شهد المجتمع اللبناني بعد الاستقلال بحبوحة اقتصادية بسبب وفرة المال النفطي الوافد إلى المصارف اللبنانية ونكبة فلسطين وما رافقها من انتقال قسم كبير من المال الفلسطيني إلى لبنان وتوسع دائرة الاصطياف والحركة السياحية وقطاع الخدمات والتعليم وغيرها. هذا بالإضافة إلى استقطاب قسم مهم من الاموال العربية إلى مصارف لبنان بعد حركة التأميمات في بعض الدول العربية وتدفق أموال المغتربين اللبنانيين من مناطق تواجدهم في العالم وبشكل خاص من القارة الأفريقية والدول العربية النفطية وتعزيز دور بيروت كمدينة كوسموبوليتية وسيطة ذات موقع مميز في حركة الرساميل العالمية باتجاه منطقة الشرق الأوسط، وعوامل إيجابية أخرى. فكثر الحديث على «المعجزة اللبنانية» في المجال الإقتصادي بعد أن عرفت البورجوازية اللبنانية النشطة كيف تستثمر، وبذكاء بالغ، الظروف الإقليمية الملائمة لقطاع الخدمات الذي برع فيه اللبنانيون ضمن محيطهم الإقليمي الواسع. وبنتيجة تلك التبدلات البنيوية برز نمو مضطرد للطبقة الوسطى إلى أن زاد حجمها على أكثر من 70 في المائة من الشعب اللبناني.
تميز أفراد هذه الطبقة بمستوى عال من التحصيل العلمي والمهارات التقنية والإدارية والإبداع الأدبي والفني. وشكلت عامل استقرار داخلي مهما طوال السنوات التي سبقت الحرب الأهلية.
لكن فساد الطبقة السياسية الحاكمة وعدم كفاءتها في إدارة الأزمات السياسية الحادة التي عرفها لبنان في المرحلة الممتدة ما بين 1943 حتى ,1975 أفقد لبنان واللبنانيين الكثير من الإيجابيات التي كانت في أساس البحبوحة الإقتصادية، والنهضة العمرانية والتطور الثقافي والخدمات الاجتماعية لسنوات طويلة بعد الاستقلال. وتجلى فساد تلك الطبقة في انتخابات التزوير الشهيرة في أيار 1947 وأزمة التجديد للرئيس بشارة الخوري عام ,1949 والثورة البيضاء لإسقاطه عام ,1952 والثورة الشعبية لمنع الرئيس كميل شمعون من تجديد ولايته عام ,1958 وحكم الأجهزة الأمنية في عهد الرئيسين فؤاد شهاب وشارل حلو، وتوقيع اتفاق القاهرة عام 1969 على حساب سيادة لبنان بعد التلويح للعماد إميل البستاني برئاسة الجمهورية، والانقسام الحاد بين اللبنانيين على أساس الولاء للبنان أو الولاء للمقاومة الفلسطينية وما رافقها من صدامات دموية عام ,1973 وانفجار الحرب الأهلية عام 1975 والتي لم تنته فصولها حتى الآن. فقدم فساد الطبقة السياسية الحاكمة غطاء شرعيا لسياسة أميركية براغماتية أطلقها هنري كيسنجر، وأفضت إلى دخول قوات عسكرية، عربية شقيقة وإسرائيلية عدوة، لتسيطر على لبنان وتصادر قراره السياسي لثلاثة عقود.
نشير هنا إلى أهمية الأرشيف الأميركي الذي يعتبر من المصادر الأكثر أهمية في تاريخ المرحلة الممتدة من الإستقلال حتى اليوم. وقد أتيحت لي الفرصة للإطلاع على الكثير من تلك الوثائق التي تكشف بدقة خلفيات التدخل الأميركي في لبنان، وتنوع الأسلوب المعتمد بين السياسي والعسكري. وذلك بهدف إعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط على خلفية الدعم الثابت والدائم لإسرائيل، وعلى حساب لبنان وجميع العرب. لقد اختار النظام السياسي في لبنان، منذ الإستقلال وحتى اليوم، الإرتباط الوحيد الجانب بالسياسة الأميركية في الشرق الاوسط. وتؤكد الوثائق الأميركية نفسها، أن الولايات المتحدة كانت وما زالت تولي عناية خاصة بلبنان. وهي لا تتورع عن التدخل في جميع الأحداث اللبنانية، وأنزلت قواتها العسكرية على سواحله في أعوام ,1958 و.1983 وحين كان اسم وزير خارجية أميركا جون فوستر دالاس، يثير الذعر لدى قادة كثير من دول العالم، بعث بعد أحداث 1958 في لبنان بأكثر من خمسين رسالة إلى بعض قادة الفرق العسكرية والمؤسسات الاقتصادية الأميركية من أجل شراء التفاح اللبناني. وجاء في رسائله أن لبنان بلد مهم جدا بالنسبة للسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. وعلى الولايات المتحدة دعمه بكل الوسائل المتاحة لمنع سقوط نظامه السياسي في قبضة «الحركات القومية والشيوعية الهدامة»، على حد تعبيره. وتدخل الأميركيون بقوة لانتخاب فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية اللبنانية، وبالتنسيق الكامل مع الرئيس جمال عبد الناصر. وسرعان ما أصبحت للأميركيين كلمة نافذة في انتخاب الرئيس اللبناني، وتشكيل الوزارات والإنتخابات البرلمانية وتدريب كبار العسكريين والإداريين وتوجيه السياسات الإقتصادية والمالية والتربوية. وكان الاميركيون يتدخلون بصورة مباشرة أو بالواسطة، من خلال تحالفاتهم الثابتة أو المرحلية مع الدول العربية المعنية بالمسألة اللبنانية.
