من البديهي أن النظر إلى العلمانية في سورية يجب أن يكون ذو مرجعية منهجية ما، يتم الارتكاز عليها لمقارنة معيارية فكرية زمنية للمفهوم مع الواقع السوري الديني والاجتماعي والدولتي ومطابقته مع حالة المجتمع الراهنة، والعلمانية ليست عنواناً جديداً على الحياة السياسية في سورية، ففي بداياتها كانت محاكاة نظرية ونقل حرفي مشوه لتجربة خارجية مرت بها مجتمعات أخرى تختلف بينها عوامل التناقض الدينية والاجتماعية والاقتصادية، أي يختلف بعدها المتعلق بفلسفة الإنسان والسلطة والإيمان، ففي حين أنتجتها ظروف زمن الانحطاط الأوروبي بما يمثل من ظلم وانتهاك لإنسانية الفرد، وضمن إطار دور الكنيسة المعروف، هذه الحالة لم تعرفها سورية، والمجتمع السوري لم يعرف الكهنوت الديني، لكن شهد ممارسات بعيدة عن حقيقة الدين، وتستخدم الدين غطاء لتبرير السيطرة على الناس والاستئثار بالسلطة، وفي إطار المقاربات الحالية لموضوع العلمانية وموقفها الملتبس من الدين بصورة مجتزأة، يبدو أن هدفها التشويش والتعمية وإثارة الشبهات وليس النقد والتوضيح والبيان، بهذا المنحى لا نرى أنه المدخل الصحيح لمقاربة الموضوع، ولن يسمح ذلك باشتقاق رؤية حداثية لواقع منهار فكرياً وروحياً ومادياً وسياسياً وحتى أهلياً، وبعيداً عن أي إسقاط مربك على الواقع، ففي سورية نظام خليط من أسوأ سيئات الأنظمة المستبدة عبر التاريخ، وعمره ما يقرب من نصف قرن، وهو يحسب نفسه على صف العلمانية بصيغتها العربية، والبعض والعالم يتعامل معه على هذا الأساس، وأما تحديد شكله فلسفياً وفكرياً نظرياً هذا موضوع آخر، المهم الواقع السوري ماذا يقول، وماذا يسأل، ومن سيجيب؟! وعليه يجب مقاربة الموضوع بإطاره الواقعي وليس من منظور ديني فقط، والتوقف عن الاسترسال وراء رغبة مبطنة لتشويه المفهوم، ولا نريد أن نقول تطييفه من قبل البعض تجاوزاً للردح والسجال.
على أن المطلوب في المعالجة هو ضرورة الابتعاد عن العزف على وتر الغرائز، والفصل بين "علمانية" النظام التي هي استبدادية واستئصالية ومتخلفة وفئوية من جهة، وبين العلمانية الحقيقية التي هي ضد الاستبداد كله ومهما كان مرتكزه ديني أو طائفي أو عرقي أو حتى سياسي من جهة أخرى، هنا بعض الخطل الكبير بربط العلمانية بالنظام الحالي في سورية، وهو ربط يردح به علمانيون وسلفيون وهم من إفرازات النظام نفسه، وبالتالي إسقاط صفات النظام الكريهة عليها، وإلحاق فشله الوطني والسياسي والإنساني بها، وسحب تناقضه مع الدين عليها، ليس هناك أي لونية في بنية المفهوم، لكن المشكلة هو ببعض من يقاربه ويعرضه على الساحة الوطنية والثقافية بشكل مبتسر، وفي معظم الأحيان بثنائية مصطنعة التناقض وغير صحيحة وغير نزيهة وهي (العلمانية ضد الإسلام)، المجتمع السوري بأكثريته مرتبط تكوينياً ومعرفياً على مستوى وعي الفرد وسلوكه وتفكيره بالإسلام، وعليه لا يجوز التجريد لأنه يؤدي إلى الوهم، فهل هناك من فائدة بالزرع في الرمال أو استمرار غربلة المياه؟! الواقع في سورية بمحدداته الحالية على تخوم الانحطاط التاريخي، وهذا يتطلب التكامل واستخدام كل المخزون الديني والفلسفي والسياسي والثقافي، الفردي والجماعي لفهم تناقضات الواقع الذي تعيشه سورية، وهي تناقضات مركبة ليست طبيعية على الإطلاق، بل استثنائية في شكلها ولونها وعمقها وتفسخها، وهي ليست صراع حول الدين وفيه، بل بين المجموع والاستبداد، صراع ديني وفكري وسياسي وقانوني وإنساني، وعليه يجب تحويل الردح إلى ساحة الحوار، والكشف بصدق عن محتوى الواقع الحالي، بدايته التخلي عن النرجسية والفردية ورواسب الديكتاتورية والغرائز التي تعشعش في لاوعي ووعي الكثيرين، وتمنع رؤية الشمس في وضح نهار الصيف، بخلاف ذلك سنبقى نلف وندور حول قشور المفاهيم ونراوح في كهوف التخلف، ونبتعد أكثر عن الزمن والعصر، ويستمر الاستبداد والتخلف يستشري سرطاناً في نسيج وعقل المجتمع.
