مدخل أولي
يعتبر الإيمان بوجود أمة عربية والالتزام بالنضال من أجل وحدتها المميز الرئيس للتيار القومي العربي ، ومن طبيعة هذا الالتزام إعلاء الشأن القومي العربي على ما دونه من التزامات – إقليمية ودون إقليمية - وجعلها جميعا في مسار يؤكد ويدعم هذا الوجود ، وجعل الالتزام ما فوق القومي العربي – أممي وقاري - إطار عمل لخدمة الأمة وأهدافها .
وبقدر صدق التزام الأفراد والقوى بهذه الحقيقة يصح وصفهم بالقوميين العرب ، ويصح الحديث عنهم باعتبارهم ممثلين للتيار القومي العربي ، وذلك بصرف النظر عما إذا كان هؤلاء منتظمون في إطارات تنظيمية قومية عربية أم غير منتظمين ، والقوميون العرب في نظرتهم هذه يعتبرون أن أي شأن إقليمي حقيقي ، يخدم الدولة الإقليمية – القطرية - ، وشعبها خدمة حقيقية ، هو في حقيقته شأن قومي عربي ، وخدمة قومية ، وبالتالي لا يرون أي تناقض حقيقي أو محتمل بين المصالح القطرية والمصالح القومية العربية ، وبالتالي لا يعيشون أي تناقض بين انتمائهم للإقليم الذي يعيشون فيه ، وانتمائهم لأمتهم العربية ، ولا بين تعبيرهم ودفاعهم عن مصالح إقليمهم ، وبين تمسكهم ودفاعهم عن مصالح أمتهم العربية ، ويعتبرون وجود هذا التناقض هو محض اختلاق ناتج عن أحد عاملين اثنين :
· إما عن جهل حقيقي بالمصالح الحقيقية للطرفين أو أحدهما : الإقليم – القطر - أو الوطن الكبير
· وإما عن ادعاء بوجود مصالح متناقضة في حين أن هذه المدعاة لا تمثل أي مصلحة للإقليم ، ولا أي مصلحة للوطن القومي العربي.
إن هذا الموقف القومي العربي العام الصحيح كان مدركا ، ومفهوما في الفكر السياسي العربي عبر عشرات السنين من القرن العشرين ، وقد كتب فيه مفكرون ، وبحث فيه باحثون ،وصدرت في إطاره عشرات إن لم نقل مئات الكتب ، وأقيمت على ضوئه تجارب ، وبنيت على أساسه أحزاب وحركات سياسية ، حتى بدا لبعض الوقت أنه من بديهيات الفكر السياسي العربي ،
وتمثل التجسيد الحقيقي لهذا التفكير بالثورة العربية التي قادها وعبر عنها الشهيد جمال عبد الناصر والتي جاءت كحصيلة ثورة لنضال أجيال من المفكرين والثوريين العرب ، وأيضا كتجسيد وتمثل لتجارب هذه الأمة في العصر الحديث على المستويين الوطني والقومي العربية.
ظواهر جديدة مضادة
ولم يختلف الوضع إلا بعد أن شهدت الحياة العربية ولادة مجموعة من الظاهر المتكاملة تستأهل التوقف والبحث الجاد :
الظاهرة الأولى : انحراف أحزاب وحركات قومية عربية عن الفكر والمسار الذي أقيمت عليه ، وتحولها من حيث الموقف العملي أو النظري إلى أحزاب إقليمية تفلسف إقليميتها بشعارات مختلفة ، أو تنشئ واقعا إقليميا بفعل الممارسة ولو استمرت ترفع الشعارات نفسها ، وصارت في مظهري الفعل الذي تحولت إليه ، متصادمة مع الأغلبية الشعبية التي هي بالطبيعة ذات توجه قومي عربي ، مما ولد أنظمة مستبدة تفرض نفسها على شعوبها بحكم أجهزة العنف والقوة التي تملكها ، وتستند إلى أقليات طائفية وعرقية بحكم حاجتها إلى سند شعبي يستر وجودها ، أو بفعل كونها بالأصل تمثل مصالح فئات متحكمة في هذه الأقليات ، هذه الظاهرة وجدناها بشكل مبكر في أحزاب ولدت قومية عربية مثل حزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب ، وفي أنظمة ولدت قومية ثم تحولت عن مسارها مثل نظام حكم عبد الكريم قاسم في العراق ، وحكم معمر القذافي في ليبيا ، وفي العديد من تجارب الحكم في هذا البلد العربي أو ذاك وخصوصا تلك التي ظهرت زمن القائد جمال عبد الناصر ورأت في الانتماء إلى الثورة العربية التي جسدها توكيدا للإخلاص في انتمائها الشعبي ،
الظاهرة الثانية : هزيمة السلطة التي جسدها القائد جمال عبد الناصر والتي كانت التعبير الحقيقي عن التيار القومي العربي ، وعن الانتماء القومي العربي على مدى تاريخ وجودها ، والهزيمة التي تمت عبر انقلاب طويل امتد منذ مايو 1971 ولبضع سنوات واستكمل طبيعته بالتحول الكامل إلى المعسكر الأمريكي الإسرائيلي ، وهو التحول الذي عبر عنه انفصال مصر عن التزامها القومي العربي، وتوقيع معاهدة الصلح مع العدو الصهيوني ، وربط هذا البلد العربي المركزي بالسياسة الأمريكية واحتياجاتها .
إن الثورة القومية العربية التي جسدها جمال عبد الناصر والتي خاضت معارك دامية انتصرت في بعضها وانتكست في أخرى ، استمرت تملك إرادة المقاومة ، وإرادة البناء ، ولم تستطع المعارك الخارجية على ضراوتها أن تهزمها ، لكن الهزيمة جاءت من داخلها ، وبفعل قوى داخلية، إقليمية، ورجعية،ومتواطئة .
ولسنا هنا في معرض البحث في أسباب هذه الهزيمة وإنما لنقرر أن هزيمة السلطة الثورة كانت هي العامل الثاني الذي طرأ على التعاطي الفكري مع القضية القومية العربية .
الظاهرة الثالثة : وهي نتيجة من نتائج الظاهرتين السابقتين حيث قُدم التيار السياسي الإسلامي كبديل ونقيض للتيار القومي العربي ، وتحركت قوى إسلامية عديدة في الوطن العربي ، وعلى المستوى الدولي في إطار هذا الاعتقاد ، وتم توظيفها في إطار معركة عالمية ، بدايتها أرضنا العربية ، وآفاقها صراع القطبين ، وقد نجحت في ذلك نجاحا باهرا ، وكان لهذه الظاهرة تجليات في أفغانستان ، وفي الحرب العراقية الإيرانية ، وفي حرب العراق الأولى المتضمنة احتلال الكويت ، والتدخل العسكري الأمريكي في هذا الصراع .
ولم تدرك القوى الإسلامية التي تورطت في هذه المعركة إلا في وقت متأخر جدا أنها تخوض حربا ليست لها ، وأنها تٌستغل في صراع أٌذن له في واشنطن ، ولأغراض لا تتصل كثيرا بأغراضها ، ولا تعبر حقيقة عن أولوياتها .
