في
وقت دقيق
إقليما ودوليا،
وعشية تصويت مجلس النواب التركي على
مذكرة تخوّل
الحكومة القيام بعمليات توغل في شمال العراق، بدأ الرئيس
السوري
بشار الأسد زيارة لتركيا
في 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وإذا
كانت الزيارة الأولى للأسد في العام 2004 لـ
"
تدشين
مستوى عالٍ
من العلاقات الثنائية
"،
فإنّ
زيارة 2007 "
تأتي لتأكيد هذا المستوى
وتعميقه
".
وفي
سورية، فُهمت
العلاقة
الجديدة
مع
تركيا
كـ
" اختراق
سياسي "
لعملية
الاحتواء
الأمريكية
ومحاولة
عزلها
عن
محيطها الإقليمي،
مع
كل
الرهانات
على
الجوانب
الاقتصادية
التي
يفضي
إليها
منهج "
التعاون
الوظيفي"
بين
البلدين.
ويرتبط تحسن العلاقات السورية - التركية في سياق التفاهم على إعادة تعريف كل دولة لوزنها ولدورها الإقليمي في المنطقة، إذ هناك إجماع في تركيا على أنها تقف في وسط معطيات جيو - سياسية واستراتيجية جديدة، كما يدرك صناع القرار في سورية أنهم لا يمتلكون أسباب القوة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تمتلكها تركيا، وبالتالي فإنّ المطلوب منهم هو تغيير النهج والتوجهات، بما يتوافق مع المستجدات في المنطقة، وبما يساعد على تحصين أهل النظام من آثار تدخلات الخارج. وفي هذا السياق، يبدو واضحا الدور الإقليمي المتنامي لتركيا في معادلة الشرق الأوسط الجديد، بالرغم من الاختلاف في قراءة هذا الدور وأولوياته.
لقد تحولت العلاقات السورية – التركية بسرعة من حالة التوتر والاصطدام، على قاعدة الموقف السوري الذي لم يتخلَ في وعيه العميق عن " لواء اسكندرون "، والذي يرفض التعاون الاستراتيجي التركي – الإسرائيلي والسياسة الأطلسية للحكومات التركية المتعاقبة، إلى حالة أشبه بالالتحاق والمراهنة على خشبة الخلاص التركية.
وفي الواقع، إنّ التطور الإيجابي في العلاقات لم يكن ممكنا لولا اتفاق " أضنة " الأمني الذي تم التوصل إليه في أعقاب أزمة صيف العام 1998، والذي كان بمثابة اتفاق على شكل " إعلان مبادئ " لبناء علاقات جديدة. وقد اختارت الدولتان ما يمكن تسميته بـ " المنهج الوظيفي" مدخلا لعلاقتهما، والافتراض، في إطار هذا المنهج، أنّ التعاون في المجالات الاقتصادية والفنية، غير السياسية المباشرة، يمكن أن يفضي إلى درجة عالية من درجات التحالف السياسي، يضع العلاقات الجديدة في إطار استراتيجي، بمعزل عن طبيعة العلاقات التركية مع إسرائيل، ما دامت هذه العلاقات لا تؤثر سلبا على العلاقات التركية - السورية، بل ربما تفتح في المجال أمام اضطلاع تركيا بدور وسيط في جهود السلام بين سورية وإسرائيل.
وفي المقابل، فإنّ الدور الإيراني في المنطقة يشكل هاجسا تركيا، يأخذ طابع المنافسة على الدور والمشاريع الإقليمية الكبرى، في مجال التجارة والمواصلات والغاز والكهرباء والنفط والمياه، فضلا عن أنّ الإدارة الأمريكية تأمل من الدور التركي هنا تحقيق التوازن في مواجهة الدور الإيراني. أما في الموضوع اللبناني، فترى تركيا وجوب أن " تقوم سورية بدور بنّاء في لبنان لتحقيق حل للمشكلة اللبنانية ". كما أنها ترفض سياسة عزل سورية، وترى أنه يجب على القيادة السورية القيام بما يجنبها المزيد من العزلة، ومن هنا ضرورة أن تحضر المؤتمر الدولي في " أنابوليس " لأنه، حسب قول الرئيس التركي " يساهم في كسر العزلة بدل زيادتها ".
ولعل السمة المميزة لهذه القضايا مجتمعة، هي أنه بقدر ما أنّ هذه القضايا هي قضايا مشتركة للنزاع والخلاف والتوتر بقدر ما هي قضايا للتعاون والحوار والتفاهم في الوقت نفسه.
