لم تعد لـ"الرابطة القومية" قيمة تذكر في صياغة العلاقات
العربية البينية ، أو تحديد وجهة سير علاقات العرب مع جوارهم
الإقليمي ، فما من دولة (أو مجموعة) عربية ، وبصرف النظر عن "ايديولوجيا
النظام" أو هوية المعسكر الذي ينتمي إليه - اعتدال أم ممانعة -
إلا وتورط بهذا القدر أو ذاك ، بسياسة الاستقواء بالخارج على
الداخل (القومي) ، ولم تبق دولة واحدة من دول الجوار الإقليمي
للأمة من تركيا وإيران مرورا بإسرائيل وانتهاء بأثيوبيا ، إلا
واستدعيت من قبل شقيق عربي للتدخل بهذا الشكل أو ذاك ، أو بهذا
القدر أو ذاك ، ضد شقيق عربي آخر ، بعد أن استنفد العرب جميع
فرص الاستقواء ، بجميع المراكز الدولية الكبرى ، وفي جميع حقب
وأزمنة الحرب الباردة والوفاق الدولي ونظام القطب الواحد ، ضد
بعضهم البعض.
من لبنان الحرب الأهلية إلى فلسطين الصراع بين فتح وحماس ،
دخلت إسرائيل مرارا وتكررا على خط الانشقاقات الداخلية ، مع
فريق ضد آخر ، وبرغبة فريق وطلبه ضد فريق آخر ، وتحفل بطون
الكتب والوثائق والأرشيفات قصصا مذهلة عن الاستقواء بإسرائيل ،
وصلت بإحدى زعامات الأنصار والمهدية في السودان ، حد زيارة
إسرائيل في خمسينيات القرن الفائت ، طلبا للتدخل في بلاده ضد
نفوذ جمال عبدالناصر.
على ضفة "الأنظمة القومية" و"معسكر الممانعة" ، كان الاستقواء
بإيران على العراق في حرب السنوات الثماني سمة عامة انفردت بها
السياسة السورية ، برغم مرجعياتها "القومية" المعروفة ، انتقلت
قوى ومجاميع عربية (سنية وشيعية) ، إلى الدوران في الفلك
الإيراني دون اعتبار لـ"الرابطة القومية" ، الأمر الذي جعل من
إيران لاعبا محليا في عدد من الدول العربية وإقليميا على مسرح
المنطقة.
آخر صيحات الاستقواء بالجوار الإقليمي تمثلت في التأييد الصريح
الذي أطلقه الرئيس السوري لتركيا في مسعاها لاجتياز الحدود مع
العراق لملاحقة حزب العمال الكردستاني وربما لحسم "القلق
الكردي" المشترك ، وبذلك تسجل دمشق تأييدها لجارين إقليميين ضد
شقيق وجار عربي ، برغم اختلاف الظروف وتبدل النظم والأزمنة.
حتى الإمبراطورية الأثيوبية المتهالكة منذ هيلا سيلاسي مرورا
بمانغيستو هيلا مريام إلى ميليس زيناوي ، نالها من "طيبات"
التخاذل العربي نصيب ، فها هي تعيد بسط سيطرتها على الصومال
وتحيي أطماعها التوسعية في بعض أقاليمه ، وها هي تستدعى للتدخل
في أزمات السودان بين الحين والآخر ، من قبل بعض الأطراف
الصومالية والسودانية ، وبالضد من أفرقاء عرب آخرين.
وقد لا يكون بعيدا ذلك اليوم الذي تستدعي فيه قوات تدخل سريع
من تشاد لحسم الصراع الداخلي في ليبيا و"نشر الديمقراطية" فيها
، أو أن نشهد فيه ، زحف جيوش دول جنوب الصحراء إلى العواصم
العربية التي لم تعد مغرية لجذب جيوش "شمال المتوسط" واجتذاب
"أساطيل الأطلسي" ، بل باتت تشجع قبائل الصحراء الكبرى والقرن
الأفريقي على فعل شيء مماثل.
إنها حالة الهوان التي تعيشها الأمة ، إنها الهاوية التي لا
قعر لها ولا قرار ننزلق عميقا فيها ، سنة بعد سنة ، وجيلا بعد
جيل.