الظاهرة الرابعة : انتصار الولايات المتحدة والغرب الرأسمالي في صراعه مع المعسكر الشيوعي ، وانتهاء وجود الاتحاد السوفيتي ، وتحلله ، لصالح الوجود والمصالح والرؤى الأمريكية ، وقد كان يجب أن يؤدي تحلل الاتحاد السوفيتي – لو كنا في أجواء قومية صحية – إلى توكيد المفاهيم والرؤى القومية العربية ، باعتبار أن هذا التحلل جاء لصالح الانقسام القومي العربي الذي يعتبره القوميين العرب سنة من سنن الانقسام وبالتالي الاجتماع الإنساني في هذا العصر ، لكن لأن الحركة القومية العربية كانت قد هزمت في مجتمعنا العربي فإن نمو وانتعاش الحركة القومية العربية في كل دول المعسكر الاشتراكي سابقاً ، واستعادة ألمانيا لوحدتها ، وارتفاع وتيرة العمل لوحدة شبه القارة الكورية ، بل وبناء الاتحاد الأوربي باعتباره بناءً وأفقا أعلى من الوجود القومي العربي لكنه قائم عليه ، نقول إن هذا كله لم يكن له أثر ايجابي على حركة القومية العربية ، وبدت الحركة القومية العربية المنتصرة في كل مكان في العالم والتي تؤكد صحتها ووجودها مهزومة عندنا ، وعندنا فقط .
الظاهرة الخامسة : وهي ظاهرة تتصل بما صار عليه الحال ، بعد سيادة الدولة العظمى ، وانتهاء الحاجة الأمريكية للقوى السياسية الإسلامية بانتهاء الحرب في أفغانستان ، وانتهاء الاتحاد السوفيتي ، واكتشاف هذه التيارات الإسلامية أنها استخدمت في غير وجه حق في هذه الحرب ، فتحولت - بإيمانها العميق الذي دخلت عبره حربها السابقة – إلى الصراع مع الولايات المتحدة وحلفائها ، وقد شهدنا في تداعيات هذه الحالة هجمات الحادي عشر من سبتمبر ، وما سبقها ولحق بها في إطار ما أسمته واشنطن الحرب على الإرهاب،وما تولد عن هذه العدوانية الأمريكية من غزو باكستان ، واحتلال العراق ، وإطلاق يد العدو الصهيوني في فلسطين ، وفتح ميدان الصراع إلى لبنان ، والصومال .
إننا لا نؤرخ هنا لهذه المرحلة ولا نقف عليها بالتحليل ، وإنما فقط نتناولها في إطار حديثنا حول المسألة القومية العربية ، وصله هذه الظواهر بما آلت إليه القضية القومية العربية ، والحركة القومية العربية
إن مجمل هذه الظواهر – ويمكن للمدقق أن يضيف العديد من الظواهر التي رأينا أنها تندرج في إطار ما جئنا عليه – أدت إلى تصاعد التشكيك في الظاهرة القومية العربية لصالح ما يدعى بالظاهرة الإقليمية – ويدعوها البعض الوطنية وهو ادعاء غير صحيح – وهي في حقيقتها لصالح الدعوة الأمريكية الجديدة القديمة لبناء شرق أوسط جديدة تغيب عنه معالم الأمة العربية ومصالحها ، وتتثبت فيه معالم التحالف الأمريكي الصهيوني ومصالحه ، وقد تجند لفلسفة هذا التوجه وتسييره تحالف من المفكرين ، والقوى ، والمصالح ما كان يعتقد أن تجتمع قبل هذه المرحلة .
لقد تجندت لهذا الفكر إضافة إلى القوى التقليدية قوى كانت يسارية ، تدعي مواجهة الغرب وخططه لاستغلال الشعوب ، جنبا إلى جنب مع قوى سياسية واقتصادية طفيلية لا تجد لها مكانا إلا بالالتحاق بالركب الغربي ، ومع قوى تمثل فكر أقليات قومية عربية وعرقية وجدت فرصتها في المشروع الشرق أوسطي الجديد القائم على تفكيك دول المنطقة وإعادة تركيبها على أساس عرقي وطائفي ، لتحقيق مكاسب ذاتية على حساب مصالح الأمة ووجودها .
وتجتمع هذه القوى وهي قوى متحالفة مع واشنطن ، ومتفاعلة مع الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة ، على معاداة الإسلام والقومية العربية معا باعتبارهما وجهين لقضية واحدة ، أي باعتبارهما يحملان مشروعا وحدويا نهضويا ، وينتميان روحا وفكرا إلى الأغلبية الشعبية لهذه الأمة .
مفاهيم في معركة القومية العربية
في خضم مسار هذه المعركة القومية العربية الممتدة تم طرح العديد من الأفكار وتمت الدعوة إلى مراجعة العديد من المفاهيم بدعوى أن التطورات التي شهدتها المنطقة العربية والعالم تستدعي مثل هذه المراجعة ، وأن الفكر القومي العربي والعمل القومي العربي ، وتجربة الوحدة العربية – الجمهورية العربية المتحدة - في المرحلة السابقة إنما فشلت بسبب افتقادها لهذه الأفكار التي توصف بالواقعية والموضوعية ،
وإذا كان من الصعب رصد كل ما يقال في هذا المجال فإننا نكتفي هنا بالوقوف على أهم هذه الأفكار والتي نضعها بين متقابلتين وهي :
· الوحدة بين الاندماجية والاتحادية
· الوحدة والديموقراطية
· الوحدة والأقليات
· الوحدة والنظام الاجتماعي
· الوحدة والحزب القومي العربي
· الوحدة السياسية والوحدة الاقتصادية
· الوحدة والإقليم المركزي
· علاقة المركز بالأطراف
وتستند دعوى المراجعة الى افتراض أن هذه المفاهيم كانت غائبة عن الفكر القومي العربي ، الذي يتهم أنه في المرحلة السابقة كان فكرا عاطفيا ، شعبويا ، غير ديموقراطي ، لا يأخذ في الاعتبار الحقائق الموضوعية التي تولدت عن وجود الدولة الإقليمية ، ولا يعير للاختلافات الإقليمية أي اعتبار ، ولا يراعي هواجس الأقليات العرقية والدينية .
بداية وقبل التعرض لأي من المفاهيم السابقة يجب التأكيد على أن أي مراجعة للمفاهيم والأفكار القومية العربية من زاوية الإيمان بأن هذه الأمة أمة واحدة وأن من حقها أن تقيم كيانها الواحد ، مراجعة لا غبار عليها بل هي ضرورية بقدر الإخلاص المتوفر فيها ،
فليس شكل الحكم هو المهم في الدولة ، وليس نظامها الاجتماعي ، وليس بنيانها السياسي - لأن هذا كله من المتغيرات - وإنما وجود هذه الدولة هو المهم ، وتعبيرها عن إرادة الأمة أو أغلبيتها هو المهم باعتبار هذا التعبير الحصن الحامي لها، وكذلك قدرة بنيانها على حمل عبء مهمات البناء الحضاري لهذه الأمة .
ليس هناك ما يمنع من مراجعة كل شيء وأي شيء ، ما دام ذلك منطلق من معسكر الانتماء لهذه الأمة ، هذا أولاً ،
ثم إننا ثانيا حينما نقف لنناقش المفاهيم المشار إليها فليس الغرض الدفاع عن مرحلة سابقة – رغم أن هذا مهم لذاكرة الأمة وتوازنها – وإنما الغرض الجوهري التعرف إلى الصحيح والخطأ فيما يطرح ، حتى نأخذ بالصحيح ، وحتى نحصن النفس عن الخطأ ، فلا تمرر أفكار ومفاهيم وغايات لا تمت بصله إلى هذه الاستهداف وإنما تتستر به ، وسوف نتعرض إلى مجمل الأفكار المثارة من خلال العناوين العامة التالية :
أولا : شكل دولة الوحدة
يوجه المنتقدون والداعون إلى إعادة النظر في الفكر القومي العربي سهامهم إلى شكل دولة الوحدة ، ويقدمون الدولة الاتحادية على الدولة البسيطة " المركزية " معتبرين أن هذا طرح جديد يأتي في إطار ضرورات التجديد في الفكر القومي العربي .
