثوا فيهم زعران. هذا ما يجب أن يلاحظه الخارج ويتحدث فيه، أي أنت أيها النظام! كيف ترعى بدايات حرب أهلية، أنا أرى فيها بدايات حرب أهلية، فعندما أخرج من أجل اعتصام وتأتي أنت لتقتلني وتمنع عني هذا الاعتصام لي الحق أن أقتلك ولنفترض أننا امتلكنا الأسلحة وتأكد تأكد أن هناك سلاحا على قدر ماتريد والنظام يعرف ذلك، فعندما جرت حوادث السويداء بين الدروز والبدو ظهرت مدفعية متوسطة ومدفعية مضادة للطيران ورشاشات... الخ. فكيف للنظام أن يرعى حربا أهلية، حسناً تريدون الرد على الاعتصام، نظموا لجماعتكم في مكان آخر مظاهرة تمشي بعشرات الآلاف وترفع صورة الرئيس، فكيف وأنت السلطة بنفسك تشرف على عمليات اقتتال داخلي، وخارجاً ماذا يريدون، فهل أمريكا جادة بموضوع الديمقراطية؟! لقد فقدت مصداقيتها باللحظة التي ارتبطت فيها بالمكيال الإسرائيلي، أنت تعرف جيداً الوضع العربي وهذه نقطة حساسة جداً جداً، فقدت مصداقيتها بما جرى في العراق. عمليات الدخول لتحرير المجتمع، لماذا سمحتم لأوربا وأمريكا بتجاوز كل التركيبة الأثنية والعرقية والطائفية، فمتى نشأت الديمقراطية أليس بعد الثورة الفرنسية، فالثورة الفرنسية ثورة علمانية تجاوزت الأديان والطوائف. تأتون لعندنا وتعودون بنا إلى الأديان والطوائف وتدرسون مجتمعاتنا على أساس خطة طائفية، وتكوينات طائفية أو عرقية عندما تريدون، أو من القوميات. يرون الأكراد ودون أي معرفة بالقضية الكردية ولا يعرفون الأكراد، من أين أتوا ولا كيف كانوا ولا بدل من حلّوا ولا إن اشتركوا بمذابح أو لا. تاريخياً أتحدث. فبمجرد أن هؤلاء تعاطفوا معك مثلما اليهود عندما أرادوا أن يستعملوهم في فلسطين كحارس حدود فتبنوا مشروع اليهودية........ الخ. من جهة كلام رجعي ويحمله هدف تقدمي هو الديمقراطية، هذا لا ينفع، هناك لا مصداقية عند الغرب فظيعة، وهذه بالمناسبة واحدة من الكوارث ومن هنا تأتي صعوبة المعارضة السورية الداخلية، لا تستطيع التعامل مع الخارج لأنها ترى انه لا يملك المصداقية فهي تفضل أن تحافظ على مصداقيتها تجاه شعبها على الأقل في الداخل مع الضعف مع العمل بالإمكانيات المحدودة للداخل.
ناصر الغزالي
هل توافقني الرأي بأنه لا الداخل ولا الخارج يريد بنية وطنية ديمقراطية حقيقية لأن هذه البنية مشروعها يختلف كلياً عن مشروع السلطة وعن مشروع الخارج الممثل بأمريكا وأوربا؟.