واستطراداً من الواضح أن هناك التباس في الخطاب الحالي، لا يستدعي الكثير من التدقيق لنتبين ما هو المقصود فيه، عن وعي أو عن قصور فالمحصلة واحدة، منه شخصنة مفهوم العلمانية وجعلها ملحقةً بهذا الاسم أو ذاك، وهذا تشويه وتقزيم لها، وقد تكون الصدفة بانحدار هذا أو ذاك من دين معين أو طائفة أو مذهب معين تزيد المفهوم لبساً والطين بله والمجتمع عله، بالضبط هذا هو منحى تذرر العلمانية من مستواها العام الإنساني إلى غطاء أقلاوي، أي نزع إنسانيتها وإرجاعها إلى علمانية هجينة، علمانية الاستبداد التي تطال المجتمع كله بمسلميه ومسيحييه ومؤمنيه وملحديه، وربطها بمنشأ النظام الطائفي الكريه، وحصر الواقع زوراً في ثنائية "علمانية الاستبداد وعداء الإسلام"، أي بالمحصلة القبول بعلمانية النظام الفردي، هنا جوهر المشكلة التي يحوم حولها الكثير بنسب مختلفة من الوضوح والفهم والجهر، يهرب البعض من ذلك خوفاً من العلمانية العاقلة الإنسانية التي تكشف عيوب الجميع، ويحصر الأمر إما بقبول الاستبداد بشكله الحالي في سورية على خلفية أنه يحارب الإرهاب ويحمي الأقليات!، أو بالرجوع إلى الماضي وشحط الحاضر إليه والسير عكس اتجاه التاريخ، وإجراء مقارنة واهية بين مراحل تاريخية متباينة لها محدداتها المختلفة من الوعي والتطور، وهي لايمكن أن تخضع لقانون الأواني المستطرقة، بحيث مافعله المسلمون من مئات السنين وبظروفهم، سوف يتكرر الآن بنفس الصورة ونفس المستوى والآليات، رغم أن الدولة الإسلامية في حالة استقرارها الديني والقانوني والاجتماعي في الماضي، لم تفعل سوى كل ماهو لمصلحة الإنسان والحضارة، ولاشك أن هناك ممارسات غير صحيحة حسبت على الإسلام وهي ليست منه في الماضي، وهي ليست غريبة في مسيرة السلطة والتطور، هنا تنحدر العلمانية إلى تنجيم مافي العقول وقراءة مافي النوايا، وتتناقض وتدخل الغيبيات في هفوة من اتساق التفكير والتعبير، وتختلط مرة أخرى الأمور بين النظره الحداثية، وبين مخزون الغريزة المتخلف بمحاولة فرض العقدة والتعقيد وليس الحلحلة والحل، إذ بكل الأحوال ليس من احترام الآخر وحرية الرأي والاعتقاد هو التبرع المجاني للعمل كشرطة تاريخية لاهوتية، تضع الشمع الأحمر على هذا الدين أوذاك، على هذا الفكر أو ذاك.وتختمه بالسلفية حتى يدفع ضريبة مفروضة بالقوة والإكراه، بعضها تغيير الإيمان والعقيدة والثقافة أي نزع الهوية، وهو الشرط الضروري الذي يضعوه (العلمانويين) لمرور المجتمع من الماضي إلى الحاضر، وهذا هو بالضبط سلوك النظام في سورية، هنا يأبى العقل الحر الواعي النزيه، والربط بين المتناقضات وتكبيرها ونشرها على الساحة الثقافية، وليس هذا هو خيار التعايش والتقدم والتحديث.
ففي حركة التاريخ المتجهة إلى الأمام، لا يمكن وهمياً إزاحة الزمن والتاريخ ولا الدين إلى الوراء، الوراء بما هو مرحلة من التطور لها مفاعيلها الدينية والدنيوية، زمن مضى وانقضى ولم تعد موجودة عوارضه في الواقع الحالي، بل الخطير فيه هو ترسبه المستقر في مخزون الذاكرة وبالذات الأقلياتي منها، ومع كون شخوصها تعيش زمنياً في الحاضر، إلا أنها خارج إحداثيات العصر والحداثة والمجتمع، بمعنى الوعي والعلاقة مع الآخر الديني والوطني والقومي والحقوق إنساني، هنا يظهر التناقض كله بين التسليم بالعلمانية بما فيها من حرية الاعتقاد والرأي والعدالة والمساواة، بتقزيمها وتقديمها ذو بعداً واحداً، وبفرض خيار واحد على المسلمين(العلمانية أو التخلف) ولا خيار آخر، هنا تتكثف الأصولية في الوعي والتي تتلخص في نفي غير منهجي لإمكانية النظرة الحداثية في الإسلام بشكل مطلق، مع أن الواقع لا يشهد تجربة سلطة يشارك بها الإسلام سوى في التجربة التركية والماليزية، وهي جديرة بتصحيح الكثير من نظرتنا المتحجرة عن الدين والعلمانية معاً، إذ ما معنى تفكيك الوعي الاجتماعي وقناعات الناس، ومعالجة الموضوع على خلفية لافتات فكرية أو سياسية تجزيئية؟ وبالضغط للتخلي عن معتقداتهم ودينهم وثقافتهم، هذا هو الشعب السوري بكل حمولته الدينية والأهلية، ولا نعتقد أن الذي تعايش لآلاف السنين وأنتج الأبجدية والحضارة كان بالإكراه، بقدر ما كان بالتكامل والانسجام الاجتماعي الداخلي على أرضية التعايش المشترك وضمان حقوق الجميع.