والحق أن الدولة الاتحادية لم تكن يوما موضع خلاف ، ولم تطرح يوما كبديل منافس أو مقاوم للدولة المركزية التي يٌمثل لها بدولة الجمهورية العربية المتحدة التي ضمت على مدى ثلاثة سنوات ونصف السنة كل من سوريا ومصر ،
ومن يراجع التاريخ بوعي يرى أنه حتى تلك الدولة - التي لم تستقر بناها السياسة خلال الفترة القصيرة التي عاشتها - لم تكن أبداً دولة مركزية ،وأن كل التطورات التي كانت تتحرك خلالها إنما تؤشر إلى الاتجاه نحو دولة غير مركزية أي إلى جمهورية بإقليمين ، لكل إقليم وزارة ، وميزانية ،ونظم محلية مختلفة ، صحيح أنها لم تصل إلى مرحلة الدولة الاتحادية لكن المسار العام لها كان ينبئ بذلك ، وتأكد الأمر في التطورات اللاحقة ، من خلال عدة شواهد :
· لم يكن مطروحا أن ينضم العراق إلى الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 على شكل اندماجي كما تم مع سوريا
· حينما تمت مباحثات الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق عقب تغير أنظمة الحكم في دمشق وبغداد عام 1963 كان الشكل الوحيد المطروح هو شكل الدولة الاتحادية ، وعلى أساس هذا الشكل ولد الميثاق الوحدة الثلاثية .
· وحتى حينما بحثت مسألة الوحدة بين الدول الأربعة : مصر وسوريا وليبيا والسودان ، في السنة الأخيرة من حياة عبد الناصر، ثم لما تم الاتفاق على الوحدة بين سوريا ومصر وليبيا عقب وفاة عبد الناصر كان الشكل الوحيد المبتغى هو الشكل الاتحادي
· وقد يتساءل البعض عن الشعار الجماهيري الذي طرحته القوى الوحدوية في سوريا عقب انفصال 28 سبتمبر / أيلول 1961 مطالبة بالوحدة الفورية وعودة الجمهورية العربية المتحدة ، وبرئاسة جمال عبد الناصر، فإنه في حقيقته لم يكن بحثا وتحديدا لشكل دولة الوحدة ، وإنما كان شعاراً لفرز الوحدويين الحقيقيين من المزيفين ، أي كان شعار اختبار ، فقد كان البعثيون يطالبون بالوحدة المدروسة وكذلك القوى الانفصالية التي نفذت تلك المؤامرة ولم يكن الهدف ، وحدة مدروسة، وإنما كان – وهو ما وضح جليا بعد ذلك – التخلي عن شعار الوحدة بتأجيله إلى أمد غير منظور ، كذلك كان هذا الموقف الشعبي ردا على جريمة الانفصال وهو يحمل في طياته إدانة لهذه الجريمة ، ويرفض ويسقط كل المبررات التي سيقت لشرعنة هذه الجريمة ، وقد أثبتت كل التطورات اللاحقة على الساحة القومية صحة وصدق ما ذهبت إليه الجماهير السورية الوحدوية ،
إذن فإن مسألة شكل دولة الوحدة وبنيتها الدستورية لم تكن في أي مرحلة قضية يجري الخلاف عليها ، إلا حينما كانت ستارا لقضية أخرى ، ولموقف آخر لا يمت لدولة الوحدة وحركتها بصلة وحينها لا يكون الخلاف حول شكل دولة الوحدة وإنما الخلاف حول الوحدة نفسها .
ثانيا : النظام الاقتصادي والاجتماعي لدولة الوحدة :
أثارت تجربة التحول الاشتراكي في الجمهورية العربية المتحدة ، ومن ثم نمو الفكر الاشتراكي وولادة أفكار وتنظيمات قومية عربية تحمل هذا الفكر وتبشر به ، الاعتقاد بأن القوميين العرب يشترطون لبناء دولة الوحدة أن تقوم على أساس من هذا الفكر.
ولم يأت هذا الاعتقاد من فراغ ، وإنما بني على أساس تحليل لبنية المجتمع وللقوى القادرة على تحمل مثل هذا المشروع والتي تملك المصلحة فيه ، وبغض النظر عن اختلاف المصطلحات المتداولة فإن الفكر القومي العربي اعتبر أن قوى العمل الرئيسية في المجتمع هي المؤهلة لتكون الحامل الاجتماعي لهذا الفكر القومي العربي ، ولهذا المشروع القومي العربي.
وقبل أن نقف أمام هذه المسألة لنحللها ونرى ما جرى عليها من تطوير ، أو ما يجب أن يجري عليها من تطوير لابد من استحضار ثلاث حقائق تاريخية :
· الأولى : أن تحديد طبيعة النظام الاجتماعي لدولة الوحدة السورية المصرية كان لاحقا لقيام الوحدة بل إن المعالم الواضحة لهذا النظام لم تتكشف إلا قبيل الانفصال بثلاثة أشهر حين صدرت قوانين يوليو الاشتراكية ، وأما قبل ذلك فلم يكن لدى أي مظهر من مظاهر التيار القومي العربي تحديدا قاطعاً للنظام الاجتماعي المطلوب لدولة الوحدة
· الثانية : أن الوطن العربي كان وما زال عامرا بأنظمة حكم رأسمالية أو متشبه بالرأسمالية ولم تسجل هذه فيما بينها أي خطوة وحدوية ، بل إن الخطوات التنسيقية التي جاءت في وقت لاحق تعبيرا عن احتياجات خارجية مثل : التنسيق بين الدول المغاربية أو الخليجية أو ما شابه ذلك بقيت حتى دون مستوى العمل التنسيقي الحقيقي . وما كان هناك ما يمنع أيا من هذه الدول من تحقيق عمل وحدوي فيما بينها سواء في زمن جمال عبد الناصر أو في الفترة الطويلة التي مضت منذ غيابه .
· أن عبد الناصر الذي يدرك بعمق طبيعة العمل الوحدوي سئل يوما عن النظام الاجتماعي الذي سيتبع في دولة مثل الكويت إذا صارت جزءا من دولة الوحدة وقال حينها إن التأميم والاشتراكية لا يصلحان لمثل هذه الدول .
من المهم استحضار هذه الحقائق قبل المضي في مناقشة النظام الاجتماعي والاقتصادي لدولة الوحدة وذلك للتعرف فيما إذا كان حتما لازما أن يكون نظاما من لون معين ، أو للتدقيق فيما إذا كان اختيار النظام الاشتراكي لدولة الوحدة أو للحركة القومية قد فوت في حينه فرصا لانضمام أقاليم عربية أخرى لدولة الوحدة .وكذلك لنقد مفهوم التحرك الاقتصادي نحو الوحدة باعتباره بديلا للتحرك السياسي أو مدخلا له ، وهو زعم قال فيه البعض لتغطية حقيقة أن أي مدخل يتم اختياره للعملية الوحدوية لا بد أن يستند الى إرادة سياسية تستهدف الوصول الى دولة الوحدة ، وتضع كل تقدم في العلاقات القومية العربية ، وكل تخطيط للعلاقات القومية العربية ، اقتصاديا كان أم شعبيا ، أم نقابيا ، أم لقوى ومنظمات المجتمع المدني في إطار هذا الهدف ، ولعل هذه الحقيقة تجيب عن التساؤل الذي يطرحه البعض عن سبب عدم تمكن النظام العربي من تحقيق أي تقدم ذو قيمة في مسعى بناء الوحدة الاقتصادية العربية الذي انطلق قبل انطلاق مساعي بناء الوحدة الاقتصادية الأوربية ، ووصل الأوربيون الى مرحلة البناء السياسي ، مرحلة بناء الإتحاد الأوربي ككيان سياسي ، فيما لا زال النظام العربي يتعثر في موقعه نفسه .
