بعد أن يئست قوى المعارضة الديمقراطية السورية من استجابة سلطة العهد الجديد، التي ورثت العهد القديم في العام 2000، لدعوتها الصادقة للإصلاح التدرجي والشامل، وبعد أن لاحقت السلطة النشطاء واعتقلت بعضهم، انتقلت المعارضة من المطالبة بالإصلاح، عبر توجيه الخطاب إلى السلطة، إلى " تبنّي خيار التغيير الديمقراطي، والتكتل، والعمل معا من أجل إنجاز هذا الخيار بالضغط السياسي والنشاط الميداني السلمي ". وقد جسدت ذلك في " إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي " في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2005.

إنّ سورية مازالت " تتخبط في أزماتها، والسوريون في معاناة ومحن لا حدود لها، فيما السلطة مستمرة بما اعتادت عليه من سياسات وممارسات ". في حين أنّ المعطيات المتوفرة تؤكد الحاجة السورية الماسة إلى التغيير الوطني الديمقراطي الشامل، إذ تتميّز البنية السكانية السورية بغلبة الشباب (أكثر من 60% من مجموع السكان دون سن الـ 25 سنة)، وأكثر من 600 ألف عاطل عن العمل، و250 ألف طالب عمل سنويا. يضاف إلى ذلك أنّ متوسط الدخل الفردي يقل عن مثيله في الدول المجاورة، ويزداد أثر ذلك بسوء التوزيع.

ومردُّ كل ذلك هو النظام الشمولي الذي حكم البلاد والعباد، والذي تميّز بالتماهي بين الدولة والسلطة والمجتمع والحزب، واندمجت كلها في شخصية الحاكم، بعيدا عن أية مؤسسات رقابية حقيقية، بل بوجود مراتبية تلعب فيها الأجهزة الأمنية الدور الأهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تقرّب أهل الولاء وتنفّر أهل الكفاءة. وفي مثل هذا النظام كان من الطبيعي أن تغيب دولة الحق والقانون، خاصة عندما أصبحت حالة الطوارئ والأحكام العرفية، التي تكون مؤقتة في العادة، حالة دائمة.

إنّ آليات السيطرة التي تكونت منذ سنة 1963 شكلت الغطاء للفساد العام والركود الاقتصادي على مدى سنوات عديدة، كما أعاقت إمكانية التعامل العقلاني مع الموارد الاقتصادية والبشرية السورية، وعطّلت انطلاق مبادرات المجتمع السوري الذي يتميّز بالحيوية، وبالتالي أدت إلى الأزمة المعيشية لقطاعات واسعة من الشعب السوري. وبما أنّ هذه الآليات قد تولدت عن البنية الشمولية للدولة السورية، فمن الطبيعي أن يكون التغيير شاملا لكل ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بتناغم واضح فيما بينها.

أما على مستوى السياسات الإقليمية والدولية السورية فإنّ كل مطّلع، بعدما حصل من متغيّرات عالمية وإقليمية انتهت بموجبها مناخات الحرب الباردة والأهم بعد احتلال العراق وما أحدثه من تغيّرات جيو - استراتيجية، لن يجد أي جديد في حركتها الراهنة، بل ثمة استمرار وإصرار على معالم النهج القديم في تعاطيها مع المشكلات والأزمات الإقليمية. بل يتضح الجديد في عمق مأزقها الراهن وانكشاف حجم الهوة على نحو فاضح بين ما تدعيه وما تستطيعه، وقد ضاق هامش مناوراتها عالميا وعربيا إلى حد لم تعهده منذ عقود وانعكس اضطرابا وارتباكا في مواقفها، لتتأرجح بين تعبئة شعاراتية لحقن روح التحدي والممانعة، وبين مماطلة وتسويف ورهان على عامل الوقت وترقب ما يستجد من أحداث لعل بالإمكان تجيير بعض نتائجها بما يحافظ على الوضع القائم ويضمن أقل الخسائر والأضرار، فضلا عن إبداء مرونة عملية في تقديم بعض التنازلات إقليميا لتحسين فرص الحوار والتفاهم مع الإدارة الأمريكية، ولا بأس في هذا السياق من العزف على وتر التحذير بأنّ المس باستقرار سورية هو الأسوأ للمصالح الأمريكية أمام " خطورة " تيار إسلامي يتحين الفرصة للانقضاض على السلطة والمجتمع.

