بدأ
الأستاذ السيد ياسين في مقالته المنشورة بالأهرام في4 اكتوبر
الحالي, في مناقشة مشروع الاخوان المسلمين في سوريا بمنهجه النقدي
العميق.
ويوضح التحليل النقدي
الذي قدمه, أن الإخوان السوريين حققوا تقدما أكبر من نظرائهم
المصريين الذين يفترض أنهم الجماعة الأم بالنسبة الي مختلف التنظيمات
الاخوانية في سوريا وغيرها, وكان مفترضا, كذلك, أن يكونوا هم
المرجعية بالنسبة الي هذه التنظيمات أينما توجد وحينما تكون. غير أن
عوامل كثيرة من أهمها ضعف قدرة اخوان مصر علي الاجتهاد في مسألة
العلاقة بين الدولة والدين, وبين سيادة الأمة وسيادة الشريعة, أتاح
لتنظيمات اخوانية أخري أن تسبقهم في مجالات شتي, سبقهم اخوان الأردن
من قبل في مجال العلاقة بين العمل الدعوي والعمل السياسي, عبر
التمييز بين الجماعة التقليدية والحزب السياسي( حزب جبهة العمل
الإسلامي).
ولا يعود تميز( اخوان)
الأردن علي هذا النحو الي أنهم يتمتعون بالمشروعية القانونية بخلاف
اخوان مصر المحظورة جماعتهم منذ أن قرر مجلس قيادة الثورة حلها
عام1954, فإذا كان موقف سلطة الدولة تجاه الاخوان هو العامل الرئيسي
وراء تقدم مواقفهم السياسية أو تخلفها, فكيف نفسر تميز موقف اخوان
سوريا المحكوم عليهم سلفا بالاعدام واحدا واحدا دون تمييز, فسوريا هي
البلد الوحيد علي سبيل الحصر الذي جعل الاعدام عقابا لكل من يتهم
بالانتساب الي الاخوان حتي اذا لم يرتكب أي جريمة أو مخالفة وفقا
للقانون49 لسنة1982, فينص هذا القانون علي أن الإعدام هو عقوبة كل
منتسب لجماعة الاخوان المسلمين!!
ومع ذلك, حقق اخوان
سوريا تقدما ملموسا باتجاه بناء مشروع يوفق بين سيادة الأمة وسيادة
الشريعة, وبالرغم من أنهم لم يتمكنوا بعد من بلورة رؤية واضحة يمكن
الاطمئنان إليها في هذا المجال, الذي يعتبر هو مقتل حركات الإسلام
السياسي المعاصرة, فقد أحرزوا من التقدم ما يشكك في الافتراض القائل
بوجود علاقة عكسية بين حظر وجود الاخوان من الناحية القانونية وتقدم
مواقفهم من الناحية السياسية. فهذا الافتراض لا يستقيم منطقيا ولا
معرفيا لأن الاستعداد للاعتدال والمرونة والتسامح واحترام الآخر,
واعتماد الحوار سبيلا نهائيا لحل الخلافات لا يتوقف علي الوضع
القانوني, وانما علي نوع الثقافة السياسية وطبيعة الحالة الذهنية.
فليس منطقيا أن يكون المرء معتدلا متسامحا مرنا وهو في وضع قانوني
معين, ومتشددا متعصبا قاسيا فظا في وضع قانوني آخر.
ولكن يظل ممكنا أن يؤثر
الوضع القانوني جزئيا وليس بشكل كامل علي الاتجاه نحو الاعتدال أو
التشدد, والتسامح أو التعصب, عندما نتحدث عن زمن طويل وليس
قصيرا!
ولنا في حالة الاخوان
السوريين مثال علي ذلك, قد يفيد في تبيان الأثر الجزئي والمحدود
غالبا للوضع القانوني علي الاتجاهات بشأن الموقف تجاه الآخر.
فقد أظهر تنظيم الاخوان
السوري قدرة علي الابداع في الاجتهاد في مسألة الدولة والسياسة
والاقتصاد, عندما كان وجوده مشروعا, ولكن تجدر, هنا, ملاحظة أن
الاخوان المصريين لم يظهروا مثل هذه القدرة حين كان تنظيمهم مشروعا
بدوره منذ1928 وحتي1954 باستثناء فترة قصيرة تم حظره خلالها في
نهاية أربعينيات القرن الماضي.