والآن ما هو النظام الذي يمكن له أن يتحمل مهام بناء دولة الوحدة وتحقيق أهدافها التنموية والحضارية .
إن الناصريين وهم المرتبطون بأول وأهم تجربة وحدوية عربية في العصر الحديث وبأهم قيادة تاريخية لهذه الأمة في هذا العصر ، يرون أن بناء دولة واحدة ليست عملية خيار بين عدة خيارات ، وليست مسألة مرتبطة بنوايا ، ورغبات ، وليست دعوة لتقاسم مصالح ومكاسب ، وإنما هي عملية جهاد ، ونضال ، ودونها الكثير من التضحيات ، وإذا كانت هذه حقيقة كل عملية وحدوية في التاريخ الحديث ، فإن بناء وحدة عربية تتطلب جهدا أكبر وتضحية اكبر ، وثمنا أغلى ، وما ذلك إلا للأثر الخطير الذي تمثله وحدة الأمة على الخريطة الإقليمية والعالمية
من هنا فإن القوى التي تتحمل عبء بناء هذه لدولة ستكون حتما هي القوى التي لا تجد لها مناصا من الارتباط بهذا الوطن ومن الدفاع عنه والتضحية من أجله باعتبار ذلك كله يمثل مستقبلها ومستقبل أجيالها ، ويقول الناصريون إن هذه القوى المستهدفة هي قوى العمل على مختلف أشكاله ، العمل الذي على أساسه تتحدد قيمة كل إنسان في مجتمعه
ثم إن هذه الدولة الوحدوية لا تستطيع تحقيق تقدم حقيقي إلا من خلال تغيير موازين القوى في المجتمع ثروة وعلما وصحة واستقرارا ،وهذا لا يكون إلا من خلال سياسات تضع في بؤرة اهتمامها تحقيق ذلك .
باختصار فإن دولة الوحدة لا يمكن أن تكون إلا إذا استهدفت بناء مجتمع الكفاية والعدل لكل أفرادها ، ومجتمع العزة والقوة لكل الأمة، ومجتمع النمو والنهضة والتقدم لكل المجتمع .
عند هذه النقطة لا يعود الحديث عن النظام الاجتماعي خيار تأخذ به هذه الجهة أو تلك ، ولا يعود مهم أن نقول نحن اشتراكيون أم لا ، وإنما يصبح المهم أن يلبي النظام المختار هذه الغايات . وتصبح المهمة المطروحة أمام الأمة ، أي المهمة الوطنية والقومية الجامعة هي تحديد النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي يحقق هذا الاستهداف ، أي الذي يحقق : الكفاية والعدل ، والعزة والقوة ، والنمو والنهضة ، وتصبح برامج القوى الوحدوية في نضالها القومي العربي الوطني تنافس في تحديد طبيعة هذا النظام
ثالثا : الإقليم القاعدة ، المركز والأطراف
خلال بحثه عن قوانين العمل الوحدوي، أي القوانين الأساسية والثانوية لتجارب العمل الوحدوي في العالم وعلى وجه التحديد في أوربا في التاريخ الحديث لم يكن الدكتور نديم البيطار يستهدف أن يخترع مفهوما، أو أن يقسم حسب رغبته أقاليم الوطن العربي إلى أقاليم مركزية مهمة ، وأخرى ثانوية غير مهمة ، كما تصور البعض، أو رُوج له في وقت لاحق، وإنما كان يحاول الاهتداء إلى آليات العملية الوحدوية وما يحكمها من قواعد متكررة تسمح بالقول أنها قواعد أو قوانين للعملية الوحدوية في إطار الفكرة القومية العربية ، أي في إطار بناء الدولة على أساس قومي عربي ،وبالتالي فالأمر لا يتصل من قريب أو بعيد بما يمكن أن يحتمله أو يتحمله مفهوم الإقليم المركزي من تميز أو استعلاء أو مكانة ، وإنما بما يقع عليه من مسؤولية وتضحية وضرورة في مسار عملية البناء الوحدوية ، وأيضا بما سيقع عليه من تحديات واستهداف ومواجهة وتآمر من القوى المعادية للعملية الوحدوية داخلية كانت أم خارجية ،
والناصريون حينما يذهبون إلى تأكيد أن مصر تمثل الإقليم القاعدة للأمة العربية فإن هذا يعني في نظرهم أمرين اثنين :
· أمر يتصل بإيمانهم أن هذا الاقتناع تعبير عن حقيقة موضوعية، لا يتوقف وجودها على إرادات الأفراد ولا على معرفتهم أو إقرارهم بها ، وبالتالي فإن عدم الإقرار بها أو إغفالها ، أو الإصرار على تجاوزها ، لايلغي وجودها أو يقلل من أهمية هذه الحقيقة ، إنما يدلل إما على جهل وعدم معرفة أو على عدم صدق التوجه القومي العربي عن هذه القوة أو تلك ، ولن يثمر هذا الموقف إلا إضاعة الامكانات ، والفرص لوحدة هذه الأمة ، ولن يؤثر في نهاية المطاف على هذه الحقيقة ذاتها ، وهي أن مصر في موقع الإقليم المركزي في أمتها ،
· وأمر يتصل بالمسؤولية الملقاة على عاتق مصر ، وبالتالي على عاتق القوى السياسية فيها ، وخصوصا تلك الرافعة للشعارات الوطنية والقومية العربية والإسلامية ، فإيمان هذه جميعا بدور مصر المركزي في أمتها العربية هو معيار للحكم على صدق التزامها الوطني أو القومي العربي أو الإسلامي ،
المسألة إذن في وجهيها ذات ارتباط بنجاعة العملية الوحدوية ، وأخذها سياق السنن الاجتماعية ، ومن المهم ونحن ندقق في هذا المفهوم " الإقليم المركزي " أن نرمي جانبا كل الاعتبارات الذاتية ، وكل زعم بأن هذا المفهوم يقلل من شأن هذا الإقليم أو ذاك ، أو ينصب إقليما في موقع القيادة تجاه الأقاليم الأخرى ، فالأمر أولاً وأخيراً عبء ومسؤولية ، وليس امتيازاً واستعلاءً ، وإذا كان هناك من يعتقد أن بإمكان أي إقليم أن يقوم بدور الإقليم المركزي ، بسبب ثروة ، أو موقع ، أو مرحلة ، أو حزب ، أو فرصة ، فليس هناك ما يمنعه من القيام بأعباء هذا الدور ،
القضية عند القوميين العرب المؤمنين بهذا المفهوم ، لا يعني أبدا منع أحد من القيام بأعباء هذا الدور لكنه بالتحديد يعني قناعتهم ، بأن مفهوم الإقليم المركزي لا يقوم على الإرادة فقط ، وإنما هو حالة ومسألة تكونت عبر تاريخ معين ، جعلت هذا الإقليم من حيث الحجم ، والتماسك الداخلي ، والموقع ، والتراكم الثقافي ، قادر على تحمل أعباء هذا الدور .