اللافت للنظر، أنه بقدر ما كان الدور الأميركي واضحا في التحضير لتفجير الأزمات في لبنان، كان الأميركيون حريصين على إعادة ترميم نظامه السياسي بعد تلك الازمات. وتحملت الولايات المتحدة مسؤولية مباشرة أو بالواسطة بسبب التردي المستمر لأداء الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان في حالتي السلم والحرب. إذ يعتبر سفيرها الأكثر فاعلية في اختيار غالبية رؤساء الجمهورية في لبنان منذ عام .1958 فقد ترك السفير الأميركي في لبنان إبان تلك الفترة، روبرت ماكلنتوك، أكثر من عشرين ألف وثيقة محفوظة في الأرشيف الأميركي خلال أقل من سنتين. وهي تشكل مادة وثائقية بالغة الأهمية لدراسة تطور الأوضاع السياسية والإدارية والإقتصادية والتربوية في لبنان، ومن مختلف جوانبها. وذلك يطرح تساؤلات منهجية حول موقع لبنان في الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، رغم الارتباط الوثيق بين المصالح الأميركية والإسرائيلية التي يجسدها مشروع الشرق الاوسط الكبير. أبرز تلك التساؤلات تؤكد على أن النظام السياسي اللبناني، بجميع مؤسساته، لم يتمتع بحصانة داخلية تحميه من المخططات الخارجية، وأبرزها المخططات الأميركية. فالكشف عن الأهداف الحقيقية للإستراتيجية الأميركية تجاه لبنان يظهر مدى حرصها الدائم على أمنه واستقراره شرط الانخراط الكامل تبعيا بمركز القرار الأميركي.
لكن المأزق الـحاد للســياسة الأميــركية في هذه المنطقة ينبع من تحالفها الثابت والدائم مع إسرائيل. فهي تريد من حلفائها العرب، في لبنان وفلسـطين والأردن والسعودية ومصر وغيرها من الدول العربية، أن يغلبوا مصالح إسرائيل على مصالح شعوبهم حتى يستحقوا الدعم الأميركي الكامل. وهو دعم هزيل، ماديا وعسكريا، بالمقارنة مع الدعم السخي الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل، وفي جميع المجالات.
لقد دفع اللبنانيون ثمنا غاليا للسياسة التي روج لها الأميركيون وتبنتها الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، وأبرز مقولاتها: «قوة لبنان في ضعفه»، و«لبنان تحميه صداقاته الدولية»، و«حياد لبنان الإيجابي في الصراع العربي ـ الصهيوني».
لكن القرار الأميركي كان مخادعا ومنحازا بالكامل للمشروع الصهيوني في الشرق الاوسط. وتظهر الوثائق الاميركية حول أحداث ,1958 كيف أن السياسة الاميركية حولت لبنان إلى «حقل الغام» على حد تعبير الباحثة الأميركية إيرين غوندزير في أطروحتها العلمية الرصينة عن أحداث تلك الحقبة. وقد نجحت في حمل الدبلوماسية اللبنانية على طلب التدخل الأميركي الجاهز في إطار دبلوماسية عسكرية لزيادة النفوذ الأميركي في منطقة الشرق الاوسط، وضمان أمن إسرائيل. وتحت المظلة الأميركية عاش لبنان حروبا أهلية مستمرة، وخضعت أراضيه لجيوش شقيقة وصديقة وعدوة.
واحتلت إسرائيل العاصمة بيروت وأكثر من نصف مساحة لبنان على مرأى من الأميركيين والعرب. وتأزمت العلاقات بين الطوائف، والمذاهب، والأحزاب السياسية، ما أدى إلى اقتتال داخلي وحركة تهجير واسعة بين الطوائف والمناطق.
وخلال نصف قرن على خضوع الطبقة السياسية اللبنانية للقرار الأميركي الوحيد الجانب، المباشر أو بالواسطة، أصبحت البنية الطائفية في لبنان هشة للغاية وسريعة الإنفجار من الداخل. وباتت الطبقة السياسية الحاكمة أسيرة الاغتيالات الشخصية، والإقامة الجبرية، والحماية الخارجية. ولا يقيم الأميركيون وزنا يذكر لجميع قادة الطوائف والميليشيات من اللبنانيين، بل يعرضونهم لخيبات أمل متلاحقة عندما يكشفون لهم هزال موقعهم وموقع وطنهم في الإستراتيجية الأميركية الثابتة لإعادة تشكيل الشرق الاوسط بما يخدم مصالح التحالف الأميركي ـ الصهيوني. ختاما، يكرر القادة الأميركيون في خطبهم السياسية عن لبنان أن الولايات المتحدة فخورة بنظامه «الديموقراطي»، وبحكومته «المنتخبة ديموقراطيا»، وبقادة الميليشيات فيه الذين يعبرون عن أرقى أشكال «التمثيبل الديموقراطي» لطوائفهم على الطريقة العربية المعترف بها أميركيا. وهي ملزمة بالدفاع عن وحدة لبنان لكي تمنع أي طائفية أو حزب سياسي معاد لأميركا وإسرائيل من التفرد بحكم لبنان. وتظهر الاستعداد الكامل لاستخدام قواتها العسكرية، والقوات الدولية المتعددة الجنسيات لحماية لبنان من بعض اللبنانيين والعرب، لكنها لا تقدم أي التزام لحمايته من إسرائيل.
([) مؤرخ وأستاذ جامعي