أصعب المواقف التي يتعرض لها المعتقل وهو مكبل اليدين، ومعصوم العينين، بأنه لا يتعرف على الجهة أو الوجهة التي تأتي منها الضربة أو الصفعة، ولا يستطيع الدفاع عن نفسه حتى بالكلمة، فالجلاد لا يفقه لغة الحوار، وهو عبد مأمور ينفذ الأوامر، ومستعد لقتل الضحية في سبيل أرضاء أسياده الصامدين على كراسيهم المطعمة والمزركشة بدماء الأبرياء.  

حيث تتشابه أساليب التعذيب في السجون السورية مع وجود فوارق بسيطة في آلية التنفيذ، والتهم الموجهة إلى المتهم، ومدى تجاوزه للخطوط الحمراء المرسومة على خارطة الوطن بطوله وعرضه، وهي الأساليب التي أدت إلى تشوهات جسدية وفقدان للحياة للكثير من المعتقلين وخاصة السياسيين منهم، والذين تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب في الأقبية الأمنية ومنها حسب التقرير السنوي الصادر باسم لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورياcdf "  "

* الضرب المبرح على جميع أعضاء الجسم  منذ اللحظة الأولى للتوقيف.

* الضرب والجلد بالعصي  والكابلات العادية والمكهربة على جميع أعضاء الجسم والحساسة منها

* التعليق بطريقة يوضع فيها عمود تحت الركبتين والساعدين وتعليق العمود بين طاولتين مما يسبب آلاماً شديدة نتيجة ضغط ثقل الجسم على الأطراف مع الضرب المبرح والعبث بالأماكن الحساسة والجنسية من الجسم  .

* الصعق بالصدمات الكهربائية في أماكن الجسم الحساسة وخاصة الجنسية منها .

* التوقيف المطول لساعات وأيام وحرمان الموقوف من النوم وقضاء الحاجة وصب الماء البارد أو الضرب على الموقوف كلما غفت عيناه  حتى يصاب أحياناً بالانهيار العصبي .

* تعرية الموقوف من ملابسه وتهديده بالاغتصاب وتهديده بالاعتداء على أقاربه من النساء .

* تغطيس رأس الموقوف في مياه المراحيض القذرة  .

* السجن الانفرادي لفترات طويلة,حتى يوقع على اعترافات تدينه –وقد يكون بريئا منها-

* وضع العصي والخيزران في دبر الموقوف .

* تعرية بعض الموقوفين من ملابسهم تماماً وتجميعهم في مكان واحد وخصوصاً في مكاتب التحقيق .

* التلفظ بالكلمات النابية والجارحة والمهينة للموقوف ومقدساته  ودينه .

* اعتقال بعض النساء من أقارب الموقوف للضغط النفسي عليه .

* الكرسي الألماني

* تقييد الموقوف من يديه إلى الخلف وإلقائه على بطنه ثم الجلد المبرح على ظهره وسكب الماء البارد أثناء الجلد .

* التعليق منكوساً مع الجلد على مختلف أعضاء الجسد .

