في تعقيب على زيارة الرئيس الروسي إلى طهران، بمناسبة قمة الدول المشرفة على بحر قزوين، عقد الرئيس الأميركي مؤتمراً صحافياً قال فيه «يوجد في إيران رئيس يقول انه يريد تدمير إسرائيل. إذاً، لو رغب الناس في تجنب الحرب العالمية الثالثة، فيبدو انه عليهم إيجاد السبل لمنع الإيرانيين من امتلاك المعرفة اللازمة لصناعة سلاح نووي». لم يتسبب هذا التصريح الخطير بردود فعل تساويه في الأهمية، ولا لفت الأنظار، مطلقاً، ذلك الربط بين مصير إسرائيل والحرب العالمية الثالثة، وهو ربط مباشر، استنتاجي، ملخص بعبارة «إذاً» التي تصل بين شقي الكلام، بين السبب والنتيجة.
وقد هال بعض اليهود، من غير الصهاينة، أن يبدأ التحضير لكارثة لن تُبقي ولن تذر، كالحرب العالمية الثالثة، «باسمهم» وبحجة «من أجلهم»، فأصدروا بيانات تندد بجملة بوش تلك وبنواياه خوض مزيد من الحروب، كما فعل الاتحاد اليهودي الفرنسي للسلام، وكتبوا مقالات في صحف ومواقع انترنت داخل إسرائيل نفسها تفضح قادتها الذين ينفخون في النار. لكن الصحف الرصينة تجاهلتها ولم تُشر بالطبع إلى هذا «الانشقاق»، فيما تسلت بالانشقاقات الإيرانية، ولم تلمح لها، حتى في معرض تغطيتها لزيارة اولمرت لروسيا وفرنسا وبريطانيا، وزيارة تسبي ليفني للصين، وباراك للولايات المتحدة، وهي كلها تحركات تقول علنا إنها تهدف الى تعزيز العقوبات على إيران، لكنها تسعى فعلاً إلى تبرير الحرب المقبلة عليها. وإلا فكيف يمكن لشمعون بيريز الذي أصبح (أخيراً!) رئيساً لإسرائيل، - وهو من الحمائم أليس كذلك؟ - أن يشبّه زعماء إيران بـ»هتلر وستالين»، هكذا معاً! ومعلوم أن من كان هتلر، هذا على الأقل، يستحق المحق، وأن المنظمات الصهيونية في أوروبا لاحقت قانونياً منظمي تظاهرات التأييد لفلسطين حين كان يرد في اليافطات المرفوعة فيها ما يقارن بين النازية والصهيونية، أو ما يوازي بين نتانياهو في ذلك الوقت وهتلر، بحجة أن نوايا إبادية تقف خلف هذه المقارنات، حيث من المشروع إلغاء من كان نازياً وقتل من كان هتلر!
وعلى النقيض من ذلك، تفننت الصحف الفرنسية - على سبيل المثال - في التخفيف من وطأة تصريح الرئيس بوش. وضعته جريدة «لوموند» الرصينة في كعب الصفحة الرابعة، وبخط عادي، بعد تخصيص معظم مساحة تلك الصفحة لأخبار عودة بينظير بوتو المرتقبة (آنذاك) إلى باكستان. بل عنونته على الشكل التالي: «النووي الإيراني: جورج بوش يريد تجنب الحرب العالمية الثالثة». فتكاد تشفق على الرئيس الأميركي! وكذلك تبارت مواقع الانترنت لسائر الصحف في اختيار عناوين تراوحت بين بوش «يخشى» ( تشفق عليه من جديد) وبوش «يشير»، الشديدة الحيادية في ما خص الرئيس الأميركي... ولم يجد أحد أنه من المناسب استخدام تعبير «يهدد».
ثم عادت «لوموند» بعد أسبوع على تلك الفعلة، أي منذ أيام، فعقبت على استقالة علي لاريجاني بعنوان في الصفحة الأولى يعين المواضيع ذات الصلة داخل الجريدة، فاختارت أن يكون «صقور ضد صقور»، مما يوحي للوهلة الأولى بان الصحيفة قررت وضع صقور البيت الأبيض وصقور طهران في تقابل، ظهراً إلى ظهر، كما يقول التعبير الفرنسي في مثل هذه الحالات. وهو كان بحد ذاته موقفاً يثير التساؤل حول تلك القدرة الفائقة على المساواة بين الأطراف، مما يضيّع الفاعل الرئيسي، ويغرقه في الالتباس وفق منهج مغلف بادعاء الموضوعية والتوازن، أي ما يفترض لنفسه أنه يقف على مسافة واحدة من الحدث وأطراف الصراع، إلى آخر حجج المنهج المهيمن، ذلك الذي يندد به الجميع باحتقار لكنهم يمارسونه، أي منهج «الصواب السياسي» الذي لا يقوده انحياز إلى قيم: اختيار الشائع، والبارد أو الهادئ، والذي يكرر في الحقيقة جملا جوفاء... وهو الوجه الآخر، الأكثر تمويهاً وتعقيداً بالتأكيد، لما كانت تُتهم به الصحف الحزبية عن حق، أي اللغة الخشبية.