وإذا كنا ننظر في آثار التطورات التي كشفت عنها العقود الثلاث الأخيرة من القرن الماضي ومطلع هذا القرن على المسألة القومية العربية والحركة القومية العربية ، فيجب أن يلفت انتباهنا إلى أنها أكدت بشكل لا يقبل جدلا جديا حقيقة ومكانة الإقليم المركزي ، وأكدت مفهوم هذا الإقليم وطبيعته ، وأنه ليس أمراً مصطنعاً يمكن لأحد ما أن يتجاوزه أو يحل محله ، بل إن هذه التطورات أكدت أن قيام الإقليم المركزي بدوره في إطار أمته ، يحقق التوازن حتى للقوى المعادية له وللحركة القومية العربية ، لأنه بوجوده وممارسته لدوره يولد حدودا لما يمكن أن تذهب إليه هذه القوى ، ويٌبقي لها فرص وإمكانية الوقوف عند حد معين في تبعيتها للخارج وفي استلاب إرادتها .
والحق أن هذا الدور لمصر في إطار أمتها العربية لم يكن اكتشافا حققه الدكتور نديم البيطار في بحثه عن قوانين العملية الوحدوية ، فقد سبق الحديث عن هذا الدور في فلسفة الثورة ، ويومها قال المناضل جمال عبد الناصر إن هذا الدور ليس مسألة زعامة لمصر أو لقائدها ، وإنما مسألة مسؤولية عليها تجاه أمتها العربية ،وتجاه محيط هذه الأمة
"ولست أدري لماذا يخيل لي دائماً إن في هذه المنطقة التي نعيش فيها دوراً هاماً على وجهه يبحث عن البطل الذي يقوم به ، ثم لست أدري لماذا يخيل لي إن هذا الدور الذي أرهقه التجوال في المنطقة الواسعة الممتدة في كل مكان حولنا ، قد أستقر به المطاف متعباً منهوك القوى على حدود بلادنا يشير إلينا أن نتحرك ، وأن ننهض بالدور ونرتدي ملابسه فإن أحد غيرنا لا يستطيع القيام به .وأبادر هنا وأقول أن الدور ليس دور زعامة.وإنما هو دور تفاعل و تجاوب مع كل هذه العوامل ، يكون من شأنه تفجير الطاقة الهائلة الكامنة في كل اتجاه من الاتجاهات المحيطة بها ، ويكون من شأنه تجربة لخلق قوة كبيرة في هذه المنطقة ترفع من شأن نفسها و تقوم بدور إيجابي في بناء مستقبل البشر ".
والذي يستقرئ التاريخ يدرك هذا الدور المركزي لمصر منذ عصور بعيدة ، ويدرك أيضا أنه حينما أتيح لمصر أن تقوم بهذا الدور أتيح لهذه المنطقة أن تنهض ، لقد كان هذا صحيحا قبل بروز الدولة القومية العربية وتأكد على نحو حاسم بعد ذلك
رابعاً : الوحدة والحزب القومي العربي
هل وجود الحزب الواحد شرط لقيام الوحدة بين إقليمين ؟،
وبالتالي هل وجود الحزب القومي العربي الواحد شرط للعملية الوحدوية ؟
السؤال مهم ، وتترتب عليه نتائج بالغة الأهمية ، والخطورة ،
وقد تولد السؤال عن مصدرين : نظري فكري ، وعملي تاريخي ،ويتولد عنه سؤال على المستوى نفسه من الأهمية :
هل إن العملية الوحدوية قضية تختص بطليعة من الناس ، أم أنها تعبير عن خيار وتوجه لجماهير الأمة التي تنتظم وتتمثل بأحزابها ؟،
أي هل العملية الوحدوية خيار وطني ، أم خيار طليعي ؟
لعل هذه المسألة هي المسألة الجوهرية في تطور الفكر القومي العربي في هذه المرحلة لأنه منها بالتحديد نطل على قضية الديموقراطية والتعددية السياسية في المجتمع الإقليمي والقومي العربي .
ولأهمية هذه المسألة فإننا سنتناولها عبر نقاط محددة :
· العملية الوحدوية في جوهرها تغيير ثوري ، وهي كأي تغيير سيجد من يعارضه ، في التجارب التاريخية الأوربية ووجهت المعارضة بقوة السلاح ، بالعنف ، حتى تم تحقيق العملية الوحدوية ، في فكرنا الوحدوي ، لا مجال لهذا العنف ، الوحدة يجب أن تقوم على الإرادة الشعبية ، وبدون هذه الإرادة لن تكون هناك وحدة ، وما يجعلنا نتمسك بهذا النهج اقتناعنا بأن هذا التغيير الثوري يحتاج إلى الدعم الشعبي الحقيقي وهذا لا يتحقق إلا من خلال إمساك الحركة الشعبية بمصيرها ومقدراتها ، والسبيل لمعرفة تحقق ذلك هو الديموقراطية . كذلك لأن العصر لم يعد يسمح بتكرار تجارب " الوحدة بالقوة " التي شهدتها أوربا . إن هذا الذي نثبته هنا ، قد أثبته جمال عبد الناصر بعبارات أدق وأكثر حسما في ميثاق العمل الوطني وقد جاء فيه : إن النماذج السابقة لها فى القرن التاسع عشر، وأبرزها تجربة الوحدة الألمانية، وتجربة الوحدة الإيطالية، لم تعد تقبل التكرار.وإن اشتراط الدعوة السلمية واشتراط الإجماع الشعبى ليسا مجرد تمسك بأسلوب مثالى فى العمل الوطنى، وإنما هو فوق كل ذلك ومعه ضرورة لازمة للحفاظ على الوحدة الوطنية للشعوب العربية فى ظروف العمل من أجل الوحدة القومية العربية للأمة العربية كلها"،
والذي يستعيد تجربة وحدة 1958 بين سوريا ومصر يدرك بأنها قامت على أساس خيار شعبي لا تشوبه شائبة ، وكانت تعبيرا عن الإرادة الشعبية ، وتجسيدا لوضع ديموقراطي لا خلل فيه ، ولم يسبق له مثيل ، ولم تلحق به شبيه . لقد اختارت جماهير سوريا الوحدة مع مصر خياراً قاطعاً ، واختارت الرئيس جمال عبد الناصر بشكل جازم وبإجماع لم يسبق له مثيل ، وكانت في ذلك تعبر عن وحدة الإرادة الوطنية ، ولم يكن لكل الذين قالوا أو حاولوا أن يقولوا لا للوحدة ، أو أن يجعلوا لهم رأيا في طبيعتها وزنا حقيقا بين الناس ،وليقينهم بهذه المكانة فإنهم اختفوا عن الساحة السياسية حين اتخذ قرار الوحدة داخل مجلس النواب السوري ، أو حين استفتي الناس على الوحدة . إن هذا يقين لا تخالفه أي إشارة أو حدث أو بادرة ، لقد كانت الوحدة " وحدة 1958 " عملا ديموقراطيا بامتياز . وكان تعبيرا حاسما عن رفض الفكر والحركة القومية العربية لأسلوب العنف في بناء الوحدة ،
· أن بناء مجتمع الوحدة وهذا ما ثبت بالتجربة سوف يستدعي سياسات وقرارات وأوضاع من شأنها أن تولد معارضات ، وخصوم ،في داخل هذا المجتمع . لذلك كان المطروح أمام التجربة التاريخية لحركة الوحدة العربية أحد سبيلين : إما أن تقيم تنظيما واحدا تحشد فيه كل القوى الاجتماعية المؤمنة بالعملية الوحدوية ، والمؤمنة باستهدافات هذه العملية على المستويات كلها ، وتعمل من خلال هذا التنظيم على حماية الوحدة ، وتطورها . وإما أن تقيم تحالف من الأحزاب المؤمنة بهذه العملية وتستند في حركتها وإنجازاتها إلى هذه القوى ، وقد مثلت تجربة العمل السياسي في وحدة 1958 ، السبيل الأول وذلك من خلال الاتحاد القومي العربي ومن ثم الاتحاد الاشتراكي ، كما مثلت تجربة مشاريع إقامة دولة الوحدة مجددا عام 1963 وعام 1971 السبيل الثاني من خلال السعي لإقامة جبهة أحزاب سياسية .
