ماذا يعني تأجيل اجتماع رئاسة الدورة أاـ 12للجنة العليا السورية الأردنية المشتركة ؛ بعد انتهاء أعمال اللجنتين الفنية والتحضيرية بنجاح كبير .فمن استمع لكلمتي وزير الصناعة الأردني الخزاعلة ونظيره السوري وزير الاقتصاد د. لطفي ، والبيان الختامي للجنة التحضيرية المتضمن 12 اتفاقية ، وتعقيب رئيسي اللجنتين الفنيتين الأردنية والسورية د. العقلة ود. الزعبي ، وكلمات رؤساء غرفتي تجارة وصناعة الأردن والغرفة السورية الأردنية ، يلحظ الجو الحميم والشفاف المستند إلى انجازات اللجنتين؛ التي تنتظر توقيع رئيسي الحكومتين الأردنية والسورية .

لا بد أن أجواء تصعيد سوء الفهم وخلق الاختلافات الوهمية والنفخ فيها ، لا تتساوق ومصالح البلدين  الشاميين الجارين، ولا تستند إلى مبررات واقعية مفترضة أو قائمة ؛ مأمولة  وطنياً وشعبياً .

إن قوة الأردن الذي هو في < واد غير ذي نفط > ، بين احتلالين كما سورية ، في قوة ورسوخ ونضج علاقاته العربية وبخاصة منهم ، من نتشارك معه في ارث الشآم تاريخاً وجغرافية وتكاملاً وعروبة ولغة وإيماناً ومصالحاً ونبتاً طيباً من دم وأنساب واجتماعيات عديدة وتعددية .

لست بصدد الدعوة للاستفادة من تجارب الآخرين في استخدام تبايناتهم واختلافاتهم في خدمة مشاريعهم المنافية للعدل والحق؛ العدوانية والعنصرية والإحلالية المركبة السوء ؛ المبنية على الدم والغدر واغتيال التاريخ وتزوير الواقع والماضي. وإنما نحن مدعوون لتكامل اختلافاتنا ، لا للتناحر حولها ، واستنفاذها في صالح الأمة وعناصر الخير في المنطقة، بدل البقاء في مربع التخاصم ، فيما هو العدو أبين من شمس النهار ، ولا مجال للعيش معه ، لا لأننا لا نقبل التعايش ، ولكن لأنه للغدر خدن ، وللقطيعة مع الآخر أي آخر ، ُملِحٌّ حميم ، ومع عقلية القلعة والغيتو والجدران دائماًمقيم.

بكلمات ، هناك اتفاقية عدلية أردنية سورية ، يعامل فيها الأردني أو السوري في البلد الآخر وفق قوانينه النافذة ، ويعترف الطرفان بأحكام القضاء والقانون في كليهما . وقبل أيام أعرب وزير الداخلية الأردني ؛ السابق عوني يرفاس ، بكلمة حق ، بأن السجناء الأردنيون في سورية ؛ جنائيون.

وإذا كان للأردن هذا العدد من السجناء في سورية ، من بين قرابة 6 ملايين أردني ، فلربما كان لسورية عدد مماثل على الأقل أو ربما اكثر من بين ملايينهم ألـ 20 .وعلى افتراض وجود سجناء أردنيين أمنيين وسياسيين في سورية ، فمن الحصافة بحث ذلك دبلوماسياً، وفق الاتفاقية العدلية بينهما ، ومنها استكمال المحكومين منهم أحكامهم القضائية في البلد الشقيق الآخر.

إن سياسة التصعيد لهذا الملف وضرب واختزال مصالح نحو 26 مليون أردني وسوري بمصير مئات من السجناء الأردنيين والسوريين < مع الاحترام لهم > على هذا النحو المناكف ، لا يخدم قضية السجناء ذاتهم فضلاً عن الشعبين ، في وقت ينسى المصعدون سجناء ومعتقلي الأردن في السجون الأمريكية في العراق وأمريكا وغوانتنامو وفي إسرائيل وأوروبا ، ومعظمهم على خلفيات غيرجنائية.

وعلى صعيد الحدود ، وفي جولة كان المركز الأردني للإعلام قد نظمها ، في<ام قيس > تحدث المسؤول الأردني هناك بكل الشفافية والوضوح والصدقية والتلقائية عن تنسيق امني على الحدود بين الجانبين ، ذلك أن حفظ الأمن هو في مصلحة استقرارهما أولاً وأخراً . وحدوث اختراقات أمنية وغيرها بالاتجاهين فهو أمر طبيعي يعرفه العسكريون والأمنيون اكثر من الكتاب، ومنها حدود أمريكا مع المكسيك ، كما هي حدود العراق مع جيرانه .

إن الإساءة لعلاقات البلدين وتسعيرها وفتح الملفات على الطريقة إياها ، لا تخدم مصالحهما ، وتضعفهما كليهما وبخاصة الأردن ، حيث نستمد قوتنا من أطيب العلاقات العربية وأعمقها  وبخاصة علاقاتنا السورية واللبنانية والفلسطينية ، مع عدم الانحياز لفريق دون آخر، فالانحياز لا يخدم إلا مصالح وأجندات خارجية ، ويسيء لعلاقاتنا اللاحقة عندما تفشل المخططات الخارجية وستفشل.

إن توصل الملك عبد الله الثاني وأخيه الرئيس السوري بشار الأسد إلى توافق بتأجيل اجتماع اللجنة العليا ، لا بد انه يحمل معنى إيجابياً ، ذلك أنه تم بناء لاتصال واتفاق ، ولم يأت من طرف واحد أو من طرفين دون اتفاق معلن ، بل ويحمل معنى إعادة نظر منفردة او مشتركة في جانب أحدهما أو في الجانبين ، بعد استكمال استحقاقات دستورية قد تكون وشيكة التحقق .

إن المعالجة الأردنية بصدد ما قيل أنه اعتصام ، وصمت أقلام التصعيد يحمل مؤشرات على وعي أردني  حصيف ومسؤول للمردود السيء لحملات التشكيك والتصعيد والتجريح ، وضرورة البحث الشفاف العميق والصادق من قبل اللجان المشتركة وبالقنوات الدبلوماسية وغيرها . وهو ما تحقق في اللجنتين الفنية والتحضيرية وبما تعد به العلاقات من تعاون رغم الهمبكات والسطور المسمومة.