سمير ذكرى
أمريكا! كيف تشجع للوصول إلى الحكم وهناك فئات ترفض التعامل معها. ونقطة ثانية هامة وقد سألتها لكريستوفر روث وكان سفير أمريكا عندنا، لو الآن قام بسورية نظام ليبرالي ديمقراطي أمريكي بالمعنى الكامل هل تؤيدونه؟ قال طبعاً، قلت له لا، لا تؤيدونه لأن ذلك يؤدي إلى نشوء بنية وشعب سوري لا ترضى عنه إسرائيل نهائياً، وهنا إشكالية الوجود الإسرائيلي، وجدت في منطقة يريدوننا أن نعتبرها نموذجا للتقدم وهي ضد تقدم الأنظمة العربية لأنهم لن يقبلوا بوجودها الطائفي الذي هو رجعي، فالمشكلة بالوجود الإسرائيلي أنه هو بنفسه وبكيانه رجعي ووجوده طائفي، مقوماته طائفية يقوم على الدين. الأمريكان يريدون أن يساووا كل المنطقة بهم. هذه هي الإشكالية الخارجية تحيداً بما لها علاقة بإسرائيل وإسرائيل بما لها علاقة بالتكوينات الداخلية. يريدون أن يقسمونا طائفياً ودينياً حتى نتساوى مع الوضع الديني لإسرائيل وبالوقت نفسه يطرحون عليك شعارت تقدميا جداً ويعاد بك لما قبل الثورة الفرنسية وقت مذابح البروتستانت والكاثوليك ويعاد بالوقت نفسه بشعار جديد لما هو بعد الثورة والذي هو الديمقراطية. الغرب عنده كذب وتخبيص، بل أكثر من كذب، هناك عدم مصداقية وهذا عند الشعب البسيط يشكل صدمة قوية ولهذا السبب يتمترس وراء الدين كهوية أساسية له، على الأقل لا أحد يناقش فيه، صحيحة أم لا، خطأ أم لا، لنا أم لا، من الممكن أن تقول الديمقراطية لنا أو ليست لنا، الاشتراكية لنا أو لا، القومية لنا أو لا  أما الدين لا. لهذا يتمترسون فيه وهذا السلوك له تأثير رجعي جداً لدى شعبنا ويجعله يتمترس بالدين كهوية وكنقطة حماية أخيرة أمامه.
ناصر الغزالي
على هذا المستوى، التيار الديني الممثل بالإخوان وقع على جبهة الخلاص الوطني مع خدام فما رأي الأستاذ سمير ذكرى بذلك؟.


سمير ذكرى
برأيي بدأت المخالفات، البيانوني كان داخلا بعمل جبهوي مع جماعة إعلان دمشق ورأيت لقاءه مع السيد رياض الترك عن حزب الشعب الديمقراطي مع شخصية ثالثة في تلفزيون خارجي بندوات وحوارات وجماعة إعلان دمشق وضعوا شروطا لموضوع خدام أولها الاعتذار العلني أمام الشعب السوري. برأيي نقطة ضعف خدام إذا كان يعيها يعي أن عدم الاعتراف شكل نقطة خطأ كبيرة بسلوكه السياسي، لو أخذ بسلوك كلينتون، اعتراف كلينتون بذنوبه أعطاه شعبية كبيرة بنسبة 57% بعد انكشاف أخطائه، أما السيد خدام فيرفض الاعتراف، عدم الاعتراف، عدم تقييم الاعتذار، عدم الوضوح بالمخالفات التي ارتكبها عندما كان بالنظام وعدم كشف تلك المخالفات بما له من يد تجعل منه شريكا غير مؤتمن وأداة غير صالحة. ليس هذا مانريد، ليس بورقة وسخة ننظف الوسخ، البيانوني أقام تحالفا متسرعا سياسياً وغدر بمن تفاوضوا معه سلفاً، هناك عملية غدر هذا أشعرنا بعدم الثقة.

 

ناصر الغزالي
هل تعتقد أن البرغماتية السياسية تجعل أي حزب سياسي يتنازل عن أخلاقيته السياسية في استخدام الآخر للوصول إلى الهدف؟.