وفي خضم العملية الوحدوية وضمن الحركة الناصرية الشعبية تولد مفهوم الحزب القومي العربي والحركة العربية الواحدة ، واعتبر مفكرو التيار الناصري أن بناء هذا الحزب شرط لازم لتحقيق وحدة الأمة ، وقد فصل الدكتور عصمت سيف الدولة في هذا الجانب كثيرا في كتابه أسس الاشتراكية العربية ، ونظرية الثورة العربية ، وفي ما لحق ذلك من أبحاث ، وكان عبد الله الريماوي قد جاء على هذه القضية بتفصيل فيما كتبه عن الحركة العربية الواحدة ، وساهم كثير من المفكرين العرب في هذا الميدان ويبدو أن منطلق كل هذا الجهد الفكري القومي العربي ما طرحه جمال عبد الناصر عام 1964 عن ضرورة قيام الحركة العربية الواحدة باعتبارها أداة بناء وحماية الوحدة العربية والثورة العربية - قد يعتبر البعض أن فكرة أقامة حزب البعث العربي الاشتراكي نبعت من هذه الزاوية ، مثلها في ذلك مثل بناء حركة القوميين العرب ، لكن المثلين في تجلياتهما العملية وتطوراتهما الفكرية ، وفشلهما على الصعيد التنظيمي في أن يمثلا وجودا قوميا حقيقيا ،وعلى وجه التحديد بعد تجربة الوحدة السورية المصرية بالنسبة للبعث وبعد الانحراف للماركسية بالنسبة للقوميين العرب جعلنا في حل عن التوقف أمام هاتين التجربتين فيما نطرحه في هذا المجال – ولا نعتقد أن هناك أي مشكلة من زاوية التحرك القومي العربي في هذا الطرح ، لكن المشكلة تظهر حينما نتساءل عن المعيار الذي نقيس فيه ما يطرحه الفكر القومي العربي والحركة القومية العربية في هذا المجال ، بل وفي كل مجال ،
كيف تقيم الحركة القومية العربية أداءها ؟!
كيف تتأكد من صحة ما تقوم به وتطرحه من برامج ورؤى ومفاهيم ؟! ثم
من قال لها أنها تعبر حقيقة عن خيارات الناس وتطلعاتهم وإرادتهم ؟!،
وإذا كنا نؤمن أن تطلعات الناس وخياراتهم تتغير وتتطور فما هو المعيار الذي نعتمده في التأكد من استمرار تعبيرنا عن إرادتهم وخيارهم ومصالحهم
هذه التساؤلات ما كانت تُرى أو تُدرك في زمن الثورة ، وزمن وجود جمال عبد الناصر بما مثله من قيادة تاريخية للأمة،- نستطيع أن نقول إن المناضل جمال عبد الناصر كان أكثر الموجودين في سدة الحكم تحسسا لهذه المسألة في أشكالها الأولية ، لذلك لم يتمسك بفكرة التنظيم الواحد في تجربة ميثاق الوحدة الثلاثية ، ولم يتمسك بتجربة تنظيمات الثورة التي تغيرت المرة تلو الأخرى وصولا إلى مرحلة الاتحاد الاشتراكي بحزبه الطليعي ، وهو الذي طرح إيجاد شكل من التعدد الحزبي بمجرد إزالة آثار العدوان - لكن هذا وضع استثنائي ، ما كان يجب أن يستمر ، ولا يجوز - بالتأكيد - أن يوجد في أي ظرف لاحق .
إن التطور الحقيقي في الفكر القومي العربي يكمن هنا بالتحديد ، أي في المعيار الذي يعتمده الفكر القومي العربي وأحزابه في التعرف على خيارات الناس ، والتزام تطلعاتهم ومصالحهم . وهنا تبرز الديموقراطية بمعناها التاريخي ، أي الديموقراطية المستندة إلى التعدد الحزبي والى تداول السلطة والى الاستناد لصناديق الانتخاب باعتبارها الأداة الوحيدة الفاعلة للتعرف إلى المعيار الذي تحتاجه القوى الثورية في تقييم أدائها ، وفي الحكم على برامجها ، وفي اختيار قواها الاجتماعية والتنظيمية ، وفي تصحيح أخطائها . أي أن القوى القومية العربية في التزامها الديموقراطي تتخلى عن المعيار الذاتي في تقويم واختبار أفكارها وخياراتها ، وتنحاز الى معيار أكثر صوابية وصحة وفاعلية .
إن الديموقراطية باعتبارها الأسلوب الذي تظهر فيه إرادة الناس ، وتتغير فيه القوى الحاكمة سلميا ، وتتأكد عبره صدق الشعارات والبرامج ، هذه الديموقراطية هي حاجة قومية رئيسية لا يمكن المساومة عليها ، ولا يجوز . وأثبتت تجارب مجتمعات عديدة أنها أداة فضلى للتغيير الثوري ، وأنها تسلح الثوريين الحقيقيين بجهاز تقويم شديد الفعالية لا يمكن أن يجدوه خارجها ، وأنه إذا كان للقوميين العرب الحقيقيين من تصرف تجاه الديموقراطية فهو العمل على إطلاقها من كل قيد ، وإعمالها في كل ميدان ، وحراستها من كل غارة .
· إن مسألة الحزب القومي الواحد وعلاقته بالحركة القومية العربية والبناء القومي يصبح - بعد ما تقدم - برنامج ورؤية للقوى الوحدوية التي تتطلع لتهيئة التربة للإطلاق العملية الوحدوية ، ولا يكون قيدا على العملية الوحدوية ، التي يبقى تحقيقها مفتوح على كل الاحتمالات والفرص .
في أصل فكرة الحزب القومي أن بناء أداة قومية واحدة ، أي بناء حزب على أساس تنظيمي قومي عربية ضرورة لإقامة الدولة القومية العربية ، لأنه أداة حشد قوى الوحدة ، والمرجع في تحديد طرق الوصول لدولة الوحدة ، والسبيل الى اختبار كل أشكال العمل الوحدوي ، الاجتماعي والسياسي على طريق تحقيق هذه الوحدة ، ويجسد الحزب القومي العربي في أساس الرؤية الصورة المصغرة عن الأمة الموحد ة ، وفي النظر الى هذه الرؤية من المناسب أن تطورا مهما قد تحقق خلال السنوات الثلاثين الماضية ، حيث انتقلت الفكرة من شكلها التقليدي القائم على إقامة نويات قومية في الأقاليم المختلفة تتحول تدريجيا إلى فروع للتنظيم القومي العربي إلى الانطلاق من إقامة تنظيمات إقليمية ذات التزام فكري قومي عربي في كل إقليم ، ويكون نضالها في إقليمها هو الذي يحدد مكانتها في تنظيم قومي ينشأ بحكم الحركة النضالية لهذه التنظيمات ، أي أن العمل النضالي الإقليمي هو المدخل للعمل والبناء القومي العربية ، ويكون هو المختبر الذي يتم التعرف فيه على الطليعة القومية العربية وتقويمها من خلال جماهير حزبها نفسه ، بدل أن يكون ذلك عن طريق الانتقاء الذاتي الذي كانت تبنى من خلاله التجارب القومية العربية سابقا .