وربما أنّ صناع السياسة الخارجية السورية لا يزالون يعتبرون أنّ هذه السياسة هي الحال المقابلة لسياسة التسليم السريع بمطالب الخصم، وهو ما قد يسمى في القاموس السوري " تنازلا وتفريطا "، ومن دون أن يمحّصوا جديا الخيارات الأخرى التي قد تكون أكثر جدوى للتعامل مع أوضاع تتطلب القيام بكل المبادرات الضرورية والاستباقية لتجنب الوصول إلى مواجهة غير متكافئة. خصوصا أننا نعيش زمنا من العبث فيه التمترس عند خطابات مثالية تعتمد المحاججة المنطقية المجردة ومعايير الحق والعدل التي، للأسف، لم تعد تفيد كثيرا في غياب عناصر القوة الكافية لإسنادها وتثبيتها.

وهكذا، فإنّ التغيير أضحى حاجة موضوعية كي لا تتأخر سورية عن التعاطي المجدي مع التحديات المطروحة عليها، وبالتالي فإنّ تعثّر مشروع الإصلاح هو مجازفة خطيرة بمستقبل الدولة والمجتمع في سورية. فالحاجة ملحة إلى إعادة بناء السلطة على أسس جديدة تعطي الدولة طابعا آخر يوحد المطامح الوطنية العامة، ويؤسس لفاعلية جديدة تستوعب عناصر المجتمع كافة. إننا بحاجة إلى ديمقراطية حقيقية توفر الإمكانية لاستيعاب المتغيّرات العميقة في الحياة الإنسانية المعاصرة، مما يستوجب مأسسة الفاعلين السياسيين من خلال شرعنة وجود أحزاب وجمعيات علنية تقبل التسويات التاريخية والحلول المعتدلة، وتعتمد الأسلوب السلمي للتغيير والتقدم.

لقد احتضن " إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي " أطيافا متنوعة من المكونات الاجتماعية والفكرية والسياسية السورية التي اجتمعت على ضرورة إحداث التغيير في الحياة السورية. لكن، ومع الأسف الشديد، لا تزال السلطة السورية ترفض الاعتراف بالمعارضة وترفض قبول خيار التغيير السلمي ولا تزال تعتمد على القوة الأمنية في مواجهة قوى المعارضة الديمقراطية.

وطالما أنّ قدر سورية أنها وجدت في منطقة حساسة من العالم، منطقة لم تعرف الاستقرار طيلة عقود بسبب قوة حضور المصالح الغربية وتنامي الدور الصهيوني ومخاطره. لكنّ الصحيح أيضا أنه لم يعد من المجدي التعاطي مع هذه الخصوصية من خلال منطق تحوير الحقائق وطمس الوقائع أو من خلال حملات تعبئة ساخنة، أيديولوجيا وسياسيا، تستهتر بماهية الأخطار القادمة وتستخف بحجم الخسائر والأضرار التي سوف تتكبدها البلاد ومستقبل أجيالها إن دفعت إلى معركة غير متكافئة وغير مبررة سياسيا وقانونيا مع العالم والشرعية الدولية.

إنّ صياغة معادلة جديدة في الحياة الداخلية تأخذ بعين الاعتبار تعاظم التحديات، في ظل علاقة بين السلطة والمجتمع قائمة على القناعة والثقة والتفاعل الحر، علاقة مقننة في إطار عقد اجتماعي جديد يوفّر الشفافية والمؤسسية والقانون، هي وحدها الكفيلة بوضع سورية على أولى درجات الإصلاح والتغيير المنشودين، وإلا فإننا أمام حالة إعادة إنتاج الماضي بكل مآسيه.

 

تونس  في 21/10/2007                   الدكتور عبدالله تركماني

                                       كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 25/10/2007.