إن جميع الاعتقالات التي تحدث في سورية, عادة ما كانت تترافق بسوء المعاملة والأساليب المتعددة من التعذيب والحاطة بالكرامة الإنسانية, والضغوط النفسية والجسدية, وهو من أبشع الانتهاكات التي تمارس بحق الإنسان وكرامته وجسده وعقله, والتهديد الدائم لحياة الإنسان, ورغم أن تحريم التعذيب أصبح دعوة عالمية ومحلية, ورغم كفالة الدستور السوري في المادة-25-رقم-1-لحرية المواطنين وكرامتهم وأمنهم، وكذلك في المادة-28-الفقرة-3-التي تحرم التعذيب وعقاب من يفعل ذلك, وكذلك توقيع الحكومة السورية على الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، ويشتكي المحتجزون من العزلة وعدم معرفة مصيرهم، وبأن هناك من يتصنت عليهم. ويتساءلون عن السبب الحقيقي لاعتقالهم و منهم قد سبق اعتقالهم . بان توقيفهم قد تم في مراكز أمنية, ومنهم بواسطة دوريات أمنية مدججة بالأسلحة, ومنهم بعد أن تم استدعائه إلى احد الفروع الأمنية, والبعض تعرض منازلهم للمحاصرة والاقتحام والتفتيش من قبل أعداد كبيرة من قوات الأمن المسلحة وبشكل عنيف ومهين، كما أن بعضهم يتعرض للاستجواب تحت الضغط والتهديد والتعذيب، ولا يتم السماح للمحتجزين بأجراء اتصال بالعالم الخارجي (الأهل والأصدقاء)، لا يحصل المحتجز على كامل الرعاية الطبية والنفسية اللازمة له، والقصة الكاملة لأحد المعتقلين في أحداث القامشلي 2004 " دون ذكر الاسم "  تبدو وكأنها رواية لما تتصف بالمعاناة والتعذيب والحرمان من كافة الحقوق، داخل زنزانة صغيرة قذرة لا يوجد فيها سوى الأوساخ والقمل ورائحة الدم والموت، حيث تبدأ فصولها بالاستدعاء الأمني في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل من قبل فرع الأمن الجنائي بمحافظة الحسكة عن طريق بلاغ رسمي، حيث يروي صاحبنا قصته الكاملة بالقول : في الصباح الباكر توجهت إلى الحسكة إلى فرع الأمن الجنائي ولم نكن نتصور بأننا سنقيم عندهم لأكثر من ساعات، وفي نفس اليوم تم تحويلنا إلى سجن " غويران " بالحسكة وأدخلونا إلى " غرفة العزل " ومن ثم التحقيق معنا من الساعة الخامسة عصرا حتى العاشرة مساءاً عن طريق التعذيب بالكبلات والدولاب والصفع والوقوف على الأرجل الواحدة والشتم والبصق وسكب الماء علينا بعد كل عملية تعذيب، وكانوا يقولون لنا " بدك تعترف على شو ما بنعرف " واستمر الأمر بالتعذيب كل صباح ومساء لمدة ثلاثة أيام، ثم وضعوني في المنفردة من أجل انتزاع الاعتراف مني لأنني لم أعترف لمدة ثلاثة أيام الأولى، وكانت المنفردة بطول مترين بـ متر خالية من أي شيء سوى بطانية عسكرية واحدة، وكان الطعام بشكل يومي ثلاث أرغفة من الخبز وعلبة ماء فقط، حيث كانت المنفردة في الطابق الرابع، وخلال التحقيق كانوا يضربون على كافة أنحاء الجسم بالخيزران خلال النزول على الدرج لمدة ( 11 ) يوم، وبعدها تم وضعي في المهجع مع زملائي المعتقلين وكنا بحدود ( 110 ) معتقل، ولم يسمحوا لي بالاستحمام طيلة ( 15 ) يوم      