إن هذا التطور في طريقة بناء التنظيم القومي العربي يحيل الحركة القومية العربية إلى مسألة وطنية عامة وليس إلى علاقة نخب مختارة من جانب نخب مختارة سابقة ، وكذلك يحقق في داخلها الشرط الديموقراطي الذي يميز العمل السياسي في كل إقليم . وهذان الأمران ضروريان جدا لإطلاق العملية الوحدوية .
خامسا : الحركة القومية العربية والأقليات
موقف الحركة القومية العربية من الأقليات ، وموقف الأقليات من الحركة القومية العربية ، ميدان مهم من الميادين التي أثيرت في العقود الماضية ، وقد جاءت إثارتها في ظروف حقيقية وأخرى مصطنعة لذلك تم تضخيم قضية موجودة ، وتم وضعها في مواجهة حركة القومية العربية ، ونقيض لها على مختلف المستويات ، حتى صارت قضية الأقليات وكأنها مظهر آخر من مظاهر الاعتداء على الأمة العربية ، ومشروعها الوحدوي مظهر صنعه الغرب تماما كما صنع الكيان الصهيوني .
وقد جاء هذا التضخيم والافتعال بفعل عوامل عديدة أهمها خمسة :
1- إطلاق الولايات المتحدة لاستراتيجيتها في بناء شرق أوسط جديد على قاعدة التنوع العرقي والطائفي ، أي تفكيك الدول القائمة ، وإعادة تركيبها على هذا الأساس .
2- رعاية القوى الغربية لحركة الأقليات في المنطقة العربية من زاوية أنها حركة تدعم الوجود الغربي ، وتستند إليه وتتقوى به ،وقد ظهرت أمثلة ذلك في كل مكان ظهرت فيه مشكلة أقليات سواء كانت مشكلة حقيقية أم مصنعة .
3- اعتقاد نخب في عدد من هذه الأقليات أن الاستناد الى القوى الغربية يعزز فرصها في تحقيق مكاسب لها داخل الوطن ، أو يفسح لها في استنبات وطن لها ، وقد ذهبت نخب الأقليات هذه في اعتقادها الى حد صارت فيه جزءا من الاستراتيجية الغربية
4- هزيمة الحركة القومية العربية وسيطرة قوى الاستبداد والفساد على كل شيء في الوطن ، واستمراء القوى الحاكمة التلاعب بهذه المسألة لتقوية نفسها في مواجهة المعارضة الوطنية داخليا ،وفي إدارة علاقاتها الإقليمية، فكانت بذلك تلعب بوحدة الوطن لحساب استمرار سيطرتها على السلطة فيه مثبتة بذلك أنها ليست أمينة على وحدة الوطن ، وأن في بقائها تدمير للبنية الوطنية للمجتمع .
5- احتلال الولايات المتحدة للعراق ، وهو أمر فجر وبقوة رغبة قيادات وحركات سياسة كردية في تشكيل وطن كردي لهم مستفيدين من هذا التطور ، واضعين أنفسهم في المسار العام للاحتلال ، وكأن الاحتلال سيبقى الى الأبد ، أو كأن المشكلة الكردية ، هي مشكلة عراقية فحسب . ووقف الى جانب هذه القوى السياسية الكردية كل القوى الطائفية والعرقية العراقية التي اعتبرت الاحتلال فرصة أمامها .
إن هذه التطورات الخمسة وضعت قضية الأقليات العرقية والدينية تحت المجهر مباشرة ، وشكلت تحديا أمام الفكر القومي العربي ، وأمام الحركات القومية العربية ، ويبدو أن الهزيمة العامة التي لحقت بالحركة القومية العربية وقواها خلال العقود الماضية جعلت الرؤية عند بعضها تضعف ، والأهداف التي تعمل لأجلها تتواضع حتى صار الحفاظ على وحدة هذا البلد أو ذاك مكسب يبذل دونه الكثير .
ومن المهم في هذا المقام أن نسلط الضوء على الرؤية القومية العربية لهذه المسألة، وما إذا كانت هذه التطورات تفرض تغييرا أو تعديلا في رؤيتنا لقضية الأقليات العرقية والدينية في مجتمعنا العربي .
بداية يجب التنبيه أن بحث مثل هذا الموضوع من قبل القوى القومية العربية يجب أن ينطلق من مسؤوليتها في الحفاظ على كل أبناء الوطن وكل قوى الأمة مهما تباينت في طبيعتها ، وأن تكون هذه المحافظة على قاعدة التساوي في الحقوق والواجبات وباعتبار الوطن والأمة وعاء للجميع .وكذلك على تصحيح العلاقة بين المكونات الاجتماعية للأمة المتولدة عن سياسات الأنظمة السابقة او المراحل الاستعمارية السابقة ، وما نتج عنها من ظلم سواء تجاه مناطق بعينها أو أقليات عرقية ودينية بعينها ، أو تجاه مكونات ثقافية بعينها .
إن هذا يحدد زاوية الرؤية والتعامل مع قضية الأقليات ، فلا يكون مقبولا تحت أي اعتبار ارتكاب خطيئة الظلم بحق أي أقلية أو قوة داخل الوطن سواء كانت تتميز بالطبيعة العرقية أو الطائفية ، أو العشائرية ، أو الجهوية ، ويكون من واجب القوميين العرب السعي لإزالة هذا الظلم ، ومن أمثلة هذا الظلم التغيير الديموغرافي لبعض المناطق بزعم ضرورات الأمن القومي العربي ، والامتناع عن إعطاء الجنسية للبعض تذرعا بأسباب واهية ، أو منع البعض من تسنم مراكز ومسؤوليات هم أهل لها بمثل هذه الدعاوى السخيفة ،
بالمقابل فإن للقوميين العرب موقف حاسم رافض من فكرة تقسيم الوطن وسلطاته بين الطوائف والأعراق التي تشارك في هذا الوطن ، لأن هذا لا يعود وطنا ، وإنما منطقة عبور ليس إلا .
نحن ندرك أن هذا الشكل من الأوطان هو ما تحاول الاستراتيجية الغربية الراهنة تطبيقه في وطننا وأمتنا ومنطقتنا ، بدعوى أن هذا الشكل الأمثل لإقامة مجتمع حر ، عادل ، ديموقراطي ، ولو كان هؤلاء صادقون فيما يقولون لأعادوا ترتيب بلدانهم على هذه القاعدة من المشاركة ، لكنهم فيما يطرحوه علينا يريدون تفتيت أوطاننا ، والتمكن من السيطرة عليها .
نحن ندرك أنه لا يوجد مجتمع في العالم ، ولا أمة قائمة على أساس صفاء عرقي ، أو ديني .