تعلم اخوان سوريا,
بخلاف نظرائهم في مصر, كيفية إعمال العقل سعيا الي التجديد استجابة
للتحديات التي تواجههم, وكان أبرز مثال علي ذلك الاجتهاد المميز الذي
قدمه المراقب العام لتنظيم الاخوان في سوريا مصطفي السباعي في مسألة
النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي في الخمسينيات, إذ طرح رؤية اجتماعية
تنحو الي اليسار بوضوح في وقت كان الميل العام لتنظيمات الاخوان إما
نحو اليمين ويمين الوسط, أو الي تفضيل الغموض الذي يتيح اللعب علي
مختلف الفئات الاجتماعية سعيا للحصول علي تعاطف الجميع.
وكان اجتهاد السباعي ذو
المنحي الاشتراكي استجابة لتحد هائل واجهه اخوان سوريا من جراء تنامي
نفوذ الشيوعيين( كانوا هم الأقوي علي المستوي العربي حينئذ),
وانعطاف حزب البعث نحو اليسار, وبالرغم من أن هذا الاجتهاد بدا,
للوهلة الأولي, قريبا من الاشتراكية الماركسية, فقد كان هدفه هو
محاولة تجاوزها وتقديم بديل عنها من زاوية إسلامية, وكان هذا واضحا
في كتاب السباعي عن الاشتراكية في الاسلام, وفي حواراته مع المنظرين
السوفيت خلال زيارة مشهورة قام بها الي موسكو لهذا الغرض.
وربما نجد أساسا ما هنا
للافتراض القائل بأن مشروعية وجود تنظيم اخوان سوريا في تلك المرحلة
أسهم بمقدار ما, وليس بشكل حاسم, في ميلهم الي إعمال العقل,
بالرغم من أن هذه المشروعية تأرجحت وجودا وعدما منذ انقلاب حسني الزعيم
عام1949 وحتي تقويضها كليا وحتي الآن منذ احتكار حزب البعث للسلطة
بشكل كامل عام1966.
فالمشروعية القانونية
ليست هي العامل الوحيد, ولا الأكثر أهمية, في تحديد اتجاه هذا
التنظيم أو ذاك الي الاجتهاد والتجديد أو الي القياس علي الماضي
والجمود, ولذلك ظل اخوان سوريا محتفظين بتوازنهم حتي أواخر
السبعينيات عندما دخلوا في مغارة الصدام الدموي مع نظام الأسد الذي راح
ضحيته آلاف الأبرياء, ثم ربطوا أنفسهم بنظام صدام حسين الذي استخدمهم
في صراعه ضد النظام السوري وتلاعب بهم كيفما شاء.
ومن شأن هذه الخلفية أن
تنبهنا الي أهمية الحذر في قراءة برنامج اخوان سوريا الجديد الذي
يقدمون فيه مشروعا سياسيا لما يسمونه سوريا المستقبل, وقد يكون مفيدا
قراءة هذا البرنامج مرتبطا, وليس منفصلا, بالعلاقة المتنامية بين
قيادة الاخوان السوريين وأقطاب المحافظين الجدد الأمريكيين, وبسعي
واشنطن الي محاصرة نظام الأسد الي أن يحين الوقت الملائم للعمل علي
اسقاطه.
ومن أخريات المؤشرات علي
نوع هذه العلاقة, ما أورده سيمور هيرش في( ذا نيويوركر) قبل
أسبوعين تقريبا, من أن بعض أركان إدارة بوش نصحوا الزعيم اللبناني
وليد جنبلاط خلال زيارته الأخيرة لواشنطن, بأن يتحدث الي الاخوان ضمن
تحركه ضد النظام السوري.
كما قد يكون مهما, في
السياق نفسه, قراءة علاقة الاخوان السوريين بواشنطن مرتبطة, وليست
منفصلة, بموقف الاخوان في مصر من الأمريكان والذي لا يخلو من التباس
لا يكفي لإزالته تصريح أو بيان


