عقدت في الآونة الأخيرة عدة لقاءات تفاوضية بين رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت وطاقمه من جهة، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وطاقمه من جهة ثانية. والهدف المعلن هو خروج الطرفين بإقرار "إعلان مشترك"، أو "وثيقة مشتركة"، تشكل أساساً لمفاوضات ما بعد اللقاء الدولي الذي دعا إليه الرئيس الأميركي بوش والمزمع عقده في شهر تشرين الثاني القادم.

وتعقد اللقاءات التفاوضية في ظل الحديث عن فجوات عميقة بين مواقف الطرفين، ونيّة بعض أطراف الإدارة الأميركية إرجاء تلك اللقاءات بسبب تلك الفجوات، فضلاً عن إعادة التلويح بالمشاكل الداخلية التي يواجهها أولمرت، في محاولة واضحة للتهرب الإسرائيلي من أي التزامات. ويطول الخلاف بين الطرفين جوهر ومضمون العديد من القضايا الجوهرية، حيث يرفض الطرف الإسرائيلي الدعوة إلى وضع جدول زمني محدد لحل قضايا الوضع النهائي، بما فيها الحدود ومصير القدس واللاجئين الفلسطينيين، ويريد أن يبدأ الجانبان التفاوض على اتفاق نهائي بعد اللقاء الدولي ومن دون تحديد أي جدول زمني. في حين يريد الفلسطينيون أن يشكل اللقاء الدولي بداية لمفاوضات الوضع النهائي من أجل الوصول إلى معاهدة سلام تتناول جميع القضايا الأساسية.

وتبرّر الأوساط الإسرائيلية استراتيجيتها التفاوضية بالخشية من نشوء أزمة سياسية داخلية في "إسرائيل" على خلفية مضمون التصوّر المشترك الذي سيُعرض على اللقاء الدولي، وذلك بسبب المعارضة من داخل الحكومة وخارجها، لذلك يبدو أن المفاوضات بين وفد السلطة الفلسطينية والإسرائيليين لن تصل إلى نتيجة يتمناها الفلسطينيون، والسبب هو ضعف موقف المفاوض الفلسطيني، وعدم استعداد الطرف الإسرائيلي لتقديم شيء "مهم"، وتناغم الموقف الأميركي معه، فضلاً عن ضبابيته وعدم وضوحه. فما زال الطرف الإسرائيلي يتأرجح بين نظرية "غياب الشريك" الفلسطيني التي يُروّج لها أولمرت من جهة، ونظرية التمييز بين حق العودة وممارسته، في حين تقوم أطروحات الجانب الأميركي على اقتراح يقوم على اقتسام القدس بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مقابل التنازل عن حق العودة. وبين هذين الطرحين لا يكف العقل السياسي الإسرائيلي عن المراوغة واللعب على الوقت والكلمات، والذي تفتّق مؤخراً عما سماه "إعلان المصالح" بدلاً من "إعلان المبادئ"، والإصرار على تضمين هذا الإعلان وثيقتين اثنتين: خريطة الطريق في مرحلتها الأولى التي تتحدث تحديداً عن تدمير "البنى الإرهابية الفلسطينية"، والثانية: كتاب الضمانات الأميركية لإسرائيل في نيسان 2004، الذي أعفى إسرائيل من العودة إلى خطوط الرابع من حزيران أو القبول بعودة اللاجئين الفلسطينيين. وبالتالي تصطدم المفاوضات باتساع فجوة المواقف بين الجانبين، حيث تريد إسرائيل بياناً عمومياً غير مجدول زمنياً ولا يرتّب عليها التزامات محددة وقطعية ونهائية، خصوصاً في المواضيع الرئيسة: الحدود، اللاجئون والقدس، في حين يرى الفلسطينيون أن بياناً كهذا، لا ينطوي على المبادئ التي ستقوم عليها الحلول النهائية لهذه الملفات وجداول زمنية لترجمتها، لا قيمة له أبداً، وضرره أشد من نفعه.

في المقابل، هنالك من المراقبين والمهتمين بالشأن الفلسطيني من يرى أن القرار الفلسطيني السياسي، أصبح رهينة بيد مجموعة صغيرة ممن ارتبطت مصالحهم ومستقبلهم السياسي ببقاء السلطة الفلسطينية وديمومتها، وأن من مصلحتهم أن يحدث تقدم في "عملية السلام" ولو بسيطاً وشكلياً، لأن في ذلك سبيلها إلى احتواء حماس وإسقاط مشروعها، لذلك فإن الاجتماع الذي دعا إليه بوش مفتوح على جميع الاحتمالات والمفاجآت، التي قد تبدأ بتأجيله، مروراً بفشله شبه المؤكد، ووصولاً إلى خروجه بنتائج غائمة ودون سقف التوقعات الفلسطينية والدولية المرجوّة منه.

إن كل من يتابع الاقتراحات الأميركية والإسرائيلية يجد أنها تعني– ببساطة- أمرين خطيرين، الأول: تبديد سنوات طويلة من العمل والجهد منذ مؤتمر مدريد للسلام، والانطلاق من جديد من نقطة الصفر، لأن المطروح يخالف كل صيغ الحل التي تمّ بحثها خلال هذه السنوات وفي مقدمتها خطة خريطة الطريق، التي أكدت أن الدولة الفلسطينية ستقام ضمن حدود الرابع من يونيو/حزيران عام 1967، وأن العملية السلمية تسير وفق قرارات الشرعية الدولية. والأمر الثاني يتمثل في وضع مرجعيات جديدة لعملية السلام تقوم على وجهة النظر الإسرائيلية، وتختلف عن المرجعيات الأصلية لهذه العملية، وبالتالي تنحرف بها عن المسار والهدف الذي قامت من أجله. ولا شك أن مخاطر المرجعيات الجديدة سيدفع ثمنها الفلسطينيون دون سواهم، وخاصة أنهم في وضع ممزق ومنقسم، ولم يرتقوا بعد إلى مرحلة التصدي لأبعاد وخطورة المرحلة الحالية، الأمر الذي ساعد الإسرائيليين والأميركيين على طرح مثل هذه المقترحات التي تضرّ بالقضية الفلسطينية.

ولا يستطيع أحد إنكار أن الفلسطينيين مطالبون اليوم قبل غيرهم، بترتيب وضعهم الداخلي، وتوحيد كلمتهم لإحباط ما ترمي إليه المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى تثبيت السيطرة على القدس واقتناص الاعتراف الدولي بذلك. أما البلدان العربية المدعوة إلى المشاركة في الاجتماع الدولي المرتقب، فإنها مطالبة بالذهاب إليه وفق رؤية مشتركة، تؤكد من خلالها تمسكها بمرجعيات السلام وقرارات الشرعية الدولية وترفض الانصياع للمطالب الإسرائيلية والأميركية.

__________

* كاتب سوري