وفي الواقع، لايمكن النظر إلى مستقبل العلاقات السورية - التركية، على الرغم من الهدنة التي فرضتها الظروف القائمة، بما فيها مشكلة المياه، خارج إطار الأبعاد الإقليمية والدولية المستجدة. والفرضية التركية، التي وصلت بكل وضوح إلى سورية، تقوم على أنّ الوجه الأطلسي لتركيا وعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، يجب ألا يؤثر سلبيا على العلاقات التركية - السورية في حال تعاظم الضغط الأمريكي على سورية، وأنّ التحالف التركي مع إسرائيل لن يكون على حساب التطلع إلى التحالف الجديد مع سورية. بل لعله يساعد القيادة السورية على الحوار المعمق مع الأطراف الدولية والإقليمية، وبالتالي الاندراج في الشراكات التي يُرسم لها.
وفي الواقع، طوال الأعوام التي أعقبت اتفاق " أضنة " تحسنت العلاقات السورية – التركية، وهذا ما عكسه تبادل الوفود على المستوى الرسمي ومستوى المؤسسات الخاصة بوتائر عالية. وإذا كانت الزيارات المتبادلة تعكس تطورا في علاقات الجانبين، فإنّ في " استراتيجية الجوار " السورية إزاء تركيا، ما هو أكثر من الزيارات، إذ يمكن ملاحظة عدة نقاط أساسية: أولاها، تبريد الخلافات السورية – التركية، وفي ملف هذه الخلافات موضوع " لواء اسكندرون "، وموضوع اقتسام مياه دجلة والفرات، التي تحاول سورية، منذ سنوات عديدة، التوصل لاتفاق دائم لاقتسامها بشكل عادل ووفقا للقانون الدولي بين تركيا وسورية والعراق. وثانيتها، تبدو في انفتاح سوري - تركي على حركة مرور البضائع والأشخاص عبر الحدود، حيث قامت السلطات السورية بتخفيف وتبسيط الإجراءات الحدودية، الأمر الذي قوبل من الجانب التركي بإجراءات مماثلة، مما رفع عدد عابري الحدود من الجانبين إلى أكثر من مليون شخص سنويا، وزاد في قيمة البضائع المتبادلة بين الجانبين إلى أكثر من مليار ونصف مليار دولار، حسب أرقام سورية. وثالثتها، هي خلق علاقات تعاون مستقبلي من أجل ترسيخ مصالح الطرفين وتقوية علاقاتهما، وفي هذا يمكن النظر إلى مشروع الربط الكهربائي الإقليمي، الذي يجمع سورية وتركيا إلى جانب العراق والأردن ومصر ولبنان، ومثل ذلك مشروع أنبوب نقل الغاز الذي تشارك فيه تركيا وسورية.
لقد وقّع وزيرا خارجية البلدين، خلال الزيارة الأخيرة، مذكرة تفاهم مشتركة " تتضمن رؤية مشتركة " حول التعاون في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، وأيضا في مسائل الطاقة والمياه، ضمنها إنشاء سد مشترك على نهر العاصي بأسرع ما يمكن.
والمعنى من ذلك أنّ ثمة أهدافا ومطالب محددة لدمشق من تلك الزيارة، تتجاوز التنسيق مع تركيا بشأن الطموحات الكردية. ففي ضوء المخاطر التي تتعرض لها سورية، سواء مباشرة من جانب إسرائيل أو بشكل غير مباشر بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية، فإنّ استعانتها بتركيا تبدو منطقية ومفهومة، بل يصبح من الطبيعي أن تبادر سورية إلى عرض المساعدة والتعاون على تركيا في مسألة حيوية مثل القضية الكردية، طلبا لدعمها ومؤازرتها في التعاطي مع الضغوط الأمريكية.
وهكذا، يرى العديد من المحللين الاستراتيجيين أنّ مستقبل العلاقات التركية - السورية سيبقى مرهونا بمجموعة من المحددات، بعضها يرتبط بالدولتين، والبعض الآخر يرتبط بالظروف الإقليمية التي تشهدها المنطقة. وفي هذا السياق، يجب ألا يغيب عن الحسابات أنّ تركيا، في خياراتها الاستراتيجية تجاه المنطقة، لا تتناقض كثيرا مع التوجهات الأمريكية والإسرائيلية. وعليه، فإنّ العلاقات السورية - التركية مرشحة لمزيد من التفاعل الإيجابي في المستقبل القريب، ومطروحة بقوة لتدخل على خط التحالفات والمحاور الإقليمية الجديدة في المنطقة.
![]()
![]()
![]()
تونس
في
28/10/2007
الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 1/11/2007.