سمير ذكرى
إذاً تدخل مع النظام. هذه هي البرغماتية السياسية، تتعاون مع النظام، أنا بإمكاني أن أحصل على مكاسب على مستوى الداخل السوري من النظام أكثر بكثير من الذي سيعطيني إياه البيانوني أو خدام. إذا كنا نعني بالبرغماتية السياسية اللاأخلاق، السماح للمجرم أن يستشرف عليّ ويصبح بطلاً ، لا الرئيس بشار الأسد أقل أخطاءً وأقل جرائماً بشكل مباشر من خدام.
ناصر الغزالي
قدمت السلطة قانون المطبوعات الجديد الذي يشكل حسب المراقبين عقبة جديدة بوجه حرية الرأي وحرية التعبير، اعتبر أسوأ بكثير من قانون المطبوعات السابق في حقبة الخمسينات، هل يشكل هذا القانون عقبة جديدة بوجه حرية العاملين في هذا المجال؟.


سمير ذكرى
هذا يشكل نموذجاً بامتياز. كيف النظام يعيد إنتاج نفسه لكن بشكل أسوأ، نفس الشيء قانون الأحزاب الجديد بنفس الطريقة. لم يستطيعوا أن يصدروه لكن عندما نشروه كان أسوأ، لأنه بالنسبة للقائمين على الأمور والمنتفعين الأمر نسبي. هناك فرق بين الجالس في السلطة والذي خارجها، هناك فرق بين المنتفع مثلاً عبد الله الأحمر أو ميرو أو مخلوف أو علي زيود ، ناس بالمواصفات الشخصية لا تعطيهم 200 راتب شهري لكنهم أصحاب مليارات الدولارات، هذا كيف يرى أي مطلب ضمن الوضع الذي هو فيه. عندما تأتي لعنده وتقول له ضع لي نظام قانون الانتخابات الجديد يضعه بحيث يعود هو ضمنه وإن لم يكن هو فابنه، وكما تقول لإقطاعي ضعوا لنا قائمة الثورة الفرنسية، أو تذهب لعند الإقطاعيين الروس والقيصر الروسي وتقول له ضع قائمة الثورة الشيوعية الأولى نريد أن نقوم بثورة، فأنا متأكد سيعرض عليك أن تعود وتضعه قيصرا، أي يعيد إنتاج نفسه، بالنسبة لقانون المطبوعات ماذا تنتظر منهم؟ أن يعطوا حرية للعمل! الحفاظ على حقوق المؤلف! نفس الشيء بالنسبة للأحزاب، هنا مشكلة، النظام لم يعي إلى الآن لأنه نظراً للحالة الغرائزية التي يعيشون فيها من مكتسبات مالية، من سلطة مطلقة لم يعرفها حتى الله، وحتى الله لم يعرف هكذا سلطة مطلقة تجعله بحالة من الطمع والجشع الحيواني، وهذا الجشع يلاحظ الآن أكثر من الأول، وللأسف الشديد يلاحظ عند بعض الأصدقاء والزملاء الذين يمتون بفرع ما للأرومة الفلانية، تحس أنه هو يأخذه الجشع أيضاً ليحصل على ما يمكن تحصيله. لا بد من صدمة، لا بد من عمل شيء ما، ويخيل لي لا بد من القوة، وهذا ما يجعلني أرى انفجاراً، مثلما أرى أن النظام يرى في توازن الضعف فرصة للاستمرار، هذه المعارضة تشعر بقلق لكنها مستسلمة لفكرة التغيير السلمي. لكن هناك مئات الآلاف من الشباب يدخلون سوق العمل يومياً دون عمل وهم مرميون في وجه النظام، الشيء الوحيد الذي ألغوه هو تأشيرة الخروج لمن ليس عنده خدمة عسكرية والذي خدم لا داعي للتأشيرة فقط اذهب، لكن الآن انسدت فرص السفر للسوريين وغير السوريين. إذاً هناك عوامل انفجار داخلي هؤلاء الشباب العاطلين عن العمل قنبلة موقوتة تتفجر حالياً بواسطة ازدياد الإجرام، ازدياد السرقات، ازدياد الفساد بمعنى الدعارة........ الخ. لكن حتى هذه لن تحل مشاكل فرص عمل الشباب العاطل عن العمل والذين يشكلون قنبلة موقوتة تتفجر إما بشكل عنيف، إما بتيار ديني عنيف، إما تيار آخر عنيف لكن حكماً لن يأخذوا بحكمة المعارضة، التغيير السلمي، بالتريث، بإنشاء وعي ثوري.... ولن يرتاحوا لكسل النظام وهو جالس ومرتاح بمرتعه، ولا يعتبر النظام نفسه مسؤولا عن حل هذه المشكلة.
ناصر الغزالي
هل قابلك خلال عملك الفني أو مابعد صدور قانون المطبوعات مشكلة في هذا الاتجاه، مثلا حين يتعلق أحد بنود قانون المطبوعات بالعمل الفني الذي تقوم فيه؟.