بعد خمسة عشر يوما في سجن " غويران " بمحافظة الحسكة، تم وضعنا في صفوف أمام شبك الزيارات وكبل أيدينا وطمش أعيننا، ووضعونا في ثلاث سيارات" زيل عسكري " كل واحدة تحوي على ( 45) شخصاً مع العلم بأنها لا تتسع لأكثر من عشرة أشخاص، مع وجود ثلاث سيارات مدنية أمنية مرافقة، وعندما تحركت السيارات كنا نعتقد بأننا نتوجه إلى فرع الأمن السياسي بالقامشلي، وكنت في المنفردة حتى في الزيل العسكري ومكبل اليدين، وبعد مرور أربع ساعات من الرحلة الشاقة والمتعبة، والضجة الكبيرة والحرارة المرتفعة، تساءلنا عن جهة السفر لكن دون إجابة، وتم الاعتداء بالضرب على المعتقلين داخل الزيل من قبل العناصر الأمنية الموجودة، وطيلة الرحلة لم يسمحوا لنا بقضاء الحاجة وبعض المعتقلين تبول على نفسه، واستمرت الرحلة ( 12 ) ساعة متتالية، وقبل وصولنا إلى سجن صيدنايا هددنا الشرطة بأنه هناك استقبال حافل وقد وصلنا إلى سجن صيدنايا في الساعة ( 11 ) صباحا بتاريخ 13/4/2004 وفعلاً كان الاستقبال حافلا بالضرب على كافة أنحاء الجسم بالكبلات والعصي واليدين والتفنن بحلاقة الشعر والشوارب والحواجب والصفع على الوجه والشتائم المقززة، وكنا مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين وصعدنا إلى الطابق الثاني من سجن صيدنايا لتستمر رحلة التعذيب بالدولاب لمدة ست ساعات متتالية حتى الساعة الخامسة عصراً وبعدها وضعونا في المهاجع، وبعد ثلاثة أيام هددنا رئيس سجن صيدنايا بالقول " ليس لي أي علاقة ما هو سبب اعتقالكم ولكن في حال تعرضكم لأي شرطي أو مساعد راح أحرقكم حرق " وكانت العناصر عندما تدخل إلى المهاجع يأمروننا بأن ندير وجوهنا إلى الحائط بحيث لا يمكننا رؤيتهم، وكانوا يقومون بسرقتنا من الخلف عن طريق وضع الأيدي في جيوبنا الخلفية وسرقة الساعات من أيدينا دون أن نتمكن من الالتفاف أليهم ورؤية وجوههم، وضمن هذه المهاجع كنا بحدود الخمسين معتقل من معتقلي أحداث القامشلي، وكان لانتشار الجرب والقمل والأوساخ نصيب كبير في مشاركتنا الحياة اليومية، ونقص في المياه، وعدم وجود كهرباء، ولم نكن نميز الليل من النهار إلا عن طريق فتحة صغيرة موجودة في أعلى الباب، وبعد عدة أسابيع من هذه الحالة تم إخراجنا إلى باحة السجن وأمام الشمس لنتخلص من حالة الجرب وانتشار القمل، وكنا ممنوعين من الالتفاف إلى اليمين أو اليسار أو النظر إلى الأعلى بحيث تكون رؤوسنا إلى الأسفل، ولم نكن نلبس غير السروال الداخلي فقط، وقد أصاب عدة أشخاص بالدوخة ووقعوا على الأرض لأننا طيلة هذه الفترة لم نجد الشمس وكنا نعيش في الظلمة.وبعدها سمح للمحاميين بلقائنا وتوكيل الدفاع عنا وعدة زيارات لبعض المعتقلين، ولم تكتمل هذه الزيارات وهذه اللقاءات لأننا انتقلنا إلى سجن عدرا ( الجناح 13 المخدرات ) أيضا مكبلين، وتم تسليمنا إلى ضباط سجن عدرا، وتخصيص ثلاث مهاجع لنا، بكل مهجع حوالي ( 50 ) معتقل، وكنا ننام على الأرض لعدم وجود السرير المخصص للسجناء، وقد خصص لنا ساعتين صباحا وساعتين بعد الظهيرة للخروج إلى الباحة، فطالبنا إدارة السجن بأن يكون خروجنا إلى الباحة طيلة فترة الصباح كباقي المعتقلين فلبوا طلبنا بعد فترة زمنية طويلة، حيث يعتبر سجن عدرا مقارنة مع باقي السجون السورية وخاصة صيدنايا سجن خمس نجوم، وبقينا على هذه الحالة حتى صدور العفو الرئاسي بعد مرور عام كامل.

ومن الحوادث التي بقيت في ذاكرتي المليئة بالتعذيب.... الإهانات التي تعرضنا لها طيلة وجودنا في سجن غويران و صيدنايا و عدرا ورحلة الموت من الحسكة إلى دمشق التي ما زلنا نتذكر أدق تفاصيلها، واعتبر أن أجمل اللحظات داخل المعتقل وخلال فترة التعذيب هي لحظة الصمود أمام الجلادين، جلادي هذا الوطن الذين يعتدون على كرامة الإنسان دون أي اعتبار لإنسانيتهم، ومن اللحظات الجميلة أيضا زيارة والدتي المتقدمة في العمر إلى سجن عدرا .         

كانت هذه قصة أحد الأشخاص الذين بقوا في المعتقل لعام واحد، وتعرضوا لتعذيب شديد من قبل جلادي السجون التي زارها، وما زالت تفاصيلها معلقة في مخيلته، فكيف له ولغيره من المعتقلين الذين بقوا في السجون لسنوات عديدة أن تمحى من ذاكرتهم سنوات الضياع والحرمان من الحرية، وأن ينسوا من كان يتلذذ بالتعذيب ويستبيح كرامة الإنسان لا لشيء سو مخالفة الرأي والتعبير عن آرائهم بحرية .  

* كاتب سوري