وأخيراً، رجوعاً عابراً إلى واقع سورية اليوم، نرى بوضوح شديد أن النظام يمثل الأقلية وهنا نتكلم سياسة (ومن يصر على فهم غيرذلك فهذا شأنه)، وهذه الأقلية تاريخياً هي سورية، ولم تأت من الواق الواق، هنا تكمن الكثير من أبعاد المشكلة في سورية بما هي نار تحت الرماد، المشكلة هي في نظام هجين من تلاقح كل مظاهر استبداد السلطة الفاسدة الفئوية، وأوصل الشعب إلى حالة وهن نفسي ومادي وعقلي وسياسي وإنساني لامست الحضيض، في مثل هذه الحالة إن الدخول على حامل الأقلية لمعالجة المشكلة، هو (طلقة الرحمة) القاتلة التي توجه إلى وحدة هذا الشعب، في ظروف إقليمية أصبح التفتيت والتقسيم هو شعارها، في حين العالم كله يسير باتجاه التكامل والتوحد، هنا نصل إلى تبيان تهالك هذا النمط من الإيمان بالعلمانية والديموقراطية على حد سواء، إذ كيف يمكن لها أن تتآلف مع تسفيه قناعة الآخر ومعتقداته والحكم النهائي عليها بأنها ضد حركة التاريخ!، ولا يمكن أن تفرز سوى العنف والسيطرة وانتهاك حقوق الأقليات !، لا ندري أي " بانوميتر" فكري أشر هذه التصنيفات، التي تمثل ببساطة جناية فكرية وأدبيه وإنسانية بحق الإسلام والمسلمين والمجتمع، لم يقدم لنا التاريخ تجربة حكم أفضل من الإسلام، عدالةً ومساواةً واحتراماً للآخر، الإسلام رفد التاريخ البشري بالعلماء والمفكرين والمصلحين وبناة الحضارة، وتجارب التاريخ واضحة ومليئة بالأمثلة والشواهد، نعتقد أن في حكم المبتدأ والخبر معاً أن الإسلام كرسالة وكنظام سياسي في الدنيا، قد أقصي عن الفعل منذ مئات السنين، ولا نعتقد أن الظواهر الحالية المنحرفة التي تلصق بالإسلام والدين وأخطرها هو العنف والتكفير، هي مجهولة الصناعة والمنشأ والهدف، وهي لاتمت إلى حقيقة الإسلام بصلة، بل مجيشة بهذا الشكل الإعلامي الضخم الموجه على مدار الساعة وبشكل مسيء للإسلام والمسلمين، ولا نعتقد أيضاً أن واقع الإسلام والمسلمين هو وردي، لكن هذا الشحن لايخدم المجتمع وتقدمه وتطوره وعلمنته، لأن هذا الإخراج المبرمج هو محفز للكراهية والانفصال عن الآخر، وهو ضد البعد الإنساني في الإسلام، ويتناقض مع البعد الاجتماعي للإنسان السليم نفسه، بل وحتى ضد الجهادية الإسلامية الدنيوية التي تسعى لبناء حياة حرة عادلة اجتماعية خالية من العبودية والتمييز، وتحافظ على الكرامة الإنسانية لبني البشر بغض النظر عن العقيدة واللون والعرق، هنا يبدو التناقض الظاهر والمبطن في الفهم والمفاهيم والغايات، والتي تصر بشكل مقلق على خربطة أولويات الشعب، وهي الخلاص من الاستبداد وإعادة الشعب إلى الحياة والعصر، وهذا ليس مدخله التفتيت وإلغاء خصوصية الشعوب والإصرار على تجريدها من هويتها (التي لم تعد تعني شيئاً للبعض) وتغريبها نفسياً وفكرياً وسياسياً..!
في ظل هذا الوضع الذي بات الانحطاط بعض ملامحه، والشعب السوري بماهو فيه الآن من حالة مخيفة، أوصله لها النظام والظروف الإقليمية وترهل قوى التغيير والتحديث، بصراحة.. الكل مرتبك وخائف.. فماهو الحل؟!.. الكل معني بالإجابة الصريحة، وبعض الإجابة كما نعتقد لا تكون "بالخروج من الدين، أو إخراج الدين من الحياة"، بل محاولة الخروج من العبودية والجاهلية الجديدة، والإصرار على الدخول إلى ساحة مفاهيم الحرية والعدل والمساواة واحترام الآخر..
يتبع...
__________
* كاتب سوري