سمير ذكرى
بالنسبة لي هناك أنواع أخرى للرقابة نظراً لأن كل أفلامي ضمن وزارة الثقافة والمؤسسة العامة للسينما، رقابة داخل المؤسسة هي اللجنة الفكرية، الرقابة على الفيلم، بعدها الرقابة على النص، بعدها أيضاً داخل المؤسسة رقابة على الفيلم، بعدها أيضاً قبل عرض الفيلم هناك لجنة تابعة لوزارة الثقافة ترى الفيلم فالذي يحدث أحياناً أن رقابة تختلف عن أخرى. مثلاً كل لجنة فكرية تتألف من فلان وفلان وفلان، أنا كنت باللجنة وأسامة محمد أيضاً. عندما يكون أمثالنا باللجنة الفكرية نحاول أن نضغط على الآخرين لتوسيع الهامش، لأنه بأي لحظة المدير العام يحسب حسابه، فمن أصل 13  هناك سبعة له، وعندما لا يعجبه كثيراً كلامنا يقول نلجأ للتصويت، السبعة التابعين له يرفعوا أصابعهم معه، مع هذا إذا أردنا أن نمرر شيئا لوقت انتهاء الفيلم نكون نحن تغيرنا، تأتي لجنة ثانية مختلفة لها رأي ثان، تضع ملاحظات على الفيلم، فلنفترض أن الفيلم خرج من المؤسسة لأن تكوينة المؤسسة بشبابها وبنسبة كبيرة من العاملين بها الذين درسوا في الخارج تكون ليبرالية نوعاً ما، فعندما يذهب فيلمهم إلى وزارة الثقافة لهم رقابة أخرى، رقابة متعنتة محافظة تضع شروطاً أخرى لكن الأقوى من كل هذا يبقى الرقابة الاجتماعية، الناس، وهنا تكون العلاقة منعكسة، كان سابقا ًيقولون لا تستطيع أن تظهر جزءاً من جسد المرأة خوفاً من أن الناس لا يتقبلون ذلك، أما الآن أصبحنا بموقع المغفل الأهبل كما قلت. عندما كنت بلجنة مشاهدة الأفلام التي ستعرض بمهرجان دمشق السينمائي، لا أحذف أي لقطة من أي فيلم، إما أن يعرض بالكامل أو يمنع السبب هناك شباب بمستوى الجامعة، المهرجان لهم، ففي بيوتهم يمتلكون فضائيات وهناك فضائية تعرض أفلاما مختلفة، اجتماعية، جنسية. وذلك بالإضافة إلى  أقراص السي دي وأفلام الفيديو المنتشرة في البلد،الخ. يرون كل شيء، إذا حذفت لهم مشهد عري راقي سيضحكون علي ويقولون هؤلاء العجزة الذين يراقبون الأفلام يظنون أننا لا نعرف شيئا ولا نرى شيئا. من هذا المنطلق وإدراكنا أن الشباب يعرفون ربما أكثر منا  نقول يجب احترام عقولهم، وبالتالي ستعرض الأفلام كماهي وبالنتجة يسهرون حتى الساعة الثانية ليلاً ويرون أرقى إنتاجات السينما العالمية بكل احترام وحب. منعنا فيلما واحدا فقط وأنا من طالب بمنعه، وعندما طالبت بذلك ضحكت اللجنة مستغربة. السبب في منعه لأنه يسيء للمهرجان كله، الفيلم هولندي يبحث في مشكلة خاصة جداً عندهم (أحد المثليّين سوف يتزوج من فتاة، الذي يعترض على هذا