كان إيجاد مثل هذه المجتمعات هدفا في دول أوربية في العصور الوسطى حينما أرادت أن تفرض دينا واحداً أو مذهباً واحداً ، وأهدرت وراء هذا الوهم أنهرا من الدماء ، وكان هذا التوجه هدفا حينما أرادت بعض الدول الغربية في العصر الحديث أن "تطهر" بلدانها لتكون تعبيراً عن عرق واحد وقد دفع العالم بحاراً من الدم للتخلص من هذه الوهم .
إن التنوع الديني والعرقي في كل مجتمع حقيقة ، لكن هذا التنوع كان دائما وفي كل المجتمعات قائما في إطار مفهوم قومي عربي عام واحد يستوعب كل التمايزات والتشكيلات العرقية والدينية المختلفة والتي لا تشكل أغلبية الأمة ، ويلتقي القوميون العرب في هذه النظرة مع ما استقرت عليه المواثيق الدولية والفكر القانوني في تعريف الأقليات ،
إن المسيحيين العرب هم مسلمون حضارة وقيماً ، يجمعهم مع المسلمين العرب إضافة الى القومية العربية هذا البعد الحضاري الذي يشكل شيئا جوهريا في وجود القومية العربية ، وإن الأكراد العرب شأنهم شأن الأمازيغ المغاربة يجمعهم مع الأمة العربية إسلام عميق الأثر حاسم الدلالة يضم اللغة والتاريخ والتشريع والقيم ، وأي محاولة للعزل بين العرب والكرد والأمازيع هي محاولة بائسة لن ينتج عنها إلا وجودات مشوهة غير قابلة للحياة ،
إن ما نذهب إليه هنا لا يعني أن ليس هناك مشكلة أقليات عرقية ودينية ، لكننا نريد فيما قلناه تأكيد أن وجود مثل هذه المشاكل لا يمكن أن يجد حلا حقيقا لها إلا في إطار تأكيد الانتماء الى الحضارة العربية الإسلامية وتعزيز هذا الانتماء ، وحينما يختار الأكراد فيجب أن يكون هذا الاختيار في إطار هذا الانتماء وإلا فإن العاملين على إقامة دولة كردية يكونون متجهين الى إخراج الأكراد من دينهم وتاريخهم وطبائع منطقتهم ، وبالتالي تحويلهم الى جسم غريب معاد لتوجهات المنطقة كلها عربية كانت أم غير عربية .والأمر ذاته يصدق في الحديث عن الأمازيغ .
ومما يلفت الانتباه في معالجة القوى الحزبية الكردية المهيمنة على الصوت الكردي في هذه المرحلة أنها تقبل "مثلا" بالقول في انتمائها الى سوريا ، والحفاظ على الوطن السوري ، لكنها لا تقبل بالقول في انتماء سوريا الى أمتها العربية ووطنها العربي ،والأمر نفسه يصدق على الحركة الأمازيغية الممولة من فرنسا والتي تريد أن تنزع دول المغرب من انتمائها العربي والإسلامي .
إن القومي العربي الذي يعتبر أن الأقليات جزء أصيل من الوطن والأمة وإن تمايزت ببعض الخصائص ، يضع في أولوياته حماية هذه الأقليات وتوفير ظروف اندماجها في حركة المجتمع مع الحفاظ على كل خصائصها المميزة باعتبار هذه الخصائص من مظاهر الغنى في المجتمع . وفي هذا الإطار فإن القومي العربي يدرك تماما أن مسألة الأقليات الكردية في إطار الحل الذي يروج له في هذه المرحلة هي مسألة إقليمية أساسها وثقلها في تركيا وإيران وليس في العراق وسوريا ،إذا كان أكراد تركيا قد اتخذوا طريق التفاعل الايجابي مع المجتمع التركي والدولة التركية والعمل من خلال الانتماء لهذا المجتمع ومؤسساته ، فإن ذهاب القوى السياسية الكردية الراهنة في العراق وسوريا الى اتجاه آخر من شأنه أن يمثل خطرا كبيرا على الأكراد العرب ويربط مصيرهم ووجودهم رهن الصراعات والقوى الإقليمية وهذا ما لا يمكن أن يقبله القوميون العرب ، الذين يدركون أن هذه الاستطالات غير الصحية في طرح المسألة الكردية إنما تتغذى من واقع الاحتلال الأمريكي للعراق ، ومن الأوهام الناجمة عن الهجوم الأمريكي على المنطقة ، ومثل هذه الاستطالات ستتراجع لتعود المسألة الى حجمها الطبيعي وفي نطاق الانتماء الى الحضارة العربية الإسلامية والمنطقة والأمة العربية وذلك بمجرد أن يهزم الاحتلال ويتحرر العراق وتنكسر هذه الهجمة الأمريكية
إن معالجة القضية الكردية أو الأمازيغية أو أي قضية تؤطر تحت عنوان " الأقليات العرقية والطائفية " لا يمكن أن يكون إلا من خلال الالتزام بالوطن والأمة ، ومن خلال مفهوم المساواة والعدل ، ومن خلال آليات العمل الديموقراطي داخل الوطن ، وفي هذا الإطار تتفتح كل آفاق تنمية وتعزيز الأوجه الثقافية ،والروحية ،المتنوعة لهذه الأقليات .
خاتمة
القومية العربية وحركتها وقواها تمر في امتحان حقيقي امتحان يتصل بالفكر والمفاهيم ، كما يتصل بالوجود والمستقبل ، ومواجهة هذه التحديات يتطلب أولا وقبل كل شيء التمكن من الرؤية الصحيحة الواضحة لهذه التحديات وقواها وطبيعتها ، ثم امتلاك الشجاعة في قبول التغييرات الحقيقة التي تفرضها هذه التطورات والشجاعة أيضا في رفض الضغوط التي تستهدف حرف الحركة القومية العربية عن مسارها .
القومية العربية ليست فكرة مقدسة ، ولكنها حركة تاريخية ، مبنية على سنة الانقسام القومي العربي ، تستوعب في داخلها عناصر بناء الأمة، وهي ككل حركة تاريخية تستلزم الإنجاز حتى يمكن بناء وتحقيق أي تقدم لاحق ،
وبصفتها حركة تاريخية فإن تجليها في دولة الوحدة العربية من شأنه أن يدفع الأمة الى الارتقاء في مستويات التفاعل والإنجاز الوحدوي فوق القومي وفق ما يستلزمه تطور مستويات الاجتماع الإنساني ورقيه ،
إن بقاء الأمة العربية دون إنجاز وجودها القومي يبقيها في حالة عطالة تامة عن أي إنجاز أعلى من ذلك ، ويدفعها بفعل الضغوط التاريخية المختلفة الناجمة عن ضرورات الارتقاء في العلاقات الوحدوية الى السير في الاتجاه المعاكس أي الى مزيد من التفتت والانقسام ، وهو ما نلحظه ونحن نتابع مسار النظام العربي في العقود الماضية .
ليس هناك في المسار التاريخي إلا التقدم في إنجاز المهام التاريخية أو التراجع والتخلف ، ونحن الآن لا نحقق أي تقدم في مسار المهمة التاريخية للبناء الوحدوي لذلك فأن ما نشاهده هو البديل الوحيد المتاح ، أي التوجه الى مزيد من التفتت ، والضعف .
هذه الحقيقة يجب أن تكون ماثلة أمام القوميين العرب ، بل وأمام كل عربي مخلص لأمته سواء عمل تحت مسميات العمل السياسي : الوطني أو القومي العربي أو الإسلامي ، فالكل سواسية أمام هذه الحقيقة التاريخية ، والكل تقع عليه المسؤولية نفسها إزاء هذا المسار التاريخي .