لكن «لوموند» لم تكن تقصد هذا. بل تابعت في صفحاتها الداخلية تفصيل الحدث بمقالة أولى عنوانها: «الرئيس الإيراني أحمدي نجاد يسعى إلى تدعيم موقفه»، تشرح للقراء أن الرجل يفقد من نفوذه وان معسكر المحافظين يتشقق، فنكتشف أن الصقور جميعهم في إيران، ولا دخل لصقور الولايات المتحدة بالأمر بتاتاً، بل هم لا يردون مطلقاً في المقال، وأن «صقور ضد صقور» في الصفحة الأولى تعني جناحي المحافظين بين راديكالي يمثله نجاد وصقور فحسب – لا تمنحهم الجريدة صفة أخرى إضافية – يمثلهم هاشمي رفسنجاني القائل انه «لا يمكن حبس أفكار الناس بواسطة أنظمة ديكتاتورية». ودفاعاً عن رأيه، يستعرض المقال الاحتجاجات التي تجري في إيران اليوم، ما بين جملة رفسنجاني تلك، وعريضة الـ183 نائباً محافظاً في مديح لاريجاني - الذي ينتمي هو الآخر إلى المحافظين، كما توضح «لوموند» - ومظاهرات طلاب جامعة طهران المتكررة خلال الشهر الجاري والتي رفعت يافطات تطلب «الموت للديكتاتور»، والبيان العلني لـ57 اقتصادياً والذي يدين المنحى الشعبوي في إدارة الاقتصاد، وصولاً إلى المرشد الأعلى نفسه، السيد خامنئي، الذي صرح منذ أيام بأنه يدعم هذه الحكومة دون أن يعني ذلك انه يوافق على كل ما تقوم به! وبين هذه وتلك، إشارات إلى مقالات صحافية إيرانية، مما يوحي بأن «الخطوط الحمراء» - وهي حتماً موجودة ومعلومة - لا تُحكم إغلاق الساحة السياسية والفكرية إلى حد الخنق، كما نحن معتادون عليه في معظم العالم العربي... ولكن هذه مسألة أخرى.
أما المقال الثاني المشار اليه في العنوان الجامع على الصفحة الأولى لجريدة «لوموند»، فهو لوزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي، وعنوانه «كيف يمكن للمرء أن يكون فارسياً»، في استعارة لجملة من كتاب مونتسكيو الشهير، «الرسائل الفارسية»، يعترض فيه متكي على «انحياز فرنسا التي ترفض اليوم إعطاء الجمهورية الإسلامية ما أعطته لنظام الشاه في الماضي»، منتهياً إلى التأكيد بأن إيران ستتابع برنامجها النووي للأغراض السلمية، برعاية الاتفاقيات الدولية وإشراف الوكالة العالمية للطاقة الذرية، وهو موقف واضح إلا انه بعيد عن الصقورية.
ولم تلحق الصحف الرصينة تلك غلطتها بمناسبة تصريح جديد لديك تشيني هذه المرة (منذ أيام قليلة) يقول فيه إن «دولة تدعم الإرهابيين غير مسموح لها الحصول على السلاح النووي». لم يخطر على بال احد السخرية من التصريح، تفكيكه، التساؤل عما إذا كان مسموحاً لدولة لا تدعم الإرهابيين الحصول على السلاح النووي، وماذا نفعل إذا تغير فيها الطاقم الحاكم فأصبح يدعم الإرهابيين - وهذا احتمال وارد دوماً عن طريق الديموقراطية أو الانقلاب -، ولم يتسلّ أحد باستحضار معاهدة منع الانتشار النووي، التي لا تختار وفق المنهج السياسي للدول، ولم يتكلم أحد عمن يمتلك السلاح النووي فعلاً وعمن يستخدمه – والولايات المتحدة هي الوحيدة من بين مالكيه التي استخدمته لضرب اليابان، ثم أقرت مجبرة أنها استخدمت لضرورات لوجستية «طلقات» نووية في العراق، أو نووي منضّب أو ميني نووي - يا للرقة!
لم تهتز شعرة لأصحاب الرجاحة العقلية، لم تقشعر أبدان المحترمين، صحافيين ومفكرين وسياسيين، لم يقلقوا حين صرح أولمرت أثناء زيارته إلى فرنسا انه «لم يكن بإمكاني سماع أشياء عن الملف الإيراني أكثر قرباً من انتظاراتي»! لم يسأل أحد نفسه ما معنى هذا وما مؤداه العملي؟ نطرح السؤال، وهو يخص كل ما سلف وليس تلك الحلقة الأخيرة فحسب.