الزواج عائلته، يقولون له أنت تقوم بعملية غش فأنت مثليّ كيف ستتزوج من فتاة وأخيراً أصر على الزواج منها ولكن في لحظة الزواج ظهر صديقه فيترك العروس ويلحق بصديقه أي عريسه. قلت لهم نحن لم نصل لمستوى فهم هذه الأمور كما يفهمها الغرب، مثلاً شاب أو فتاة رأت الفيلم وسألها أبوها ماذا رأيت من أفلام هل تستطيع أن تحكي له الفيلم؟ طبعاً لا فيجب ألا نحرج الشباب، وإذا حكت الفيلم الأب سوف يسبنا ويسب المهرجان، فلن أحرق المهرجان كله بسبب فيلم واحد، فكان هذا هو الفيلم الوحيد الذي سعينا لمنع عرضه، لكن هذا ظرف مهرجان، الأمور تسير بأشكال متناقضة، فعندك في الداخل يرون الفضائيات، وهذا كان غير مسموح سابقاً وعندك الإنترنت وهذا يؤثر كثيراً على المفاهيم، فمن عيون الشباب تعرف أنهم يرون كل شيء، هناك حادثة ميدانية طريفة: فتاة في سن المراهقة ذهبت هي وصديقاتها وأصدقائها إلى شاليه يضحكون ويمرحون، أحد الشباب يصور بموبايله وهي تريه الوشم الذي على صدرها وعلى ظهرها بكل براءة وبساطة، تعممت هذه الصورةعلى كل الموبايلات، وبعد فترة تنزل الحلقة الثانية من الموضوع، والفتيات لم يكن عندهن مشكلة، فهذا نوع من التحدي، وهذا لاشيء أمام مايعرض على الفضائيات العادية وكأن هذا الجيل يقول إذا أنتم تعرضون بفضائياتكم هكذا لماذا تمنعوننا أن نمزح ونضحك بطريقتنا، وهناك من جهة أخرى تطور مفاهيم مع عدم ممارسة علنية وهذا يؤسس لأخلاق النفاق، مامن تشريع لهذا السلوك لكنه سلوك موجود وأصبح يأخذ أحقيته بحكم الاطلاع على الآخرين، ومن جهة ثانية هناك منع لكل شيء، ففي بعض البيوت التلفزيون او الراديو فقط على المحطات الدينية كرد فعل خوفاً مما تعرض القنوات الأخرى، سبب كل هذا عدم وجود تركيبة شرعية علنية للجنس، وللعلاقات، الخ.
ناصر الغزالي
هل أنت متشائم، متشائل، متفائل بالمستقبل؟.


سمير ذكرى
متشائل هو عنوان فيلمي القادم الذي أحضر له، ولا يمكن إلا أن تكون متفائلا، هناك أطفال يجب أن يعيشوا، نحن ارتكبنا خطأ لأننا وضعناهم في هذا الظرف. ارتكبنا ما يكفي من أخطاء، تركنا آخرين يضحكون علينا، بعثيين وغير بعثيين، ويجمعون ملايين الدولارات سرقةً. نهبوا ووضعوا البلد في هكذا مأزق، انظر إلى ابنك أو ابنتك والأطفال الآخرين، ماهو المستقبل الذي تهيؤه لهم. أنت لا تمتلك غير العمل على خلق ظروف أكثر إنسانية وأكثر صدقا، وواجبك الإنساني أن تترك لهم مساحة للتفتح ومن هنا التفاؤل.
ناصر الغزالي
شكراً أستاذ سمير ذكرى على هذا اللقاء الممتع.


سمير ذكرى
شكراً لك أنت.